الخميس، 17 فبراير 2022

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

اااااااااااااااااااااااا

 

<iframe width="1366" height="768" src="https://www.youtube.com/embed/Ik96SeDMLzM" title="YouTube video player" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>

الجاحظ البخلاء /البيان والتبيين / / المختار في الرد على النصارى



البخلاء   المقدمة رب أنعمت فزد
تولاك الله بحفظه وأعانك على شكره ووفقك لطاعته وجعلك من الفائزين برحمته ذكرت - حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص النهار وفي تفصيل حيل سراق الليل وأنك سددت به كل خلل وحصنت به كل عورة وتقدمت بما أفادك من لطائف الخدع ونبهك عليه من غرائب الحيل فيما عسى ألا يبلغه كيد ولا يحوزه مكر وذكرت أن موقع نفعه عظيم وأن التقدم في درسه واجب وقلت: اذكر لي نوادر البخلاء واحتجاج الأشحاء وما يجوز من ذلك في باب الهزل وما يجوز منه في باب الجد لأجعل الهزل مستراحا والراحة جماما فإن للجد كدا يمنع من معاودته ولا بد لمن التمس نفعه من مراجعته.
وذكرت ملح الحزامي واحتجاج الكندي ورسالة سهل بن هارون وكلام ابن غزوان وخطبة الحارثي وكل ما حضرني من أعاجيبهم ولم سموا البخل صلاحاً والشح اقتصاداً ولما حاموا على المنع ونسبوه إلى الحزم ولما نصبوا للمواساة وقرنوها بالتضييع ولما جعلوا الجود سرفاً والأثرة جهلاً ولم زهدوا في الحمد وقل احتفالهم بالذم ولم استضعفوا من هش للذكر وارتاح للبذل ولم حكموا بالقوة لمن لا يميل إلى ثناء ولا ينحرف عن هجاء ولم احتجوا بظلف العيش على لينه وبحلوه على مره ولم لم يستحيوا من رفض الطيبات في رحالهم مع استهتارهم بها في رحال غيرهم ولم تتايعوا في البخل ولم اختاروا ما يوجب ذلك الاسم مع أنفتهم من ذلك الاسم ولم رغبوا في الكسب مع زهدهم في الإنفاق ولم عملوا في الغنى عمل الخائف من زوال الغنى ولم يفعلوا في الغنى عمل الراجي لدوام الغنى ولم وفروا نصيب الخوف وبخسوا نصيب الرجاء مع طول السلامة وشمول العافية والمعافى أكثر من المبتلى وليست الحوائج أقل من الفوائد.
فكيف يدعوا إلى السعادة من خص نفسه بالشقوة بل كيف ينتحل نصيحة العامة من بدأ بغش الخاصة ولم احتجوا مع شدة عقولهم بما أجمعت الأمة على تقبيحه ولم فخروا مع اتساع معرفتهم بما أطبقوا على تهجينه وكيف يفطن عند الاعتلال له ويتغلغل عند الاحتجاج عنه إلى الغابات البعيدة والمعاني اللطيفة ولا يفطن لظاهر قبحه وشناعة اسمه وخمول ذكره وسوء أثره على أهله وكيف وهو الذي يجمع له بين الكد وقلة المرفق وبين السهر وخشونة المضجع وبين طول الاغتراب وطول قلة الانتفاع ومع علمه لأن وارثه أعدى له من عدوه وأنه أحق بما له من وليه أو ليس لو أظهر الجهل والغباوة وانتحل الغفلة والحماقة ثم احتج بتلك المعاني الشداد وبالألفاظ الحسان وجودة الاختصار وبتقريب المعنى وبسهولة المخرج وإصابة الموضع لكان ما ظهر من معانيه وبيانه مكذباً لما ظهر من جهله ونقصانه ولم جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض ويعيا عن القريب الجليل وقلت: فبين لي ما الشيء الذي خبل عقولهم وأفسد أذهانهم وأغشى تلك الأبصار ونقض ذلك الاعتدال وما الشيء الذي له عاندوا الحق وخالفوا الأمم وما هذا التركيب المتضاد والمزاج المتنافي وما هذا الغباء الشديد الذي إلى جنبه فطنة عجيبة وما هذا السبب الذي خفي به الجليل الواضح وأدرك به الدقيق الغامض وقلت: وليس عجبي ممن خلع عذاره في البخل وأبدى صفحته للذم ولم يرض من القول إلا بمقارعة الخصم ولا من الاحتجاج إلا بما رسم في الكتب ولا عجبي من مغلوب على عقله مسخر لإظهار عيبه كعجبي ممن قد فطن لبخله وعرف إفراط شحه وهو في ذلك يجاهد نفسه ويغلب طبعه.
ولربما ظن أن قد فطن له وعرف ما عنده فموه شيئاً لا يقبل التمويه ورقع خرقاً لا يقبل الرقع.
فلوا أنه كما فطن لعيبه وفطن لمن فطن لعيبه فطن لضعفه عن علاج نفسه وعن تقويم أخلاطه وعن استرجاع ما سلف من عاداته وعن قلبه أخلاقه المدخولة إلى أن تعود سليمة لترك تكلف ما لا يستطيعه ولربح الإنفاق على من يذمه ولما وضع على نفسه الرقباء ولا أحضر مائدته الشعراء ولا خالط برد الآفاق ولا لابس الموكلين بالأخبار ولا استراح من كد الكلفة ودخل في غمار الأمة.
وبعد فما باله يفطن لعيوب الناس إذا أطعموه ولا يفطن لعيب نفسه إذا أطعمهم وإن كان عيبه مكشوفاً وعيب من أطعمه مستوراً ولم سخت نفس أحدهم بالكثير من التبر وشحت بالقليل من الطعم وقد علم أن الذي منع يسير في جنب ما بذل وأنه لو شاء أن يحصل بالقليل مما جاد به أضعاف ما بخل به كان ذلك عتيداً ويسيرا موجوداً وقلت: ولا بد من أن تعرفني الهنات التي نمت على المتكلفين ودلت على حقائق المتموهين وهتكت عن أستار الأدعياء وفرقت بين الحقيقة والرياء وفصلت بين البهرج المتزخرف والمطبوع المبتهل لتقف - زعمت - عندها ولتعرض نفسك عليها ولتتوهم مواقعها وعواقبها.
فإن نبهك التصفح لها على عيب قد أغفلته عرفت مكانه فاجتنبته.
فإن كان عتيداً ظاهراً معروفاً عندك نظرت: فأن كان احتمالك فاضلاً على بخلك دمت على إطعامهم وعلى اكتساب المحبة بمؤاكلتهم وإن كان اكترائك غامر الاجتهاد سترت نفسك وانفردت يطيب زادك ودخلت مع الغمار وعشت عيش المستورين.
وإن كانت الحروب بينك وبين طباعك سجالاً وكانت أسبابكما أمثالاً وأشكالاً أجبت الحزم إلى ترك التعرض وأجبت الاحتياط إلى رفض التكلف ورأيت أن من حصل السلامة من الذم فقد غنم وأن من آثر الثقة على التغرير فقد حزم.
وذكرت أنك إلى معرفة هذا الباب أحوج وأن ذا المروءة إلى هذا العلم أفقر وأنى إن حصنت من الذم عرضك بعد أن حصنت من اللصوص مالك فقد بلغت لك ما لم يبلغه أب بار ولا أم رءوم.
وسألت أن أكتب لك علة أن الرجل أحق ببيته من الغريب وأولى بأخيه من البعيد وأن البعيد أحق بالغيرة والقريب أولى بالأنفة وأن الاستزادة في النسل كالاستزادة في الحرث إلا أن العادة هي التي أوحشت منه والديانة هي التي حرمته ولأن الناس يتزيدن أيضاً في استعظامه وينتحلون أكثر مما عندهم في استشناعه.
وعلة الجهجاه في تحسين الكذب بمرتبة الصدق في مواضع وفي تقبيح الصدق في مواضع وفي إلحاق الكذب بمرتبة الصدق وفي حط الصدق إلى موضع الكذب وأن الناس يظلمون الكذب بتناسي مناقبه وتذكر مثالبه ويحابون الصدق بتذكر منافعه وبتناسي مضاره وإنهم لو وازنوا بين مرافقهما وعدلوا بين خصالهما لما فرقوا بينهما هذا التفريق ولما رأوهما بهذه العيون.
ومذهب صحصح في تفضيل النسيان على كثير من الذكر وأن الغباء في الجملة أنفع من الفطنة في الجملة وأن عيش البهائم أحسن موقعاً من النفوس من عيش العقلاء وإنك لو أسمنت بهيمة ورجلاً ذا مروءةً أو امرأةً ذات عقل وهمة وأخرى ذات غباء وغفلة لكان الشحم إلى البهيمة أسرع وعن ذات العقل والهمة أبطأ.
ولأن العقل مقرون بالحذر والاهتمام ولأن الغباء مقرون بفراغ البال والأمن فلذلك البهيمة تقنو شحماً في الأيام اليسيرة.
ولا تجد ذلك لذي الهمة البعيدة.
ومتوقع البلاء في البلاء وإن سلم منه.
والعاقل في الرجاء إلى أن يدركه البلاء.
ولولا أنك تجد هذه الأبواب وأكثر منها مصورة في كتابي الذي سمي كتاب المسائل لأتيت على كثير منه في هذا الكتاب.
فأما ما سألت من احتجاج الأشحاء ونوادر أحاديث البخلاء فسأوجدك ذلك في قصصهم - إن شاء الله تعالى - مفرقاً وفي احتجاجاتهم مجملاً فهو أجمع لهذا الباب من وصف ما عندي دون ما انتهى إلى من أخبارهم على وجهها وعلى أن الكتاب أيضاً يصير أقصر ويصير العار فيه أقل.
ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبين حجة طريفة أو تعرف حيلة لطيفة أو استفادة نادرة عجيبة.
وأنت في ضحك منه إذا شئت وفي لهو إذا مللت الجد.
وأنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع ومحمود المغبة إذا وافق الموضع ولم يجاوز المقدار ولم يعدل عن الجهة ودليل على الرقة والبعد من القسوة.
وربما عد من الوفاة وشدة الوجد على الأولياء.
وهو من أعظم ما تقرب به العابدون واسترحم به الخائفون.
وقال بعض الحكماء لرجل اشتد جزعه من بكاء صبي له: لا تجزع فإنه أفتح لجرمه وأصح لبصره.
وضرب عامر بن قيس بيده على عينه فقال: جامدة شاخصة لا تندى! وقيل لصفوان بن محرز عند طول بكائه وتذكر أحزانه: إن طول البكاء يورث العمى.
فقال: ذلك لها شهادة.
فبكى حتى عمى.
وقد مدح بالبكاء ناس كثير: منهم يحيى البكاء وهيثم البكاء.
وكان صفوان بن محرز يسمى البكاء.
وإذا كان البكاء الذي ما دام صاحبه فيه فإنه في بلاء - وربما أعمى البصر وأفسد الدماغ ودل على السخف وقضى على صاحبه بالهلع وشبه بالأمة اللكعاء وبالحدث الضرع - ولو كان الضحك قبيحاً من الضاحك وقبيحاً من المضحك لما قيل للزهرة والحبرة والحلي والقصر المبنى: كأنه يضحك ضحكاً.
وقد قال الله جل ذكره: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا}.
فوضع الضحك بحذاء الموت.
وإنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح ولا يمن على خلقه بالنقص.
وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيماً ومن مصلحة الطباع كبيراً وهو شيء في أصل الطباع وفي أساس التركيب.
لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي.
وقد تطيب نفسه وعليه ينبت شحمه ويكثر دمه الذي هو علة سروره ومادة قوته.
ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمى أولادها بالضحاك وببسام وبطلق وبطليق.
وقد ضحك النبي ﷺ ومزح.
وضحك الصالحون ومزحوا.
وإذا مدحوا قالوا: هو ضحوك السن وبسام العشيات وهش إلى الضيف وذو أريحية واهتزاز.
وإذا قالوا: هو عبوس وهو كالح وهو قطوب وهو شتيم المحيا وهو مكفهر أبداً وهو كريه ومقبض الوجه وحامض الوجه وكأنما وجهه بالخل منضوح! وللمزح موضع وله مقدار متى جازها أحد وقصر عنهما أحد صار الفاضل خطلاً والتقصير نقصاً.
ومتى أريد بالمزح النفع وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك صار المزح جداً والضحك وقاراً.
وهذا كتاب لا أغرك منه ولا أستر عنك عيبه.
لأنه لا يجوز أن يكمل لما تريده ولا يجوز أن يوفى حقه كما ينبغي له: لأن هاهنا أحاديث كثيرة متى أطلعنا منها حرفاً عرف أصحابها وإن لم نسمهم ولم نرد ذلك بهم.
وسواء سميناهم أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم.
منهم الصديق والولي والمستور والمتجمل.
وليس يفي حسن الفائدة لكم بقبح الجناية عليهم.
فهذا باب يسقط البتة ويختل به الكتاب لا محالة.
وهو أكثرها باباً وأعجبها منك موقعاً - وأحاديث أخر ليس لها شهرة ولو شهرت لما كان فيها دليل على أربابها ولا هي مفيدة أصحابها.
وليس يتوفر أبداً حسنها إلا بأن تعرف أهلها وحتى تتصل بمستحقها وبمعادنها واللائقين بها.
وفي قطع ما بينها وبين عناصرها ومعانيها سقوط نصف الملحة وذهاب شطر النادرة.
ولو أن رجلاً ألزق نادرة بأبي الحارث جمين والهيثم بن مطهر وبمزيد وابن الأحمر ثم كانت باردة لجرت على أحسن ما يكون.
ولو ولد نادرة حارة في نفسها مليحة في معناها ثم أضافها إلى صالح بن حنين وإلى ابن النواء وإلى بعض البغضاء لعادت باردة ولصارت فاترة فإن الفاتر شر من البارد.
وكما أنك لو ولدت كلاماً في الزهد وموعظة للناس ثم قلت: هذا من كلام بكر بن عبد الله المزني وعامر بن عبد قيس العنبري ومورق العجلي ويزيد الرقاشي لتضاعف حسنه ولأحدث له ذلك النسب نضارة ورفعة لم تكن له.
ولو قلت: قالها أبو كعب الصوفي أو عبد المؤمن أو أبي نواس الشاعر أو حسين الخليع لما كان لها إلا مالها في نفسها.
وبالحرى أن تغلط في مقدارها فتبخس من حقها.
وقد كتبنا لك أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها وأحاديث كثيرة غير مضافة إلى أربابها إما بالخوف منهم وإما بالإكرام لهم.
ولولا أنك سألتني هذا الكتاب لما تكلفته ولما وضعت كلامي موضع الضيم والنقمة.
فإن كانت لائمة أو عجز فعليك وإن عذر فلي دونك.
رسالة سهل بن هارون أبي محمد بن راهبون إلى عمه
من آل راهبون حين ذموا مذهبه في البخل وتتبعوا كلامه في الكتب: بسم الله الرحمن الرحيم أصلح الله أمركم وجمع شملكم وعلمكم الخير وجعلكم من أهله! قال الأحنف بن قيس: يا معشر بني تميم لا تسرعوا إلى الفتنة فإن أسرع الناس إلى القتال أقلهم حياء من الفرار.
وقد كانوا يقولون: إذا أردت أن ترى العيوب جمة فتأمل عياباً فإنه يعيب بفضل ما فيه من العيب.
وأول العيب أن تعيب ما ليس بعيب.
وقبيح أن تنهى عن مرشد أو تغري بمشفق.
وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم وإلا إصلاح فسادكم وإبقاء النعمة عليكم ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم.
ثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا قبلكم وشهرنا به في الآفاق دونكم.
فما أحقكم في تقديم حرمتنا بكم أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم وتنبيهنا على ذكر العيوب براً وفضلاً لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك شغلاً.
وإن من أعظم الشقوة وأبعد من السعادة أن لا يزال يتذكر زلل المعلمين ويتناسى سوء استماع المتعلمين ويستعظم غلط العاذلين ولا يحفل بتعمد المعذولين.
عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي عجنه خميراً كما أجدته فطيراً ليكون أطيب لطعمه وأزيد في ريعه.
وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ورحمه - لأهله: أملكوا العجين فإنه أريع الطحنتين.
وعبتم على قولي: من لم يعرف مواقع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواقع الاقتصاد في الممتنع الغالي: فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدل حجمها على مبلغ الكفاية وأشف من الكفاية.
فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء وجدت في الأعضاء فضلاً على الماء فعلمت أن لو كنت مكنت الاقتصاد في أوائله ورغبت عن التهاون به في ابتدائه لخرج آخره على كفاية أوله ولكان نصيب العضو الأول كنصيب الآخر.
فعبتموني بذلك وشنعتموه بجهدكم وقبحتموه.
وقد قال الحسن عند ذكر السرف: إنه ليكون في الماعونين الماء والكلإ.
فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه بالكلإ.
وعبتموني حين ختمت على سد عظيم وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة ومن رطبة غريبة على عبدنهم وصبي جشع وأمة لكعاء وزوجة خرقاء.
وليس من أصل الأدب ولا في ترتيب الحكم ولا في عادات القادة ولا في تدبير السادة أن يستوي في نفيس المأكول وغريب المشروب وثمين الملبوس وخطير المركوب والناعم من كل فن واللباب من كل شكل التابع والمتبوع والسيد والمسود.
كما لا تستوي مواضعهم في المجلس ومواقع أسمائهم في العنوانات وما يستقبلون به من التحيات.
وكيف وهم لا يفقدون من ذلك ما يفقد القادر ولا يكترثون له اكتراث العارف من شاء أطعم كلبه الدجاج المسمن وأعلف حماره السمسم المقشر! فعبتموني بالختم وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق.
وختم على كيس فارغ وقال: طينة وعبتموني حين قلت للغلام: إذا زدت في الرق فزد في الإنضاج لتجمع بين التأدم باللحم والمرق ولتجمع مع الإرتفاق بالمرق الطيب.
وقد قال النبي ﷺ: ( إذا طبختم لحماً فزيدوا في الماء فإن لم يصب أحدكم لحماً أصاب مرقاً ).
وعبتموني بخصف النعال وبتصدير القميص وحين زعمت أن المخصوفة أبقى وأوطأ وأوقى وأنفى للكبر وأشبه بالنسك وأن الترقيع من الحزم وأن الاجتماع مع الحفظ وأن التفرق مع التصنيع.
وقد كان النبي ﷺ يخصف نعله ويرقع ثوبه.
ولقد لفقت سعدى بنت عواف إزار طلحة وهو جواد قريش وهو طلحة الفياض.
وكان في ثوب عمر رقاع أدم.
وقال: من لم يستحى من الخلال خفت مؤنته وقل كبره.
وقالوا: لا جديد لمن لا يلبس الخلق.
وبعث زياد رجلاً يرتاد له محدثاً واشترط على الرائد أن يكون عاقلاً مسدداً.
فأتاه به موافقاً.
فقال: أكنت ذا معرفة به قال: لا ولا رأيته قبل ساعته.
قال: أفناقلته الكلام وفاتحته الأمور قبل أن توصله إلي قال: لا.
قال: فلم اخترته على جميع من رأيته قال: يومنا يوم قائظ ولم أزل أتعرف عقول الناس بطعامهم ولباسهم في مثل هذا اليوم.
ورأيت ثياب الناس جددا وثيابه لبسا فظننت به الحزم.
وقد علمنا أن الخلق في موضعه مثل الجديد في موضعه.
وقد جعل الله عز وجل لكل شيء قدرا وبوأ له موضعاً كما جعل لكل دهر رجالا ولكل مقام مقالا.
وقد أحيا بالسم ومات بالغذاء وأغص بالماء وقتل بالدواء.
فترقيع الثوب يجمع مع الإصلاح التواضع.
وخلاف ذلك يجمع مع الإسراف التكبر.
وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكسبين كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارتين.
وقد جبر الأحنف يد عنز.
وأمر بذلك النعمان.
وقال عمر: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة.
وقال رجل لبعض السادة: أهدي إليك دجاجة فقال: إن كان لا بد فاجعلها بياضة.
وعد أبو الدرداء العراق حر البهيمة.
وعبتموني حين قلت: لا يغترن أحد بطول عمره وتقيس ظهره ورقة عظمه ووهن قوته أن يرى أكرومته ولا يحرجه ذلك إلى إخراج ماله من يديه وتحويله إلى ملك غيره وإلى تحكيم السرف فيه وتسليط الشهوات عليه فلعله أن يكون معمراً وهو لا يدري وممدوداً له في السن وهو لا يشعر.
ولعله أن يرزق الولد على اليأس أو يحدث عليه بعض مخبآت الدهور مما لا يخطر على البال ولا تدركه العقول فيسترده ممن لا يرده ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه أضعف ما كان عن الطلب واقبح ما يكون به الكسب.
فعبتموني بذلك وقد قال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدأ واعمل لآخرتك عمل من يموت غداً.
وعبتموني حين زعمت أن التبذير إلى أن التبذير إلى مال القمار ومال الميراث وإلى مال الالتقاط وحباء الملوك أسرع وأن الحفظ إلى المال المكتسب والغنى المجتلب وإلى ما يعرض فيه لذهاب الدين واهتضام العرض ونصب البدن واهتمام القلب أسرع وأن من لم يحسب ذهاب نفقته لم يحسب دخله ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع الأصل وأن من لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر وطاب نفساً بالذل.
وزعمت أن كسب الحلال مضمن بالإنفاق في الحلال وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث وأن الطيب يدعو إلى الطيب وأن الإنفاق في الهوى حجاب دون الحقوق وأن الإنفاق في الحقوق حجاز دون الهوى.
فعبتم على هذا القول.
وقد قال معاوية: لم أر تبذيراً قط إلا وإلى جانبه حق مضيع.
وقد قال الحسن: إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب ماله فانظروا في أي شيء ينفقه فإن الخبيث ينفق في السرف.
وقلت لكم بالشفقة مني عليكم وبحسن النظر لكم وبحفظكم لآبائكم ولما يجب في جواركم وفي ممالحتكم وملابستكم: أنتم في دار الآفات والجوائح غير مأمونات.
حنيفة من طريق فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم يرجع إلى بقية فأحرزوا النعمة باختلاف الأمكنة حنيفة من طريق فإن البلية لا تجري في الجميع إلا مع موت الجميع.
وقد قال عمر رضي الله عنه في العبد والأمة وفي ملك الشاة والبعير وفي الشيء الحقير اليسير: فرقوا بين المنايا.
وقال ابن سيرين لبعض البحريين: كيف تصنعون بأموالكم قال: نفرقها في السفن فإن عطب بعض سلم بعض.
ولولا أن السلامة أكثر لما حملنا خزائننا في البحر.
قال ابن سيرين: تحسبها خرقاء وهي صناع.
وقلت لكم عند إشفاقي عليكم: إن للغنى سكراً وإن للمال لنزوةً.
فمن لم يحفظ الغنى من سكر العنى فقد أضاعه ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله.
فعبتموني بذلك.
وقال زيد بن جبلة: ليس أحد أفقر من غني أمن الفقر.
وسكر الغنى أشد من سكر الخمر.
وقلتم: قد لزم الحث على الحقوق والتزهيد في الفضول حتى صار يستعمل ذلك في أشعاره بعد رسائله وفي خطبه بعد سائر كلامه.
فمن ذلك قوله في يحيى بن خالد: عدو تلاد المال فيما ينوبه منوع إذا ما منعه كان أحزما ومن ذلك قوله في محمد بن زياد: وخليقتان تقى وفضل تحرم وإهانة في حقه للمال وعبتموني حين زعمت أني أقدم المال على العلم لأن المال به يغاث العالم وبه تقوم النفوس قبل أن تعرف فضيلة العلم وأن الأصل أحق بالتفضيل من الفرع وأني قلت: وإن كنا نستبين الأمور بالنفوس فإنا بالكفاية نستبين وبالخلة نعمى.
وقلتم: وكيف تقول هذا وقد قيل لرئيس الحكماء ومقدم الأدباء: آلعلماء أفضل أم الأغنياء قال: بل العلماء.
قيل: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء قال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى ولجهل الأغنياء بفضل العلم.
فقلت: حالهما هي القاضية بينهما.
وكيف يستوي شيء ترى حاجة الجميع إليه وشيء يغي بعضهم فيه عن بعض وعبتموني حين قلت: إن فضل الغني على القوت إنما هو كفضل الآلة حنيفة الدار إن احتيج إليها استعملت وإن استغنى عنها كانت عدة.
وقد قال الحضين بن المنذر: وددت أن لي مثل أحد ذهباً لا أنتفع منه بشيء.
قيل: فما ينفعك من ذلك قال: لكثرة من يخدمني عليه.
وقال أيضاً: عليك بطلب الغنى فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عز في قلبك وذل في قلب غيرك لكان الحظ فيه جسيماً والنفع فيه عظيماً.
ولسنا ندع سيرة الأنبياء وتعليم الخلفاء وتأديب الحكماء لأصحاب الأهواء: كان رسول الله ﷺ يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدجاج.
وقال: درهمك لمعاشك ودينك لمعادك ".
فقسموا الأمور كلها على الدين والدنيا.
ثم جعلوا أحد قسمي الجميع الدرهم.
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إني لأبغض أهل البيت ينفقون رزق الأيام في اليوم.
وكانوا يبغضون أهل البيت اللحمين.
وكان هشام يقول: ضع الدرهم على الدرهم يكون مالاً.
ونهى أبو الأسود الدؤلي وكان حكيماً أديباً وداهياً أريباً عن جودكم هذا المولد وعن كرمكم هذا المستحدث.
فقال لابنه: إذا بسط الله لك الرزق فابسط وإذا قبض فاقبض.
ولا تجاود الله فإن الله أجود منك.
وقال: درهم من حل يخرج في حق خير من عشرة آلاف قبضاً.
وتلقط عرنداً من بزيم فقال: تضيعون مثل هذا وهو قوت امرئ مسلم يوماً إلى الليل! وتلقط أبو الدرداء حبات حنطة فنهاه بعض المسرفين.
فقال: ليهن ابن العبسية! إن مرفقة المرء رفقه في معيشته.
فلستم علي تردون ولا رأي تفندون.
فقدموا النظر قبل العزم.
وتذكروا ما عليكم قبل أن تذكروا ما لكم.
والسلام.
نبدأ بأهل خراسان لإكثار الناس في أهل خراسان.
ونخص بذلك أهل مرو بقدر ما خصوا به.
قال أصحابنا: يقول المروزي للزائر إذا أتاه وللجليس إذا طال جلوسه: تغذيت اليوم فإن قال: نعم قال: لولا أنك تغديت لغديتك بغداء طيب.
وإن قال: لا قال: لو كنت تغديت لسقيتك خمس أقداح.
فلا يصير في يده على الوجهين قليل ولا كثير.
وكنت في منزل ابن أبي كريمة وأصله من مرو.
فرآني أتوضأ من كوز خزف فقال: سبحان الله تتوضأ بالعذب والبئر لك معرضة! قلت: ليس بعذب إنما هو من ماء البئر.
قال: فتفسد علينا كوزنا بالملوحة! فلم أدر كيف أتخلص منه وحدثني عمرو بن نهيوي قال: تغديت يوماً عند الكندي.
فدخل عليه رجل كان له جاراً وكان لي صديقاً.
فلم يعرض عليه الطعام ونحن نأكل.
وكان أبخل من خلق الله.
قال: فاستحييت منه فقلت: سبحان الله لو دنوت فأصبت معنا مما نأكل! قال: قد والله فعلت.
فقال الكندي: ما بعد الله شيء! قال عمر: فكتفه والله كتفاً لا يستطيع معه قبضاً ولا بسطاً وتركه.
ولو مد يده لكان كافراً ولو مد يده لكان كافراً أو لكان قد جعل مع الله - جل ذكره - شيئاً! وليس هذا الحديث لأهل مرو ولكنه من شكل الحديث الأول.
وقال ثمامة: لم أر الديك في بلدة قط فلا وهو لاقط يأخذ الحبة بمنقاره ثم يلفظها قدام الدجاجة فلا ديكة مرو فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب! قال: فعلمت أن بخلهم شيء في طبع البلاد وفي جواهر الماء.
فمن ثم عتم جميع حيوانهم.
فحدثت بهذا الحديث أحمد بن رشيد فقال: كنت عند شيخ من أهل مرو وصبي له صغير يلعب بين يديه فقلت له إما عابثاً وإما ممتحناً: أطعمني من خبزكم قال: لا تريده هو مر! فقلت: فاسقني من مائكم قال: لا تريده هو مالح! قلت: هات من كذا وكذا قال: لا تريده هو كذا وكذا! إلى أن عددت أصنافاً كثيرة.
كل ذلك يمنعنيه ويبغضه إلي! فضحك أبوه وقال: ما ذنبنا هذا من علمه ما تسمع! يعني أن البخل طبع فيهم وفي أعراقهم وطينتهم.
وزعم أصحابنا أن خراسانية ترافقوا في منزل وصبروا عن الإرتفاق بالمصباح ما أمكن الصبر ثم إنهم تناهدوا وتخارجوا.
وأبى واحد منهم أن يغينهم وأن يدخل في العزم معهم.
فكانوا إذا جاء المصباح شدوا عينيه بمنديل! ولا يزال ولا يزالون كذلك إلى أن يناموا ويطفئوا المصباح.
فإذا أطفئوا أطلقوا عينيه! ورأيت أنا حمارة منهم زهاء خمسين رجلاً يتغدون على مباقل بحضرة قرية الأعراب في طريق الكوفة وهم حجاج.
فلم أر من جميع الخمسين رجلين يأكلان معاً وهم في ذلك متقاربون يحدث بعضهم بعضاً.
وهذا الذي رأيته منهم من غريب ما يتفق للناس.
حدثني مويس بن عمران قال رجل منهم لصاحبه وكانا إما متزاملين وإما مترافقين: لم لا نتطاعم فإن لم نتطاعم فإن يد الله مع الجماعة وفي الاجتماع البركة.
وما زالوا يقولون: طعام الإثنين يكفي ثلاثة وطعام الثلاثة يكفي الأربعة.
فقال له صاحبه: لولا أني أعلم أنك آكل مني لأدخلت لك هذا الكلام في باب النصيحة.
فلما كان الغد وأعاد عليه القول قال له: يا عبد الله معك رغيف ومعي رغيف.
ولولا أنك تريد أكثر ما كان حرصك على مؤاكلتي! تريد الحديث والمؤانسة اجعل الطبق واحداً ويكون رغيف كل منا قدام صاحبه.
وما أشك أنك إذا أكلت رغيفك ونصف رغيفي ستجده مباركاً! غنما كان ينبغي أن أكون أجده أنا لا أنت.
وقال خاقان بن صبيح: دخلت على رجل من أهل خراسان ليلاً وإذا هو قد أتانا بمسرجة فيها فتيلة في غاية الدقة وإذا هو قد ألقى في دهن المسرجة شيئاً من ملح وقد علق على عمود المنارة عوداً بخيط وقد حز فيه حتى صار فيه مكان للرباط.
فكان المصباح إذا كاد ينطفئ أشخص رأس الفتيلة بذلك.
قال: فقلت له: ما بال العود مربوطاً قال: هذا عود قد تشرب الدهن.
فإن ضاع ولم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان.
فإذا كان هذا دأبنا ودأبه ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة.
قال: فبينا أنا أتعجب في نفسي وأسأل الله - جل ذكره - العافية والستر إذ دخل شيخ من أهل مرو فنظر إلى العود فقال: يا أبا فلان فررت من شيء ووقعت في شبيه به.
أما تعلم أن الريح والشمس تأخذان من سائر الأشياء أو ليس قد كان البارحة عند إطفاء السراج أروى وهو عند إسراجك الليلة أعطش قد كنت أنا جاهلاً مثلك حتى وفقني الله إلى ما هو أرشد.
- عافاك الله! - بدل العود إبرة أو مسلة صغيرة.
وعلى أن العود والخلال والقصبة ربما تعلقت بها الشعرة من قطن الفتيلة إذا سويناها بها فتشخص معها.
وربما كان ذلك سبباً لانطفاء السراج.
والحديد أملس.
وهو مع ذلك غير نشاف.
قال خاقان: ففي تلك الليلة عرفت فضل أهل خراسان على سائر الناس وفضل أهل مرو على أهل خراسان! قال مثنى بن بشير: دخل أبو عبد الله المروزي على شيخ من أهل خراسان وإذا هو قد استصبح في مسرجة خزف من هذه الخزفية الخضر.
فقال له الشيخ: لا يجيء والله منك أمر صالح أبداً! عاتبتك في مسارج الحجارة فأعتبتني بالخزف.
أو علمت أن الخزف والحجارة يحسوان الدهن حسواً قال: جعلت فداك! دفعتها إلى صديق لي دهان فألقاها في المصفاة شهراً حتى رويت من الدهن رياً لا تحتاج معه أبداً إلى شيء.
قال: ليس هذا أريد هذا دواؤه يسير.
وقد وقعت عليه.
ولكن ما علمت أن موضع النار من المسجة في طرف الفتيلة لا ينفك من إحراق النار وتجفيفه وتنشيف ما فيه ومتى ابتل بالدهن وتسقاه عادت النار عليه فأكلته.
هذا دأبهما.
فلو قست ما يشرب ذلك المكان من الدهن بما يستمده طرف الفتيلة منه لعلمت أن ذلك أكثره.
وبعد هذا فإن ذلك الموضع من الفتيلة والمسرجة لا يزال سائلاً جارياً.
ويقال: إنك متى وضعت مسرجة فيها مصباح وأخرى لا مصباح فيها لم تلبث إلا ليلة أو ليلتين حتى ترى السفلى ملآنة دهناً.
واعتبر أيضاً ذلك بالملح الذي يوضع تحت المسرجة والنخالة التي توضع هناك لتسويتها وتصويبها كيف تجدهما ينعصران دهناً.
وهذا كله خسران وغبن لا يتهاون به إلا أصحاب الفساد.
على أن المفسدين غنما يطعمون الناس ويسقون الناس وهم على حال يستخلفون شيئاً وإن كان روثاً.
وأنت إنما تطعم النار وتسقي النار.
ومن أطعم النار جعله الله يوم القيامة طعاماً للنار! قال الشيخ: فكيف أصنع جعلت فداك! قال: تتخذ قنديلاً.
فإن الزجاج أحفظ من غيره.
والزجاج لا يعرف الرشح ولا النشف ولا يقبل الأوساخ التي لا تزول إلا بالدلك الشديد أو بإحراق النار.
وأيهما كان فإنه يعيد المسرجة إلى العطش الأول.
وازجاج أبقى على الماء والتراب من الذهب الإبريز.
وهو مع ذلك مصنوع والذهب مخلوق.
فإن فضلت الذهب بالصلابة فضلت الزجاج بالصفاء.
والزجاج مجل والذهب ستار.
ولأن الفتيلة إنما تكون في وسطه فلا تحمي جوانبه بوهج المصباح كما تحمي بموضع النار من المسرجة.
وإذا وقع شعاع النار على جوهر الزجاج صار المصباح والقنديل مصباحاً واحداً ورد الضياء كل واحد منهما على صاحبه.
واعتبر ذلك بالشعاع الذي يسقط على وجه المرآة أو على وجه الماء أو على الزجاجة ثم انظر كيف يتضاعف نوره.
وإن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه وربما أعماه.
وقال جل ذكره: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء}.
والزيت في الزجاجة نور على نور وضوء على ضوء مضاعف.
هذا مع فضل حسن القنديل على حسن مسارج الحجارة والخزف.
وأبو عبد الله هذا كان من أطيب الخلق وأملحهم بخلاً وأشدهم أدباً.
دخل على ذي اليمينين طاهر بن الحسن وقد كان يعرفه بخراسان بسبب الكلام.
فقال له: منذ كم أنت مقيم بالعراق يا أبا عبد الله فقال: أنا بالعراق منذ عشرين سنةً.
وأنا أصوم الدهر منذ أربعين سنة.
قال: فضحك طاهر وقال: سألناك يا أبا عبد الله عن مسألة وأجبتنا عن مسألتين! ومن أعاجيب أهل مرو ما سمعناه من مشايخنا على وجه الدهر.
وذلك أن رجلاً من أهل مرو كان لا يزال يحج ويتجر وينزل على رجل من أهل العراق فيكرمه ويكفيه مؤنته.
ثم كان كثيراً ما يقول لذلك العراقي: ليت أني رأيتك بمرو حتى أكافئك لقديم إحسانك وما تجدد لي من البر في كل قدمة.
فأما هاهنا فقد أغناك الله عني.
قال: فعرضت لذلك العراقي بعد دهر طويل حاجة في تلك الناحية.
فكان مما هون عليه مكابدة السفر ووحشة الاغتراب مكان المروزي هناك.
فلما قدم مضى نحوه في ثياب سفره وفي عمامته وقلنسوته وكسائه ليحط رحله عنده كما يصنع الرجل بثقته وموضع أنسه.
فلما وجده قاعداً في أصحابه أكب عليه وعانقه.
فلم يره أثبته وسأل به سؤال من رآه قط.
قال العراقي في نفسه: لعل إنكاره إياي لمكان القناع.
فرمى بقناعته وابتدأ مسألته.
فكان له أنكر.
فقال: لعله أن يكون إنما أتي من قبل العمامة فنزعها.
ثم انتسب وجدد مسألته فوجده أشد ما كان إنكاراً.
قال: فلعله إنما أتي من قبل القلنسوة.
وعلم المروزي أنه لم يبق شيء يتعلق به المتغافل والمتجاهل.
قال: لو خرجت من جلدك لم أعرفك!.
وزعموا أنهم ربما ترافقوا وتزاملوا فتناهدوا وتلازقوا في شراء اللحم.
وإذا اشتروا اللحم قسموه قبل الطبخ وأخذ كل إنسان منهم نصيبه فشكه بخوصة أو بخيط ثم أرسله في خل القدر والتوابل.
فإذا طبخوا تناول كل إنسان خيطه وقد علمه بعلامة.
ثم اقتسموا المرق.
ثم لا يزال أحدهم يسل من الخيط القطعة بعد القطعة حتى يبقى الحبل لا شيء فيه.
ثم يجمعون خيوطهم.
فإن أعادوا الملازقة أعادوا تلك الخيوط لأنها قد تشربت الدسم ورويت.
وليس تناهدهم من طريق الرغبة في المشاركة ولكن لأن بضاعة كل واحد منهم لا تبلغ مقدار الذي يحتمل أن يطبخ وحده ولأن المؤنة تخف أيضاً في الحطب والخل والثوم والتوابل.
ولأن القدر الواحدة أمكن من أن يقدر كل واحد منهم على قدر.
فإنما يختارون السكباج لأنه أبقى على الأيام وأبعد من الفساد.
حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام قال: قلت مرة لجار كان لي من أهل خراسان: أعرني مقلاكم فإني أحتاج إليه.
قال: قد كان لنا مقلى ولكنه سرق.
فاستعرت من جار لي آخر فلم يلبث الخراساني أن سمع نشيش اللحم في المقلى وشم الطباهج.
فقال لي كالمغضب: ما في الأرض أعجب منك: لو كنت خبرتني أنك خبرتني أنك تريده للحم أو لشحم لوجدتني أسرع! إنما خشيتك تريده للباقلى.
وحديد المقلى يحترق إذا كان الذي يقلى فيه ليس بدسم.
وكيف لا أعيرك إذا أردت الطباهج والمقلى بعد الرد من وقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام: دعانا جار لنا فأطعمنا تمراً وسمناً سلاءً ونحن على خوان ليس عليه إلا ما ذكرت والخراساني معنا يأكل.
فرايته يقطر السمن على الخوان حتى أكثر من ذلك.
فقلت لرجل إلى جنبي: ما لأبي فلان يضيع سمن القوم ويسيء المؤاكلة ويغرف فوق الحق قال: وما عرفت علته قلت: لا والله! قال: الخوان خوانه فهو يريد أن يدسمه ليكون كالدبغ له.
ولقد طلق امرأته وهي أم أولاده لأنه رآها غسلت خواناً له بماء حار.
فقال لها: هلا مسحته! وقال أبو نواس: كان معنا في السفينة ونحن نريد بغداد رجل من أهل خراسان.
وكان من عقلائهم وفهمائهم.
وكان يأكل وحده فقلت له: لم تأكل لوحدك قال: ليس علي في هذا الموضع مسألة.
إنما المسألة على من أكل مع الجماعة لأن ذلك هو التكلف.
وأكلي وحدي هو الأصل.
وأكلي مع غيري زيادة في الأصل.
وحدثني إبراهيم بن السندي قال: كان على ربع الشاذروان شيخ لنا من أهل خراسان.
وكان مصححاً بعيداً من الفساد ومن الرشا ومن الحكم بالهوى.
وكان حفياً جداً.
وكذلك كان في إمساكه وفي بخله وتدنيقه في نفقاته وكلن لا يأكل إلا ما لابد منه ولا يشرب إلا ونشهد أن محمداً عبده ورسوله لابد منه.
غير أنه كان في غداة كل جمعة يحمل معه منديلاً فيه جردقتان وقطع لحم سكباج مبرد وقطع جبن وزيتونات وصرة فيها ملح وأخرى فيها أشنان وأربع بيضات ليس منها بد.
ومعه خلال.
ويمضي وحده حتى يدخل بعض بساتين الكرخ.
ويطلب موضعاً تحت شجرة وسط خضرة وعلى ماء جار.
فإذا وجد ذلك جلس وبسط بين يديه المنديل وأكل من هذا مرة ومن هذا مرة.
فإن وجد قيم ذلك البستان رمى إليه بدرهم ثم قال: اشتر لي بهذا أو أعطني بهذا رطباً إن كان في زمان الرطب أو عنباً إن كان في زمان العنب.
ويقول له: إياك إياك أن تحابيني ولكن تجود لي فإنك إن فعلت لم آكله ولم أعد إليك.
واحذر الغبن فإن المغبون لا محمود ولا مأجور.
فإن أتاه به أكل كل سيء معه وكل شيء أتى به.
ثم تخلل وغسل يديه.
ثم يمشي مقدار مائة خطوة.
ثم يضع جنبه فينام إلى وقت الجمعة.
ثم ينتبه فيغتسل ويمضي إلى المسجد.
هذا كان دأبه كل جمعة.
قال إبراهيم: فبينا هو يوماً من أيامه يأكل في بعض المواضع إذ مر به رجل فسلم عليه فرد السلام.
ثم قال: هلم - عافاك الله! فلما نظر إلى الرجل قد انثنى راجعاً يريد أن يطفر الجدول أو يعدي النهر قال له: مكانك فإن العجلة من عمل الشيطان! فوقف الرجل فأقبل عليه الخراساني وقال: تريد ماذا قال: أريد أن أتغدى.
قال: ولم ذلك وكيف طمعت في هذا ومن أباح لك مالي قال الرجل: أو ليس قد دعوتني قال: ويلك! لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام.
الآيين فيما نحن فيه أن نكون إذا كنت أنا الجالس وأنت المار تبدأ أنت فتسلم.
فأقول أنا حينئذ مجيباً لك: وعليكم السلام.
فإن كنت لا آكل شيئاً أنا وسكت أنتن ومضيت أنت وقعدت أنا على حالي! وإن كنت آكل فهاهنا بيان آخر: وهو أن أبدأ أنا فأقول: هلم وتجيب أنت فتقول: هنيئاً.
فيكون كلام بكلام.
فأما كلام بفعال وقول بأكل فهذا ليس من الإنصاف! وهذا يخرج علينا فضلاً كثيراً! قال: فورد على الرجل شيء لم يكن في حسابه.
فشهر بذلك في تلك الناحية وقيل له: قد أعفيناك من السلام ومن تكلف الرد.
قال: ما بي إلى ذلك حاجة.
إنما هو أن أعفي أنا نفسي من هلم وقد استقام الأمر! ومثل هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير عن وال كان بفارس إما أن يكون جالداً أخا مهرويه أو غيره.
قال: بينا هو يوماً في مجلس وهو مشغول بحسابه وأمره وقد احتجب جهده إذ نجم شاعر من بين يديه فأنشده شعراً مدحه فيه وقرظه ومجده.
فلما فرغ قال: قد أحسنت.
ثم أقبل على كاتبه فقال: أعطه عشرة آلاف درهم.
ففرح الشاعر فرحاً قد يستطار له.
فلما رأى حاله قال: وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع اجعلها عشرين ألف درهم.
وكاد الشاعر يخرج من جلده! فلما رأى فرحه قد تضاعف قال: وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول! أعطه يا فلان أربعين ألفاً.
فكاد الفرح يقتله.
فلما رجعت إليه نفسه قال له: أنت - جعلت فداك! - رجل كريم.
وأنا أعلم أنك كلما رأيتني قد ازددت فرحاً زدتني في الجائزة.
وقبول هذا منك لا يكون إلا من قلة الشكر له! ثم دعا له وخرج.
قال: فأقبل عليه كاتبه فقال: سبحان الله! هذا كان يرضى منك بأربعين درهماً تأمر له بأربعين ألف درهم! قال: ويلك! وتريد أن تعطيه شيئاً قال: ومن إنفاذ أمرك بد قال: يا أحمق إنما هذا رجل سرنا بكلام! هو حين زعم أني أحسن من القمر وأشد من الأسد وأن لساني أقطع من السيف وأن أمري أنفذ من السنان جعل في يدي من هذا شيئاً أرجع به إلى شيء نعلم أنه قد كذب ولكنه قد سرنا حين كذب لنا.
فنحن أيضاً نسره بالقول ونأمر له بالجوائز وإن كان كذباً.
فيكون كذب بكذب وقول بقول.
فأما أن يكون كذب بصدق وقول ويقال إن هذا المثل الذي قد جرى على ألسنة العوام من قولهم: ينظر إلي شزراً كأني أكلت اثنين وأطعمته واحداً إنما هو لأهل مرو.
قال: وقال المروزي: لو لا أنني أبني مدينة لبنيت آرياً لدابتي.
قال: وقلت لأحمد بن هشام وهو يبني داره ببغداد: إذا أراد الله ذهاب مال رجل سلط عليه الطين والماء.
قال: لا بل إذا أراد الله ذهاب مال رجل جعله يرجو الخلف! والله ما أهلك الناس ولا أقفر بيوتهم ولا ترك دورهم بلاقع إلا الإيمان بالخلف! وما رأيت جنة قط أوقى من اليأس! قال: وسمع رجل من المراوزة الحسن وهو يحث الناس على المعروف ويأمر بالصدقة ويقول: ما نقص مال قط من زكاة ويعدهم سرعة الخلف.
فتصدق بماله كله فافتقر.
فانتظر سنة وسنة.
فلما لم ير شيئاً بكر على الحسن فقال: حسن ما صنعت بي! ضمنت لي الخلف فأنفقت على عدتك.
وأنا اليوم مذ كذا وكذا سنة أنتظر ما وعدت لا أرى منه قليلاً ولا كثيراً! هذا يحل لك آللص كان يصنع بي أكثر من هذا والخلف يكون معجلاً ومؤجلاً.
ومن تصدق وتشرط الشروط استحق الحرمان.
ولو كان هذا على ما توهمه المروزي لكانت المحنة فيه ساقطة ولترك الناس التجارة ولما بقي فقير أصبح ثمامة شديد الغم حين احترقت داره.
وكان كلما دخل عليه إنسان قال: الحريق سريع الخلف! فلما كثر ذلك القول منهم قال: فلنستحرق الله! اللهم إني أستحرقك فأحرق كل شيء لنا!.
وليس هذا الحديث من حديث المراوزة ولكنا ضممناه إلى ما يشاكله.
قال سجادة وهو أبو سعيد سجادة: إن من المراوزة إذا لبسوا الخفاف في الستة الأشهر التي لا ينزعون فيها خفافهم يمشون على صدور أقدامهم ثلاثة أشهر مخافة أن تنجرد نعال خفافهم أو تنقب.
وحكى أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام عن جاره المروزي أنه كان لا يلبس خفاً ولا نعلاً إلى أن يذهب النبق اليابس لكثرة النوى في الطريق والأسواق.
قال: ورآني مرة مصصت قصب سكر فجمعت ما مصصت ماءه لأرمي به.
فقال: إن كنت لا ينور لك ولا عيال فهبه لمن تنور وعليه عيال.
وإياك أن تعود نفسك هذه العادة في أيام خفة ظهرك فإنك لا تدري ما يأتيك من العيال. قصة أهل البصرة من المسجديين
قال أصحابنا منة المسجديين: اجتمع ناس في المسجد ممن ينتحل الاقتصاد في النفقة والتنمية للمال من أصحاب الجمع والمنع.
وقد كان هذا المذهب صار عندهم كالنسب الذي يجمع على التحاب وكان الذي يجمع على التناصر.
وكانوا إذا التقوا في حلقهم تذاكروا هذا الباب وتطارحوة وتدارسوه.
فقال شيخ منهم: ماء بئرنا - كما قد علمتم - ملح أجاج لا يقربه الحمار ولا تسيغه الإبل وتموت عليه النخل.
والنهر منا بعيد.
وفي تكلف العذب علينا مؤنة.
فكنا نمزج منه للحمار فاعتل عنه وانتفض علينا من أجله.
فصرنا بعد ذلك نسقيه العذب صرفاً.
وكنت أنا والنعجة كثيراً ما نغتسل بالعذب مخافة أن يعتري جلودنا منه مثل ما اعترى جوف الحمار.
فكان ذلك الماء العذب الصافي يذهب باطلاً.
ثم انفتح لي باب من الإصلاح فعمدت إلى ذلك المتوضأ فجعلت في ناحية منه حفرة وصهرجتها وملستها حتى صارت كأنها صخرة منقورة.
وصوبت إليها المسيل.
فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء إليها صافياً لم يخالطه شيء.
والحمار أيضاً لا تقزز له منه.
وليس علينا حرج في سقيه منه.
وما علمنا أن كتاباً حرمه ولا سنة نهت عنه.
فربحنا هذه منذ أيام وأسقطنا مؤنة عن النفس والمال مال القوم.
وهذا بتوفيق الله ومنه.
فأقبل عليهم شيخ فقال: هل شعرتم بموت مريم الصناع فإنها كانت من ذوات الاقتصاد وصاحبة إصلاح.
قالوا: فحدثنا عنها.
قال: نوادرها كثيرة وحديثها طويل.
ولكني أخبركم عن واحدة فيها كفاية.
قالوا: وما هي قال: زوجت ابنتها وهي بنت اثنتي عشرة فحلتها الذهب والفضة وكستها المروى والوشي والقز والخز وعلقت المعصفر ودقت الطيب وعظمت أمرها من قدرها عند الأحماء.
فقال لها زوجها: أنى هذا يا مريم قالت: هو من عند الله.
قال: دعي عنك الجملة وهاتي التفسير.
والله ما كنت ذات مال قديماً ولا ورثته حديثاً.
وما أنت بخائنة في نفسك ولا في مال بعلك.
إلا أن تكوني قد وقعت على كنز! وكيف دار الأمر فقد أسقطت عني مؤنة وكفيتني هذه النائبة.
قالت: اعلم أني منذ يوم ولدتها إلى أن زوجتها كنت أرفع من دقيق كل عجنة حفنة.
وكنا - كما قد علمت - نخبز في كل يوم مرة.
فإذا اجتمع من ذلك مكوك بعته.
قال زوجها: ثبت الله رأيك وأرشدك! ولقد أسعد الله من كنت له سكناً وبارك لمن جعلت له إلفاً! ولهذا وشبهه قال رسول الله ﷺ: من الذود إلى الذود إبل.
وإني لأرجو أن يخرج ولدك على عرقك الصالح وعلى مذهبك المحمود.
فنهض القوم بأجمعهم إلى جنازتها وصلوا عليها.
ثم انكفؤا إلى زوجها فعزوه على مصيبته وشاركوه في حزنه.
ثم اندفع شيخ منهم فقال: يا قوم لا تحقروا صغار الأمور فإن كل كبير صغير.
ومتى شاء الله أن يعظم صغيراً عظمه وأن يكثر قليلاً كثره.
وهل بيوت الأموال إلا درهم إلى درهم وهم الذهب إلا قيراط إلى جنب قيراط وليس كذلك رمل عالج وماء البحر وهل اجتمعت أموال بيوت إلا بدرهم من هاهنا ودرهم من هاهنا فقد رأيت صاحب سفط قد اعتقد مائة جريب في أرض العرب ولربما رأيته يبيع الفلفل بقيراط الحمص بقيراط فأعلم أنه لم يربح في ذلك الفلفل إلا الحبة والحبتين من خشب الفلفل.
فلم يزل يجمع من الصغار الكبار حتى اجتمع ما اشترى به مائة جريب!.
ثم قال: اشتكيت أياماً صدري من سعال كان أصابني فأمرني قوم بالفانيذ السكري.
وأشار على آخرون بالحريرة تتخذ من النشاستج والسكر ودهن اللوز وأشباه ذلك.
فاستثقلت المؤنة وكرهت الكلفة ورجوت العافية.
فبينا أنا أدافع اِلأيام إذ قال لي بعض الموفقين: عليك بماء النخالة فاحسه حاراً.
فحسوت فإذا هو طيب جداً وإذا هو يعصم: فما جعت ولا اشتهيت الغذاء في ذلك اليوم إلى الظهر.
ثم ما فرعت من غدائي وغسل يدي حتى فقلت للعجوز: لم لا تطبخين لعيالنا في كل غداة نخالة فإن ماءها جلاء للصدر وقوتها غذاء وعصمة ثم تجففين بعد النخالة فتعود كما كانت.
فتبيعين إذا الجميع بمثل الثمن الأول ونكون قد ربحنا فضل ما بين الحالين! قالت: أرجو أن يكون الله قد جمع بهذا السعال مصالح كثيرة لما فتح الله لك بهذه النخالة التي فيها صلاح بدنك معاشك! وما أشك أن تلك المشهورة كانت من التوفيق! قال القوم: صدقت مثل هذا لا يكتسب بالرأي ولا يكون إلا سماويا.
! ثم أقبل عليهم شيخ فقال: كنا نلقي من الحراق والقداحة جهداً لأن الحجارة كانت إذا انكسرت حروفها واستدارت كلت ولم تقدح قدح خير وأصلدت فلم تور وربما أعجلنا المطر والوكف.
وقد كان الحجر أيضاً يأخذ من حروف القداحة حتى يدعها كالقوس.
فكنت أشتري المرقشيتا بالغلاء والقداحة الغليظة بالثمن الموجع.
وكان علينا أيضاً في صنعة الحراق وفي معالجة القطنة مؤنة وله ريح كريهة.
والحراق لا يجيء من الحرق المصبوغة ولا من الحرق الوسخة ولا من الكتان ولا من الخلقان.
فكنا نشتريه بأغلى الثمن.
فتذاكرنا منذ أيام أهل البدو والأعراب وقدحهم النار بالمرخ والعفار.
فزعم لنا صديقنا الثوري وهو - ما علمت - أحد المرشدين أن عراجين الأعذاق تنوب عن ذلك أجمع.
وعلمني كيف تعالج.
ونحن نؤتى بها من أرضنا بلا كلفة.
فالخادم اليوم لا تقدح ولا توري إلا بالعرجون.
قال القوم: قد مرت بنا اليوم فوائد كثيرة.
ولهذا قال الأول: مذاكرة الرجال تلقح الألباب.
ثم اندفع شيخ منهم فقال: لم أرى في وضع الأمور في مواضعها وفي توفيتها غاية حقوقها كمعاذة العنبرية.
قالوا: وما شان معاذة هذه قال: أهدى إليها العام ابن عم لها أضحية.
فرأيتها كئيبة حزينة مفكرة مطرقة.
فقلت لها: مالك يا معاذة قالت: أنا امرأة أرملة وليس لي قيم.
ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي.
وقد ذهب الذين كانوا يدبرونه ويقومون بحقه.
وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة.
ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها.
وقد علمت أن الله لم يخلق فيها ولا غيرها شيئاً لا منفعة فيه.
ولكن المرء يعجز لا محالة.
ولست أخاف من تضييع القليل إلا أنه يجر تضييع الكثير.
أما القرن فالوجه فيه معروف وهو أن يجعل كالخطاف ويسمر في جذع من جذوع السقف فيعلق عليه الزبل والكيران وكل ما خيف عليه من الفأر والنمل والسنانير وبنات وردان والحيات وغير ذلك.
وأما المصران فإنه لأوتار المندفة.
وبنا إلى ذلك أعظم الحاجة.
وأما قحف الرأس واللحيان وسائر العظام فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق ثم يطبخ.
فما ارتفع من الدسم كان للمصباح وللإدام وللعصيدة ولغير ذلك.
ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها.
فلم يرى الناس وقوداً قط أصفى ولا أحسن لهباً منها.
وإذا كانت كذلك فهي أسرع في القدر لقلة ما يخالطها من الدخان.
وأما الإهاب فالجلد نفسه حراب.
وللصوف وجوه لا تدفع.
وأما الفرث والبعر فحطب إذا جفف عجيب.
ثم قالت: بقي الآن علينا الانتفاع بالدم.
وقد علمت أن الله عز وجل لم يحرم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه وأن له مواضع يجوز فيها ولا يمنع منها.
وإن أنا لم أقع على علم ذلك حتى يوضع موضع الانتفاع به صار كية في قلبي وقدي في عيني وهما لا يزال يعاودني.
فلم ألبث أن رأيتها قد تطلقت وتبسمت.
فقلت: ينبغي أن يكون قد انفتح لك باب الرأي في الدم.
قالت: أجل ذكرت أن عندي قدوراً شامية جدداً.
وقد زعموا أنه ليس شيء أدبغ ولا أزيد في قوتها من التلطيخ بالدم الحار الدسم.
وقد استرحت الآن إذ وقع كل شيء موقعه! قال: ثم لقيتها بعد ستة أشهر فقلت لها: كيف كان قديد تلك الشاة قالت: بأبي أنت! لم يجيء وقت القديد بعد! لنا في الشحم والألية والجنوب والعظم المعروق وغير ذلك معاش! ولكل شيء إبان! فقبض صاحب الحمار والماء العذب قبضة من حصى ثم ضرب بها الأرض.
ثم قال: لا تعلم قصة زبيدة بن حميد: وأما زبيدة بن حميد الصيرفي فإنه استلف من بقال كان على باب داره درهمين وقيراطاً.
فلما قضاه بعد ستة أشهر قضاه درهمين وثلاث حبات شعير.
فاغتاظ البقال فقال: سبحان الله! أنت رب مائة ألف دينار وأنا بقال لا أملك مائة فلس وإنما أعيش بكدي وباستفضال الحبة والحبتين.
صاح على بابك حمال والمال لم يحضرك وغاب وكيلك فنقدت عنك درهمين وأربع شعيرات.
فقضيتني بعد ستة أشهر درهمين وثلاث شعيرات.
فقال زبيدة: يا مجنون! أسلفتني في الصيف فقضيتك في الشتاء.
وثلاث شعيرات شتوية ندية أرزن من أربع شعيرات يابسة صيفية.
وما أشك أن معك فضلاً! وحدثني أبو الأصبغ بن ربعي قال: دخلت عليه بعد أن ضرب غلمانه بيوم فقلت له: ما هذا الضرب المبرح وهذا الخلق السيء هؤلاء غلمان ولهم حرمة وكفاية وتربية.
وإنما هم ولد.
هؤلاء كانوا إلى غير هذا أحوج.
قال: إنك لست تدري أنهم أكلوا كل جوارشن كان عندي! قال أبو الأصبغ: فخرجت إلى رئيس غلمانه فقلت: ويلك! مالك وللجوارشن وما رغبتك فيه قال: جعلت فداك! ما أقدر أن أكلمك من الجوع إلا وأنا متكئ! الجوارشن! ما أصنع به هو نفسه ليس يشبع ولا نحتاج إلى الجوارشن ونحن الذين إنما نسمع بالشبع سماعاً من أفواه الناس! ما نصنع بالجوارشن واشتد على غلمانه في تصفية الماء وفي تبريده وتزميله لأصحابه وزواره.
فقال له غازي أبو مجاهد: جعلت فداك! مر بتزميل الخبز وتكثيره فإن الطعام قبل الشراب.
وقال مرة: يا غلام هات خوان النرد وهو يريد تحت النرد فقال له غازي: نحن إلى خوان الخبز أحوج.
وسكر زبيدة ليلة فكسا صديقاً له قميصاً.
فلما صار القميص على النديم خاف البدوات وعلم أن ذلك من هفوات السكر.
فمضى من ساعته إلى منزله فجعله بركاناً لامرأته.
فلما أصبح سأل عن القميص وتفقده فقيل له: إنك قد كسوته فلاناً.
فبعث إليه ثم أقبل عليه فقال: ما علمت أن هبة السكران وشراءه وبيعه وصدقته وطلاقه لا يجوز وبعد فإني أكره ألا يكون لي حمد وأن يوجه الناس هذا مني السكر.
فرده علي حتى أهبه لك صاحياً عن طيب نفس فإني أكره أن يذهب شيء من مالي باطلاً.
فلما رآه قد صمم أقبل عليه فقال: يا هناه! إن الناس يمزحون ويلعبون ولا يؤاخذون بشيء من ذلك.
فرد القميص عافاك الله! قال له الرجل: إني والله قد خفت هذا بعينه فلم أضع جنبي إلى الأرض حتى جيبته لامرأتي.
وقد زدت في الكمين وحذفت المقاديم.
فإن أردت بعد هذا كله أن تأخذه فخذه.
فقال: نعم آخذه لأنه يصلح لامرأتي كما يصلح لامرأتك.
قال: فإنه عند الصباغ.
قال: فهاته.
قال: ليس أنا أسلمته إليه.
فلما علم أنه قد وقع قال: بأبي وأمي رسول الله ﷺ حيث يقول: جُمع الشر كله في بيت و أغلق عليه فكان مفتاحه السُكر.
قصة ليلى الناعطية: وأما ليلى الناعطية صاحبة الغالية من الشيعة فإنها ما زالت ترقع قميصاً لها وتلبسه حتى صار القميص الرقاع وذهب القميص الأول.
ورفت كساءها ولبسته حتى صارت لا تلبس إلا الرفو وذهب جميع الكساء.
وسمعت قول الشاعر: البس قميصك ما اهتديت لجيبه فإذا أضلك جيبه فاستبدل فقالت: إني إذا الخرقاء! أنا والله أحوص الفتق وأرقع الخرق وخرق الخرق! ومضيت أنا وأبو إسحاق النظام وعمرو بن نهيوي نريد الحديث في الجبان ولنتناظر في شيء فلما جاوزنا الخندق جلسنا في فناء حائطه.
وله ظل شديد السواد بارد ناعم.
وذلك لثخن الساتر واكتناز الأجزاء ولبعد مسقط الشمس من أصل حائطه.
فطال بنا الحديث فجرينا في ضروب من الكلام.
فما شعرنا إلا والنهار قد انتصف ونحن في يوم قائظ.
فلما صرنا في الرجوع ووجدت مس الشمس وقعها على الرأس أيقنت بالبرسام.
فقلت لأبي إسحاق والوليد إلى جنبي يسمع كلامي: الباطنة منا بعيدة وهذا يوم منكر ونحن في ساعة تذيب كل شيء.
والرأي أن نميل إلى منزل الوليد فنقيل فيه ونأكل ما حضر فإنه يوم تخفيف.
فإذا أبردنا تفرقنا وإلا فهو الموت ليس دونه شيء.
قال الوليد رافعاً صوته: أما على هذا الوجه الذي أنكرته علينا - رحمك الله هل ها هنا إلا الحاجة والضرورة قال: إنك أخرجته مخرج الهزء.
وقلت: وكيف أخرجه مخرج الهزء وحياتي في يدك مع معرفتي بك فغضب ونتر يده من أيدينا وفارقنا.
ولا والله ما اعتذر إلينا مما ركبنا به إلى الساعة.
ولم أر من يجعل الأسى حجة في المنع إلا هو وإلا من أبي مازن إلى جبل الغمر.
وكان جبل خرج ليلاً من موضع كان فيه فخاف الطائف ولم يأمن المستقفي فقال: لو دققت الباب على أبي مازن فبت عنده في أدنى بيت أو في دهليزه ولم ألزمه من مؤنتي شيئاً.
حتى إذا انصدع عمود الصبح خرجت في أوائل المدلجين.
فدق عليه الباب دق واثق ودق مدل ودق من يخاف أن يدركه الطائف أو يقفوه المستقفي وفي قلبه عز الكفاية والثقة بإسقاط المؤنة.
فلم يشك أبو مازن أنه دق صاحب هدية.
فنزل سريعاً.
فلما فتح الباب وبصر بجبل بصر بملك الموت! فلما رآه جبل واجماً لا يحير كلمة قال له: إني خفت معرة الطائف وعجلة المستقفي فملت إليك لأبيت عندك.
فتساكر أبو مازن وأراه أن وجومه إنما كان بسبب السكر.
فخلع جوارحه وخبل لسانه وقال: سكران والله أنا والله سكران! قال له جبل: كن كيف شئت.
نحن في أيام الفصل لا شتاء ولا صيف.
ولست أحتاج إلى سطح فأغم عيالك بالحر ولست أحتاج إلى لحاف فأكلفك أن تؤثرني بالدثار.
وأنا كما ترى ثمل من الشراب شبعان من الطعام.
ومن منزل فلان خرجت وهو أخصب الناس دخلاً.
وإنما أريد أن تدعني أغفي في دهليزك إغفاءة واحدة ثم أقوم في أوائل المبكرين.
قال أبو مازن وأرخى عينيه وفكيه ولسانه ثم قال: سكران والله! أنا سكران! لا والله ما أعقل أين أنا! والله إن أفهم ما تقول! ثم أغلق الباب في وجهه ودخل لا يشك أن عذره قد وضح وأنه قد ألطف النظر حتى وقع على هذه الحيلة! وإن وجدتم في هذا الكتاب لحناً أو كلاماً غير معرب ولفظاً معدولاً عن جهته فاعلموا أنا إنما تركنا ذلك لأن الإعراب يبغض هذا الباب ويخرجه من حده.
إلا أن أحكي كلاماً من كلام متعاقلي البخلاء وأشحاء العلماء كسهل بن هارون وأشباهه.
قصة أحمد بن خلف: ومن طياب البخلاء أحمد بن خلف اليزيدي.
ترك أبوه في منزله يوم مات ألفي ألف درهم وستمائة ألف درهم وأربعين ومائة ألف دينار.
فاقتسمها هو وأخوه حاتم قبل دفنه.
وأخذ أحمد وحده ألف ألف وثلثمائة ألف درهم وسبعين ألف دينار ذهباً عيناً مثاقيل وازنة جياداً سوى العروض.
فقلت له وقد ورث هذا المال كله: ما أبطأ بك الليلة قال لا والله إلا أني تعيشت البارحة في البيت! فقلت لأصحابنا: لولا أنه بعيد العهد بالأكل في بيته وأن ذلك غريب منه لما احتاج إلى هذا الاستثناء وإلى هذه الشريطة.
وأين يتعشى الناس إلا في منازلهم وإنما يقول الرجل عند مثل هذه المسألة: لا والله إلا أن فلاناً حبسني ولا والله إلا أن فلاناً عزم علي.
فأما ما يستثنى ويشترط فهذا ما لا يكون إلا على ما ذكرناه قبل.
وقال لي مبتدئاً مرة عن غير مشورة وعن غير سبب جرى: انظر أن تتخذ لعيالك في الشتاء من هذه المثلثة فإنها عظيمة البركة كثيرة النزل.
وهي تنوب عن الغداء.
ولها نفخة تغني عن العشاء.
وكل شيء من الأحساء فهو يغني عن طلب النبيذ وشرب الماء.
ومن تحسى الحار عرق.
والعرق يبيض الجلد ويخرج من الجوف.
وهي تملأ النفس وتمنع من التشهي.
وهي أيضاً تدفئ فتقوم لك في أجوافهم مقام فحم الكانون من خارج.
وحسو طار يغني عن الوقود وعن لبس الحشو.
والوقود يسود كل شيء وييبسه.
وهو سريع في الهضم وصاحبه معرض للحريق ويذهب في ثمنه المال العظيم.
وشر شيء فيه أن من تعوده لم يدفئه شيء سواه.
فعليك يا أبا عثمان بالمثلثة! واعلم أنها لا تكون إلا في منازل المشيخة وأصحاب التجربة.
فخذها من حكيم مجرب ومن ناصح مشفق.
وكان لا يفارق منازل إخوانه.
وإخوانه مخاصيب مناويب أصحاب نفح وترف.
وكانوا يتحفونه ويدللونه ويفكهونه ويحكمونه.
ولم يشكوا أنه سيدعوهم مرة وأن يجعلوا بيته نزهة ونشوة.
فلما طال تغافله وطالت مدافعته وعرضوا له بذلك فتغافل صرحوا له.
فلما امتنع قالوا: اجعلها دعوة ليس لها أخت.
فلما أكلوا وغسلوا أيديهم أقبل عليهم فقال: أسألكم بالله الذي لا شيء أعظم منه أنا الساعة أيسر وأغنى أو قبل أن تأكلوا طعامي قالوا: ما نشك أنك حين كنت والطعام في ملكك أغنى وأيسر.
قال: فأنا الساعة أقرب إلى الفقر أم تلك الساعة قالوا: بل أنت الساعة أقرب إلى الفقر.
قال: فمن يلومني على ترك دعوة قوم قربوني من الفقر وباعدوني من الغنى وكلما دعوتهم أكثر كنت من الفقر أقرب ومن الغنى أبعد وفي قياسه هذا أن من رأيه أن يهجر كل من استسقاه شربة ماء أو تناول من حائطه لبنة ومن خليط دابته عوداً.
ومر بأصحاب الجداء وذلك في زمان التوليد.
فأطعمه الزمان في الرخص وتحركت شهوته على قدر إمكانه عنده.
فبعث غلاماً له يقال له ثقف وهو معروف ليشتري له جدياً.
فوقف غير بعيد.
فلم يلبث أن رجع الغلام يحضر وهو يشير بيده ويومئ برأسه: أن اذهب ولا تقف.
فلم يبرح.
فلما دنا منه قال: ويلك تهزأ بي كأني مطلوب! قال: هذا أطرفه! الجدي بعشرة! أنت من ذي البابة مر الآن مرمر! فإذا غلامه يرى أن من المنكر أن يشتري جدي بعشرة دراهم! والجدي بعشرة إنما ينكر عندنا بالبصرة لكثرة الخير ورخص السعر.
فأما في العساكر فإن أنكر ذلك منكر فإنما ينكره من ولا تقولوا الآن: قد والله أساء أبو عثمان إلى صديقه بل تناوله بالسوء حتى بدأ بنفسه.
ومن كانت هذه صفته وهذا مذهبه فغير مأمون على جليسه.
وأي الرجال المهذب هذا والله الشيوع والتبوع والبذاء وقلة الوفاء.
اعلموا أني لم ألتمس بهذه الأحاديث عنه إلا موافقته وطلب رضاه ومحبته.
ولقد خفت أن أكون عند كثير من الناس دسيساً من قبله وكميناً من كمائنه.
وذلك أن أحب الأصحاب إله أبلغهم قولاً في إياس الناس مما قبله وأجودهم حسماً لأسباب الطمع في ماله.
على أني إن أحسنت بجهدي فسيجعل شكري موقوفاً.
وإن جاوز كتابي هذا حدود العراق شكر وإلا أمسك.
لأن شهرته بالقبيح عند نفسه في هذا الإقليم قد أغنته عن التنويه والتنبيه على مذهبه.
وكيف وهو يرى أن سهل بن هارون وإسماعيل بن غزوان كانا من المسرفين وأن الثوري والكندي يستوجبان الحجر.
وبلغني أنه قال: لو لم تعرفوا من كرامة الملائكة على الله إلا أنه لم يبتلهم بالنفقة ولا بقول العيال: هات لعرفتم حالهم ومنزلتهم.
وحدثني صاحب لي قال: دخلت على فلان بن فلان وإذا المائدة موضوعة بعد وإذا القوم قد أكلوا ورفعوا أيديهم.
فمددت يدي لآكل فقال: أجهز على الجرحى ولا تتعرض للأصحاء! يقول: اعرض للدجاجة التي قد نيل منها وللفرخ المنزوع الفخذ.
فأما الصحيح فلا تتعرض له.
وكذلك الرغيف الذي قد نيل منها وللفرخ المنزوع الفخذ.
فأما الصحيح فلا تتعرض له.
وكذلك الرغيف الذي قد نيل منه وأصابه بعض المرق.
وقال لي الرجل: أكلنا عنده يوماً وأبوه حاضر وبني له يجيئ ويذهب.
فاختلف مراراً.
كل ذلك يرانا نأكل.
فقال الصبي: كم تأكلون لا أطعم الله بطونكم! فقال أبوه وهو جد الصبي: ابني ورب الكعبة! وحدثني صاحب مسلحة باب الكرخ قال: قال لي صاحب الحمام: ألا أعجبك من صالح بن عفان كان يجئ كل سحر فيدخل الحمام.
فإذا غبت عن إجانة النورة مسح أرفاغه.
ثم يتستر بالمئزر.
ثم يقوم فيغسله في غمار الناس.
ثم يجئ بعد في مثل تلك الساعة فيطلي ساقيه وبعض فخذيه.
ثم يجلس ويتزر بالمئزر.
فإذا وجد غفلة غسله.
ثم يعود في مثل ذلك الوقت فيمسح قطعة أخرى من جسده.
فلا يزال يطلي في كل سحر حتى ذهب مني بطلية.
قال: ولقد رأيته وإن في زيق سراويله نورة.
وكان لا يرى الطبخ في القدور الشامية ولا تبريد الماء في الجرار المذارية لأن هذه ترشح وتلك تنشف.
حدثني أبو الجهجاه النوشرواني قال: حدثني أبو الأحوص الشاعر قال: كنا نفطر عند الباسياني.
فكان يرفع يديه قبلنا ويستلقي على فراشه ويقول: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا}.
حديث خالد بن يزيد: وهذا خالد بن يزيد مولى المهالبة.
هو خالويه المكدى.
وكان قد بلغ في البخل والتكدية وفي كثرة المال المبالغ التي لم يبلغها أحد.
وكان ينزل في شق بني تميم فلم يعرفوه.
فوقف عليه ذات يوم سال وهو في مجلس من مجالسهم.
فأدخل يده في الكيس ليخرج فلساً وفلوس البصرة كبار.
فغلط بدرهم بغلى.
فلم يفطن حتى وضعه في يد السائل.
فلما فطن استرده وأعطاه الفلس.
فقيل له: هذا لا نظنه يحل.
وهو بهد قبيح! قال: قبيح عند من إني لم أجمع هذا المال بعقولكم فأفرقه بعقولكم! ليس هذا من مساكين الدراهم.
هذا من مساكين الفلوس! والله ما أعرفه إلا بالفراسة.
قالوا: وإنك لتعرف المكدين قال: وكيف لا أعرفهم! لم يبق في الأرض مخطراني ولا مستعرض الأقفية ولا شحاذ ولا كاغاني ولا بانوان ولا قرسي ولا عواء ولا مشعب ولا مزيدي ولا إسطيل إلا وقد كان تحت يدي.
ولقد أكلت الزكوري ثلاثين سنة.
ولم يبق في الأرض كعبي ولا مكد إلا وقد أخذت العرافة عليه.
وإنما أراد بهذا أن يؤيسهم من ماله حين عرف حرصهم وجشعهم وسوء جوارهم.
وكان قاصاً متكلماً بليغاً داهياً.
وكان أبو سليمان الأعور وأبو سعيد المدائني القاصان من غلمانه.
وهو الذي قال لابنه عند موته: إني قد تركت لك ما تأكله إن حفظته وما لا تأكله إن ضيعته.
ولما ورثتك من العرف الصالح وأشهدتك من صواب التدبير وعودتك من عيش المقتصدين خير لك معين من هذا المال.
وقد دفعت إليك آلة لحفظ المال عليك بكل حيلة.
ثم إن لم يكن لك معين من نفسك ما انتفعت بشيء من ذلك.
بل يعود ذلك النهي كله إغراء لك وذلك المنع تهجينا لطاعتك.
قد بلغت في البر منقطع التراب وفي البحر أقصى مبلغ السفن.
فلا عليك ألا ترى ذا القرنين.
ودع عنك مذاهب ابن شرية فإنه لا يعرف إلا ظاهر الخبر.
ولو رآني تميم الداري لأخذ عني صفة الروم.
ولا أنا أهدى من القطا ومن دعيميص ومن رافع المخش.
إني قد بت بالقفز مع الغول وتزوجت السعلاة وجاوبت الهاتف ورغت عن الجن إلى الجن واصطدت الشق وجاوبت النسناس وصحبني الرئي.
وعرفت خدع الكاهن وتدسيس العراف وإلام يذهب الخطاط والعياف وما يقول أصحاب الأكتاف.
وعرفت التنجيم والزجر والطرق والفكر.
إن هذا المال لم أجمعه من القصص والتكدية ومن احتيال النهار ومكابدة الليل.
ولا يجمع مثله أبداً إلا من معاناة ركوب البحر ومن عمل السلطان أو من كيمياء الذهب والفضة.
قد عرفت الرأس حق معرفته وفهمت كسر الإكسير على حقيقته.
ولولا علمي بضيق صدرك ولولا أن أكون سبباً لتلف نفسك لعلمتك الساعة الشيء الذي بلغ بقارون وبه تبنكت خاتون.
والله ما يتسع صدرك عندي لسر صديق فكيف ما لا يحتمله عزم ولا يتسع له صدر وحرز سر الحديث وحبس كنوز الجواهر أهون من خزن العلم.
ولو كنت عندي مأموناً على نفسك لأجريت الأرواح في الأجساد وأنت تبصر ما كنت لا تفهمه بالوصف ولا تحقه بالذكر.
ولكني سألقي عليك علم الإدراك وسبك الرخام وصنعة الفسيفساء وأسرار السيوف القلعية وعقاقير السيوف اليمانية وعمل الفرعوني وصنعة التلطيف على وجهه إن أقامني الله من صرعتي هذه.
ولست أرضاك وإن كنت فوق البنين ولا أثق بك وإن كنت لاحقاً بالآباء لأني لم أبالغ في محبتك.
ني قد لابست السلاطين والمساكين وخدمت الخلفاء والمكدين وخالطت النساك والفتاك وعمرت السجون كما عمرت مجالس الذكر وحلبت الدهر أشطره وصادفت دهراً كثير الأعاجيب.
فلولا أني دخلت من كل باب وجريت مع كل ريح وعرفت السراء والضراء حتى مثلت لي التجارب عواقب الأمور وقربتني من غوامض التدبير لما أمكنني جمع ما أخلفه لك ولا حفظ ما حبسته عليك.
ولم أحمد نفسي على جمعه كما حمدتها على حفظه لأن بعض هذا المال لم أنله بالحزم والكيس.
قد حفظته عليك من فتنة الأبناء ومن فتنة النساء ومن فتنة الثناء ومن فتنة الرياء ومن أيدي الوكلاء فإنهم الداء العياء.
ولست أوصيك بحفظه لفضل حبي لك ولكن لفضل بغضي للقاضي: إن الله - جل ذكره - لم يسلط القضاة على أموال الأولاد إلا عقوبة للأولاد لأن أباه إن كان غنياً قادراً أحب أن يريه غناه وقدرته وإن كان فقيراً عاجزاً أحب أن يستريح من شينه ومن حمل مؤنته.
وإن كان فلا هم شكروا من جمع لهم وكفاهم ووقاهم وغرسهم ولا هم صبروا على من أوجب الله حقه عليهم.
والحق لا يوصف عاجله بالحلاوة كما لا يوصف عاجل الباطل بالمرارة.
فإن كنت فالقاضي لك.
وإن لم تكن منهم فالله لك.
فإن سلكت سبيلي صار مال غيرك وديعةً عندك وصرت الحافظ على غيرك.
وإن خالفت سبيلي صار مالك وديعةً عند غيرك وصار غيرك الحافظ.
وإنك يوم تطمع أن تضيع مالك ويحفظه غيرك لجشع الطمع مخذول الأمل.
احتال الآباء في حبس الأموال على أولادهم بالوقف فاحتالت القضاة على أولادهم بالإستحجار.
ما أسرعهم إلى إطلاق الحجر وإلى إيناس الرشد إذا أرادوا الشراء منهم! وأبطأهم عنهم إذا أرادوا أن تكون أموالهم جائزة لصنائعهم! يا بن الخبيثة! إنك وإن كنت فوق أبناء هذا الزمان فإن الكفاية قد مسختك ومعرفتك بكثرة ما أخلف قد أفسدتك.
وزاد في ذلك أن كنت بكرى وعجزة أمك.
أنا لو ذهب مالي لجلست قاصاً أو طفت في الآفاق - كما كنت - مكدياً: اللحية وافرة بيضاء والحلق جهير طل والسمت حسن والقبول على واقع! إن سألت عيني الدمع أجابت.
والقليل من رحمة الناس خير من المال الكثير.
وصرت محتالاً بالنهار واستعملت صناعة سل عني صعاليك الجبل وزواقيل الشام وزط الآجام ورؤس الأكراد ومردة الأعراب وفتاك نهر بط ولصوص القفص! وسل عني القيقانية والقطرية.
وسل عني المتشبهة وذباجي الجزيرة: كيف بطشي ساعة البطش وكيف حيلتي ساعة الحيلة وكيف أنا عند الجولة وكيف ثبات جناني عند رؤية الطليعة وكيف يقظتي إذا كنت ربيئة وكيف كلامي عند السلطان إذا أخذت وكيف صبري إذا جلدت وكيف قلة ضجري إذا حبست وكيف رسفاني.
في القيد إذا أثقلت! فكم من ديماس قد نقبته وكم من مطبق قد أفضيته وكم من سجن قد كابدته.
وأنت غلام لسانك فوق عقلك وذكاؤك فوق حزمك.
لم تعجمك الضراء ولم تزل في السراء.
والمال واسع وذرعك ضيق.
وليس شيء أخوف عليك عندي من حسن الظن بالناس فإنهم شمالك على يمينك وسمعك على بصرك.
وخف عباد الله على حسب ما ترجو الله فأول ما وقع في روعي أن مالي محفوظ علي وأن النماء لازم لي وأن الله سيحفظ عقبي من بعدي.
إني لما غلبتني يوماً شهوتي وأخرجت يوماً درهماً لقضاء وطري ووقعت عني على سكت وعلى اسم الله المكتوب عليه قلت في نفسي: إني إذاً لمن الخاسرين الضالين: لئن أنا أخرجت من يدي ومن بيتي شيئاً عليه لا إله إلا الله أخذت بدله شيئاً ليس عليه شيء! والله إن المؤمن لينزع خاتمه للأمر يريده وعليه حسبي الله أو توكلت على الله فيظن أنه قد خرج من كنف الله - جل ذكره - حتى يرد الخاتم في موضعه! وإنما هو خاتم واحد.
وأنا أريد أن أخرج في كل يوم درهماً عليه الإسلام كما هو! إن هذا لعظيم!.
ومات من ساعته.
وكفنه ابنه ببعض خلقانه وغسله بماء البئر ودفنه من غير أن يصرخ له أو يلحد له ورجع.
فلما صار في المنزل نظر إلى جرة خضراء معلقة.
قال: أي شيء في هذه الجرة قالوا: ليس اليوم فيها شيء.
قال: فأي شيء فيها قبل اليوم قالوا: سمن.
قال: وما كان يصنه به قالوا: كنا في الشتاء نلقي له في البرمة شيئاً من دقيق نعمله له فكان ربما برقه بشيء من سمن.
قال: تقولون ولا تفعلون! السمن أخو العسل.
وهل أفسد الناس أموالهم إلا في السمن والعسل والله إني لولا أن للجرة ثمناً لما كسرتها إلا على قبره! قالوا: فخرج فوق أبيه وما كنا نظن أن فوقه مزيداً! المخطراني الذي يأتيك في زي ناسك ويريك أن بابك قد قور لسانه من أصله لأنه كان مؤذناً هناك.
ثم يفتح فاه كما يصنع من تثاءب فلا ترى له لساناً البتة! ولسانه في الحقيقة كلسان الثور! وأنا أحد من خدع بذلك.
ولابد للمخطراني أن يكون معه واحد يعبر عنه أو لوح أو والكاغاني الذي يتجنن ويتصارع ويزبد حتى لا يشك أنه مجنون لا دواء له لشدة ما ينزل بنفسه وحتى يتعجب من بقاء مثله على مثل علته.
والبانوان الذي يقف على الباب ويسل الغلق ويقول: بانوا! وتفسير ذلك بالعربية: يا مولاي! والقرسي الذي يعصب ساقه وذراعه عصباً شديداً ويبيت على ذلك ليلة.
فإذا تورم واختنق الدم مسحه بشيء من صابون ودم الأخوين وقطر عليه شيئاً من سمن وأطبق عليه خرقة وكشف بعضه.
فلا يشك من رآه أن به الإكلة أو بلية شبه الإكلة.
والمشعب الذي يحتال للصبي حين يولد: بأن يعميه أو يجعله أعسم أو أعضد ليسأل الناس به أهله.
وربما جاءت به أمه وأبوه ليتولى ذلك منه بالغرم الثقيل.
لأنه يصير حينئذ عقدة وغلة: فإما أن يكتسبا به وإما أن يكرياه بكراء معلوم.
وربما أكروا أولادهم ممن يمضي إلى إفريقية فيسأل بهم الطريق أجمع بالمال العظيم.
فإن كان ثقة مليئاً وإلا أقام بالأولاد والأجرة كفيلاً.
والعواء الذي يسأل بين المغرب والعشاء.
وربما طرب إن كان له صوت حسن وحلق شجي.
والإسطيل هو المتعامي: إن شاء أراك أنه منخسف العينين وإن شاء أراك أن بهما ماء وإن شاء أراك أنه لا يبصر للخسف ولريح السبل.
والمزيدي الذي يعارضك وهو ذو هيئة وفي ثياب صالحة.
وكأنه قد هاب من الحياء والمعدس الذي يقف على الميت يسأل في كفنه ويقف في طريق مكة على الحمار الميت والبعير الميت يدعى أنه كان له ويزعم أنه قد أحصر وقد تعلم لغة الخراسانية واليمانية والإفريقية وتعرف تلك المدن والسكك والرجال.
وهو متى شاء كان من إفريقية ومتى شاء كان من أهل فرغانة ومتى شاء كان من أي مخاليف اليمن شاء! والمكدى صاحب الكداء.
والكعبي أضيف إلى أبي كعب الموصلي وكان عريفهم بعد خالويه سنة على ماء.
والزكوري هو خبز الصدقة كان على سجني أو على سائل.
هذا تفسير ما ذكر خالويه فقط.
وهم أضعاف ما ذكرنا في العدد.
ولم يكن يجوز أن نتكلف شيئاً ليس من الكتاب في شيء.
رفع يحيى بن عبد الله بن خالد بن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد رغيفاً من خوانه بيده ثم رطله والقوم يأكلون.
ثم قال: يزعمون أن خبزي صغار.
أي ابن.
.
.
يأكل من هذا الخبز رغيفين وكنت أنا وأبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام وقطرب النحوي وأبو الفتح مؤدب منصور ابن زياد على خوان فلان بن فلان.
والخوان من جزعة.
والغضار صيني ملمع أو خلنجية كيماكية.
والألوان طيبة شهية وغذية قدية.
وكل رغيف في بياض الفضة كأنه البدر وكأنه مرآة مجلوة.
ولكنه على قدر عدد الرءوس.
فأكل كل إنسان رغيفه إلا كسرة.
ولم يشبعوا فيرفعوا أيديهم.
ولم يغدوا بشيء فيتموا أكلهم.
والأيدي معلقة.
وإنما هم في تنقير وتنتيف! فلما طال ذلك عليهم أقبل الرجل على أبي الفتح وتحت القصعة رقاقة فقال: يا أبا الفتح خذ ذلك الرغيف فقطعه وقسمه على أصحابنا.
فتغافل أبو الفتح.
فلما أعاد عليه القول الرابعة قال: مالك - ويلك! - لا تقطعه بينهم قطع الله أوصالك! قال: يبتلي على يدي غيري أصلحك الله! فخجلناه مرة وضحكنا مرة وما ضحكنا صاحبنا ولا خجل.
وزرته أنا والمكي.
وكنت أنا على حمار مكار والمكي على حمار مستعار.
فصار الحمار إلى أسوأ من حال المذود! فكلم المكي غلمانه فقال: لا أريد منكم التبن فما فوقه.
اسقوه ماء فقط.
فسقوه ماء بئر فلم يشربه الحمار وقد مات عطشاً.
فأقبل المكي عليه فقال: أصلحك الله! إنهم يسقون حماري ماء بئر ومنزل صاحب الحمار على شارع دجلة فهو لا يعرف إلا العذب.
قال: فامزجوه له يا غلام! فمزجوه فلم يشربه.
فأعاد المسألة فأمكنه من أذن من لا يسمع إلا ما يشتهي.
وقال لي مرة: يا أخي إن ناساً من الناس يغمسون اللقمة إلى أصبارها في المري.
فأقول: هؤلاء قوم يحبون الملوحة ولا يحبون الحامض! فما ألبث أن أرى أحدهم يأخذ حرف الجردقة فيغمسها في الخل الحاذق ويغرقها فيه! وربما رأيت أحدهم يمسكها في الخل بعد التغريق ساعة فأقول: هؤلاء قوم يجمعون حب الحموضة إلى حب الملوحة.
ثم لا ألبث أنة أراهم يصنعون مثل ذلك بالخردل والخردل لا يرام! قل لي: أي شيء طبائع هؤلاء وأي ضرب هم وما دواؤهم وأي شيء علاجهم فلما رأيت مذهبه وحمقه وغلبة البخل عليه وقهره له قلت: ما لهم عندي علاج هو أنجع فيهم من أن يمنعوا الصباغ كله! لا والله إن هو غيره! وصديق كنا قد ابتلينا بمؤاكلته.
وقد كان ظن أنا قد عرفناه بالبخل على الطعام.
وهجس ذلك في نفسه وتوهم أنا قد تذاكرناه أمره.
فكان يتزيد في تكثير الطعام وفي إظهار الحرص على أن يؤكل.
حتى قال: من رفع يده قبل القوم غرمناه ديناراً.
فترى بغضه إن غرمناه ديناراً.
وظاهر لا ئمته محتمل في رضا قلبه وما يرجو من نفع ذلك له.
ولقد خبرني خباز لبعض أصحابنا أنه جلده على إنضاج الخبز وأنه قال له: أنضج خبزي الذي يوضع بين يدي واجعل خبز من يأكل معي على مقدار بين المقدارين.
وأما خبز العيال والضيف فلا تقربنه من النار إلا بقدر ما يصير العجين رغيفاً وبقدر ما يتماسك فقط! فكلفه العويص.
فلما أعجزه ذلك جلده حد الزاني الحر! فحدثت بهذا الحديث عبد الله العروضي فقال: ألم تعرف شأن الجدي ضرب الشواء ثمانين سوطاً لمكان الإنضاج! وذلك أنه قال له: ضع الجدي في التنور حين تضع الخوان حتى أستبطئك أنا في إنضاجه.
وتقول أنت: بقي قليل! ثم تجيئنا به وكأني قد أعجلتك! فإذا وضع بين أيديهم غير منضج احتسبت عليهم بإحضار الجدي.
فإذا لم يأكلوه أعدته إلى التنور ثم أحضرتناه الغد بارداً.
فيقوم الجدي الواحد مقام جديين! فجاء به الشواء يوماً نضيجاً فعمل فيه القوم.
فجلده ثمانين جلدة جلد القاذف الحر! وحدثني أحمد بن المثنى عن صديق لي وله ضخم البدن كثير العلم فاشي الغلة عظيم الولايات أنه إذا دعا على مائدته بفضل دجاجة أو بفضل رقاق أو غير ذلك رد الخادم مع الخباز إلى القهرمان حتى يصك له بذلك إلى صاحب المطبخ! ولقد رأيته مرة وقد تناول دجاجة فشقها نصفين فألقى نصفها إلى الذي عن يمينه ونصفها إلى الذي عن شماله.
ثم قال: يا غلام! جئني بواحدة رخصة فإن هذه كانت عضلة جداً.
فحسبت أن أقل ما عند الرجلين ألا يعودا إلى مائدته أبداً.
فوجدتهما قد فخرا علي بما وكانوا ربما خصوه فوضعوه بين يديه الدراجة السمينة والدجاجة الرخصة.
فانطفأت الشمعة في ليلة من تلك الليالي.
فأغار على الأسواري على بعض ما بين يديه واغتنم الظلمة.
وعمل على أن الليل أخفى للويل! ففطن له وما هو بالفطن إلا في هذا الباب.
وقال: كذلك الملوك كانت لا تأكل مع السوقة! وحثني أحمد بن المثنى أنهم كانوا يعمدون إلى الجرادق التي ترفع عن مائدته: فما كان منها ملطخاً دلك دلكاً شديداً وما كان منها قد ذهب جانب منه قطع بسكين من ترابيع الرغيف مثل ذلك لئلا يشك من رآه أنهم قد تعمدوا ذلك.
وما كان من الأنصاف والأرباع جعل بعضه للثريد وقطع بعضه كالأصابع وجعل مع بعض القلايا.
ولقد رأيت رجلاً ضخماً فخم اللفظ فخم المعاني تربية في ظل ملك مع علوهم ولسان عضب ومعرفة بالغامض من العيوب والدقيق من المحاسن مع شدة تسرع إلى أعراض الناس وضيق صدر بما تعرف من عيوبهم.
وإن ثريدته لبلقاء إلا أن بياضها ناصع ولونها الآخر أصهب! ما رأيت ذلك مرة ولا مرتين.
وكنت قد هممت قبل ذلك لأن أعاتبه على الشيء يستأثر به ويختص به وأن أحتمل ثقل تلك النصيحة وبشاعتها في حظه وفي النظر له.
ورأيت أن ذلك لا يكون إلا من حاق الإخلاص ومن فرط الإخاء من الإخوان.
فلما رأيت البلقة هان علي التحجيل والغرة.
ورأيت أن ترك الكلام أفضل وأن الموعظة لغو.
وقد زعم أبو الحسن المدائني أن ثريدة مالك بن المنذر كانت بلقاء.
ولعل ذلك أن يكون باطلاً.
وأما أنا فقد رأيت بعيني من هذا الرجل ما لا أخبرك به وهو شيء لم أره إلا فيه ولا سمعت به في غيره.
ولسنا من تسمية الأصحاب المتهتكين ولا غيرهم من المستورين في شيء.
أما الصاحب فإنا لا نسميه لحرمته وواجب حقه.
والآخر لا نسميه ليستر الله عليه ولما يجب لمن كان في مثل حاله.
وإنما نسمي من خرج من هاتين الحالتين.
ولربما سمينا الصاحب إذا كان ممن يمازج بهذا ورأيناه يتظرف ويحمل ذلك الظرف سلماً إلى منع شينه.
قصة أبي جعفر: ولم أر مثل أبي جعفر الطرسوسي: زار قوماً فأكرموه وطيبوه وجعلوا في شاربه وسبلته غالية.
فحكته شفته العليا فأدخل إصبعه فحكها من باطن الشفة مخافة أن تأخذ إصبعه من الغالية شيئاً إذا حكها من فوق! وهذا وشبهه إنما يطيب جداً إذا رأيت الحكاية بعينك لأن الكتاب لا يصور لك كل شيء ولا يأتي لك على كنهه وعلى حدوده وحقائقه.
قصة الحزامي: وأما أبو محمد الحزامي عبد الله بن كاسب كاتب مويس وكاتب داود بن أبي داود فإنه كان أبخل من برأ الله وأطيب من برأ الله.
وكان له في البخل كلام.
وهو أحد من ينصره ويفضله ويحتج له ويدعو إليه.
وإنه رآني مرة في تشرين الأول وقد بكر البرد شيئاً.
فلبست كساء لي قومسياً خفيفاً قد نيل منه.
فقال لي: ما أقبح السرف بالعاقل وأسمج الجهل بالحكيم! ما ضننت أن إهمال النفس وسوء السياسة بلغ بك ما أرى! قلت: وأي شيء أنكرت منا مذ اليوم وما كان هذا قولك فينا بالأمس.
فقال: لبسك هذا الكساء قبل أوانه.
قلت: قد حدث من البرد بمقداره.
ولو كان هذا البرد الحادث في تموز وآب لكان إباناً لهذا الكساء.
قال: إن كان ذلك كذلك فاجعل بدل هذه المبطنة جبة محشوة فإنها تقوم هذا المقام وتكون قد خرجت من الخطأ.
فأما لبس الصوف اليوم فهو اليوم غير جائز.
قلت: ولم قال: لأن غبار آخر الصيف يتداخله ويسكن في خلله.
فإذا أمطر الناس وندى الهواء وابتل كل شيء ابتل ذلك الغبار.
وإنما الغبار تراب إلا أنه لباب التراب.
وهو مالح ويتقبض عند ذلك عليه الكساء ويتكرش لأنه صوف فينضم أجزاؤه عليه فيأكله أكل القادح ويعمل فيه عمل السوس.
ولهو أسرع فيه من الأرضة في الجذوع النجرانية! ولكن أخر لبسه حتى إذا أمطر الناس وسكن الغبار وتلبد التراب وحط المطر ما كان في الهواء من الغبار وغسله وصفاه فالبسه حينئذ على بركة الله! وكان يقع إلى عياله بالكوفة كل سنة مرة فيشتري لهم من الحب مقدار طبيخهم وقوت سنتهم.
فإذا نظر إلى حب هذا وإلى حب هذا وقام على سعر اكتال من كل واحد منها كيلة معلومة ثم وزنها بالميزان واشترى أثقلها وزناً.
وكان لا يختار على البلدي والموصلي شيئاً إلا أن يتقارب السعر.
وكان على كل حال يفر من الميساني إلا أن يضطر إليه ويقول: هو ناعم ضعيف ونار المعدة شيطان! فإنما ينبغي لنا أن نطعم الحجر وما أشبه الحجر! وقلت له مرة: أعلمت أن خبز البلدي ينبت عليه شيء شبيه بالطين والتراب والغبار المتراكم قال: حبذا ذلك من خبز! وليته قد أشبه الأرض بأكثر من هذا المقدار! وكان إذا كان جديد القميص ومغسوله ثم أتوه بكل بخور في الأرض لم يتبخر مخافة أن يسود دخان العود بياض قميصه.
فإن اتسخ فأتى بالبخور لم يرض بالتبخر واستقصاء ما في العود من القتار حتى يدعو بدهن فيمسح به صدره وبطنه وداخلة إزاره.
ثم يتبخر ليكون أعلق للبخور! وكان يقول: حبذا الشتاء فإنه يحفظ عليك رائحة البخور ولا يحمض فيه النبيذ إن ترك مفتوحاً ولا يفسد فيه مرق إن بقي أياماً.
وكان لا يتبخر إلا في منازل أصحابه.
فإذا كان في الصيف دعا بثيابه فلبسها على قميصه لكيلا يضيع من البخور شيء.
وقال مرة: إن للشيب سهكة.
وبياض الشعر هو موته وسواده حياته: ألا ترى أن موضع دبرة الحمار الأسود لا ينبت إلا أبيض! والناس لا يرضون منا في هذا العسكر إلا بالعناق واللثام والطيب غال وعادته رديئة! وينبغي لمن كان أيضاً عنده أن يحرسه ويحفظه من عياله.
وإن العطار ليختمه على أخص غلمانه به.
فلست أرى شيئاً هو خير من اتخاذ مشط صندل فإن ريحه طيبة.
والشعر سريع القبول منه! وأقل ما يصنع أن ينفي سهك الشيب.
فصرنا في حال لنا ولا علينا.
واستلف منه على الأسواري مائة درهم.
فجاءني وهو حزين منكسر.
فقلت له: إنما يحزن من لا يجد بداً من إسلاف الصديق مخافة ألا يرجع إليه ماله ولا يعد ذلك هبة منه أو رجل يخاف الشكية فهو إن لم يسلف كرماً أسلف خوفاً.
وهذا باب الشهرة فيه قرة عينك.
وأنا واثق باعتزامك وتصميمك وبقلة المبالاة بتخيل الناس لك.
فما وجه انكسارك واغتمامك قال: اللهم غفراً! ليس ذاك بي.
إنما في أني قد كنت أظن أن أطماع الناس قد صارت بمعزل عني وآيسة مني وأني قد أحكمت هذا الباب وأتقنته وأودعت قلوبهم اليأس وقطعت أسباب الخواطر.
فأراني واحداً منهم! إن من أسباب إفلاس المرء طمع الناس فيه لأنهم إذا طمعوا فيه احتالوا له الحيل ونصبوا له الشرك.
وإذا يئسوا منه فقد أمن.
وهذا المذهب من على استضعاف شديد.
وما أشك أني عنده غمر وأني كبعض من يأكل ماله وهو مع هذا خليط وعشير.
وإذا كان مثله لم يعرفني ولم يتقرر عنده مذهبي فما ظنك بالجيران بل ما ظنك بالمعارف أراني أنفخ في غير فحم وأقدح بزند مصلد! ما أخوفني أن أكون قد قصد إلي بقول! ما أخوفني أن يكون الله في سمائه قد قصد إلى أن يفقرني! قال: ويقولون: ثوبك على صاحبك أحسن منه عليك! فما يقولون إن كان أقصر مني أليس يتخيل في قميصي وإن كان طويلاً جداً وأنا قصير جداً فلبسه أليس يصير آية للسابلين فمن أسوأ أثراً على صديقه ممن جعله ضحكة للناس ما ينبغي لي أن أكسوه حتى أعلم أنه فيه مثلي.
ومتى يتفق هذا وإلى ذلك محيى وممات.
وكان يقول: أشتهي اللحم الذي قد تهرأ وأشتهي أيضاً الذي فيه بعض الصلابة.
وقلت له مرة: ما أشبهك بالذي قال: أشتهي لحم دجاجتين.
قال: وما تصنع بذلك القائل هو ذا أنا أشتهي لحم دجاجتين واحدة خلاسية مسمنة وأخرى خوامزكه رخصة.
وقلت له مرة: قد رضيت بأن يقال: عبد الله بخيل قال: لا أعدمني الله هذا الاسم! قلت: وكيف قال: لا يقال: فلان بخيل إلا وهو ذو مال.
فسلم إلى المال وادعني بأي اسم شئت! قلت: ولا يقال أيضاً: فلا سخي إلا وهو ذو مال.
فقد جمع هذا الاسم الحمد والمال واسم البخل يجمع المال والذم.
فقد أخذت أخسهما وأوضعهما.
قال: وبينهما فرق.
قلت: فهاته.
قال: في قولهم: بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه.
وفي قولهم: سخي إخبار عن خروج المال من ملكه.
واسم البخيل اسم فيه حفظ وذم واسم السخي اسم فيه تضييع وحمد.
والمال زاهر نافع مكرم لأهله معز.
والحمد ريح وسخرية واستماعك له ضعف وفسولة.
وما أقل غناء الحمد والله عنه إذا جاع وكنا عند داود بن أبي داود بواسط أيام ولايته كسكر! فأتته من البصرة هدايا فيها زقاق دبس.
فقسمها بيننا.
فكل ما أخذ منها الحزامى أعطى غيره.
فأنكرت ذلك من مذهبه ولم أعرف جهة تدبيره.
فقلت للمكي: قد علمت أن الحزامى إنما يجزع من الإعطاء وهو عدو.
فأما الأخذ فهو ضالته وأمنيته! وإنه لو أعطى أفاعى سجستان وثعابين مصر وحيات الأهواز لأخذها إذا كان اسم الأخذ واقعاً عليها! فعساه أراد التفضيل في القسمة.
قال: أنا كاتبه وصداقتي أقدم.
وما ذلك به.
هاهنا أمرا ما نقع عليه.
فلم يلبث أن دخل علينا.
فسألته عن ذلك.
فتعصر قليلاً.
ثم باح بسره.
قال: وضيعته أضعاف ربحه.
وأخذه عندي من أسباب الإدبار.
قلت: أول وضائعه احتمال السكر.
قال: هذا لم يخطر لي قط على بال.
قلت: فهات إذا ما عندك.
قال: أول ذلك كراء الحمال.
ثم هو على خطر حتى يصير إلى المنزل.
فإذا صار إلى المنزل صار سبباً لطلب العصيدة والأرز والبستندود.
فإن بعته فراراً من هذا صيرتموني شهرة وتركتموني عنده آية.
وإن أنا حبسته ذهب في العصائد وأشباه العصائد.
وجذب ذلك شراء السمن ثم جذب السمن غيره وصار هذا الدبس أضر علينا من العيال.
وإن أنا جعلته نبيذاً احتجت إلى كراء القدور وإلى شراء الحب وإلى شراء الماء وإلى كراء من يوقد تحته وإلى التفرغ له.
فإن وليت ذلك الخادم اسود ثوبها وغرمنا ثمن الأشنان والصابون وازدادت في الطمع على قدر الزيادة في العمل.
فإن فسد ذهبت النفقة باطلاً ولم نستخلف منها عوضاً بوجه من جميع الوجوه.
لأن خل الداذي يخضب اللحم ويغير الطعم ويسود المرق ولا يصلح إلا للاصطباغ.
وهذا إذا استحال خلاً.
وأكثر ذلك أن يحول عن النبيذ ولا يصير إلى الخل.
وإن سليم - وأعوذ بالله! - وجاد وصفا لم نجد بداً من شربه ولم تطب أنفسنا بتركه.
فإن قعدت في البيت أشرب منه لم يمكن إلا بترك سلاف الفارسي المعسل والدجاج المسمن وجداء كسكر وفاكهة الجبل والنقل الهش والريحان الغض عند من لا يغيض ماله ولا تنقطع مادته وعند من لا أبالي على أي قطرية سقط مع فوت الحديث المؤنس والسماع الحسن.
وعلى أني إن جلست في البيت أشربه لم يكن لي بد من واحد.
وذلك الواحد لابد له من دريهم لحم ومن طسوج نقل وقيراط ريحان ومن أبزار للقدر ومن حطب للوقود.
وهذا كله غرم.
وهو بعد هذا شؤم وحرفة وخروج من العادة الحسنة.
فإن كان ذلك النديم غير موافق فأهل الحبس أحسن حالاً مني.
وإن كان - وأعوذ بالله! - موافقاً فقد فتح الله على مالي باباً من التلف لأنه حينئذ يسير في مالي كسيري في مال من هو وإذا علم الصديق أن عندي داذياً أو نبيذاً دق الباب دق المدل.
فإن حجبناه فبلاء وإن أدخلناه فشقاء.
وإن بدا لي في استحسان حديث الناس كما يستحسن مني من أكون عنده فقد شاركت المسرفين وفارقت إخواني من المصلحين وصرت من ألوان الشياطين.
فإذا صرت كذلك فقد ذهب كسبي من مال غيري وصار غيري يكتسب مني.
وأنا لو ابتليت بأحدهما لم أقم له فكيف إذا ابتليت بأن أعطي ولا آخذ! أعوذ بالله من الخذلان بعد العصمة ومن الحور بعد الكور! لو كان هذا في الحداثة كان أهون.
هذا الدوشاب دسيس من الحرفة وكيد من الشيطان وخدعة من الحسود! وهو الحلاوة التي تعقب المرارة! ما أخوفني أن يكون أبو سليمان قد مل منادمتي فهو يحتال لي الحيل! وكنا مرة في موضع حشمة وفي جماعة كثيرة والقوم سكوت والمجلس كبير وهو بعيد المكان مني.
وأقبل على المكي وقال والقوم يسمعون فقال: يا أبا عثمان من أبخل أصحابنا قلت: أبو الهذيل.
قال: ثم من قلت: صاحب لنا لا أسميه.
قال الحزامي من بعيد: إنما يعنيني! ثم قال: حسدتم للمقتصدين تدبيرهم ونماء أموالهم ودوام نعمتهم.
فالتمستم تهجينهم بهذا اللقب وأدخلتم المكر عليهم بهذا النبز.
تظلمون المتلف لماله باسم الجود إدارة له عن شينه وتظلمون المصلح لماله باسم البخل حسدا منكم لنعمته.
فلا المفسد ينجو ولا المصلح يسلم.
فتكلم يوماً فما زال يدخل كلاماً في كلام حتى أدخل الاعتذار من ذلك في عرض كلامه.
فكان مما احتج به في شدة رؤية الأكيل عليه وفي نفوره منه أن قال: نظر خالد المهزول في الجاهلية يوماً إلى ناس يأكلون وإلى إبل تجتر.
فقال لأصحابه: أتروني بمثل هذه العين التي أرى بها الناس والإبل قالوا: نعم.
فحلف بإلهه ألا يأكل بقلاً وإن مات هزالاً.
وكان يغتذى اللبن ويصيب من الشراب.
فأضمره ذلك وأيبسه.
فلما دق جسمه واشتد هزاله سمي المهزول.
ثم قال خالد: هأنذا مبتلي بالمضغ ومحمول على تحريك اللحيين ومضطر إلى مناسبة البهائم ومحتمل ما في ذلك من السخف والعجز.
ما أبالي! احتمله فيمن ليس لي منه بد ولي عنه مذهب.
ليأكل كل امرئ في منزله وفي موضع أمنه وأنسه ودون ستره وبابه.
هذا ما بلغنا عن خالد بن عبد الله القسري واحتجاجه.
فأما خالد المهزول فهو أحد الخالدين.
وهما سيدا بني أسد.
وفيه وفي خالد بن نضلة يقول الأسود بن يعفر: وقبلك مات الخالدان كلاهما.
عميد بني جحوان وابن المضلل.
وقيل الحارثي بالأمس: والله إنك لتضع الطعام فتجيده وتعظم عليك النفقة وتكثر منه.
وإنك لتغالي بالخباز والطباخ والشواء والخباص ثم أنت مع هذا كله لا تشهده عدوا لتغمه ولا ولياً فتسره ولا جاهلاً لتعرفه ولا زائر لتعظمه ولا شاكراً لتثبته.
وأنت تعلم أنه حين يتنحى من بين يديك ويغيب عن عينيك فقد صار نهباً مقسماً ومتوزعاً مستهلكاً.
فلو أحضرته من ينفع شكره ويبقي على الأيام ذكره ومن يمتعك بالحديث الحسن والاستماع ومن يمتد به الأكل ويقصر به الدهر - لكان ذلك أولى بك وأشبه بالذي قدمته يدك.
وبعد فلم تبيح مصون الطعام لمن لا يحمدك ومن إن حمدك لم يحسن أن يحمدك ومن لا يفضل بين الشهي الغذى وبين الغليظ الزهم قال: يمنعني من ذلك ما قال أبو الفاتك.
قالوا: ومن أبو الفاتك قال: قاضي الفتيان.
وإني لم آكل مع أحد قط إلا رأيت منه بعض ماذمه وبعض ما شنعه وقبحه.
فشيء يقبح بالشطار فما ظنك به إذا كان في أصحابه المروءات وأهل البيوتات قالوا: فما قال أبو الفاتك قال: قال أبو فاتك: الفتى لا يكون نشافاً ولا نشالاً ولا مرسالاً ولا لكاماً ولا مصاصاً ولا نفاضاً ولا دلاكاً ولا مقوراً ولا مغربلاً ولا محلقما ولا مسوغاً ولا مبلعماً ولا مخضراً.
والله إني لأفضل الدهاقين حين عابوا الحسو وتقززوا من التعرق وبهرجوا صاحب التمشيش وحين أكلوا بالبارجين وقطعوا بالسكين ولزموا عند الطعام السكتة وتركوا الخوض واختاروا الزمزمة.
أنا والله أحتمل الضيف والضيفن ولا أحتمل اللعموظ ولا الجردبيل.
والواغل أهون على من الراشن.
ومن يشك أن الوحدة خير من جليس السوء وأن جليس السوء خير من أكيل السوء لأن كل أكيل جليس وليس كل جليس أكيلاً.
فإن كان لابد من المؤاكلة ولابد من المشاركة فمع من لا يستأثر علي بالمخ ولا ينتهز بيضة البقيلة ولا يلتهم كبد الدجاجة ولا يبادر إلى دماغ رأس السلاءة ولا يختطف كلية الجدي ولا يزدرد قانصة الكركي ولا ينتزع شاكلة الحمل ولا يقتطع سرة الشصر ولا بعرض لعيون الرءوس ولا يستولي على صدور الدجاج ولا يسابق إلى أسقاط الفراخ ولا يتناول إلا ما بين يديه ولا يلاحظ ما بين يدي غيره ولا يتشهى الغرائب ولا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة ولا يهتك أستار الناس: بأن يتشهى ما عسى ألا يكون موجوداً.
وكيف تصلح الدنيا وكيف يطيب العيش مع من إذا رأى جزورية التقط الأكباد والأسنمة وإذا عاين بقرية استولى على العرق والقطنة وإن أتوا بجنب شواء اكتسح كل شيء عليه لا يرحم ذا سن لضعفه ولا يرق على حدث لحدة شهوته ولا ينظر للعيال ولا يبالي كيف دارت بهم الحال - وإن كان لابد من ذلك فمع من لا يجعل نصيبه في مالي أكثر من نصيبي.
وأشد من كل ما وصفنا وأخبث من كل ما عددنا أن الطباخ ربما أتى باللون الطريف وربما قدم الشيء الغريب والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص صغير الحجم وليس كالطفيشلية ولا كالهريسة ولا كالفجلية ولا كالكرنبية.
وربما عجل عليه فقدمه حاراً ممتنعاً.
وربما كان من جوهر بطيء الفطور وأصحابي في سهولة ازدراد الحار عليهم في طباع النعام وأنا في شدة الحار على في طباع السباع.
فإن انتظرت إلى أن يمكن أتوا على آخره.
وإن بدرت مخافة الفوت وأردت أن أشاركهم في بعضه لم آمن ضرره.
والحار ربما قتل وربما أعقم وربما أبال الدم.
ثم قال: هذا علي الأسواري أكل مع عيسى بن سلمان بن علي.
فوضعت قدامكم سمكة عجيبة فائقة السمن.
فحاط بطنها لحظة فإذا هو يكتنز شحماً وقد كان غص بلقمة وهو لمستسق ففرغ من الشراب وقد غرف من بطنها كل إنسان منهم بلقمته غرفة.
وكان عيسى ينتخب الأكلة ويختار منهم كل منهوم فيه ومفتون به.
فلما خاف على الأسواري الإخفاق وأشفق من الفوت وكان أقربهم إليه عيسى استلب من يده اللقمة بأسرع من خطفة البازي وانحدار العقاب من غير أن يكون أكل عنده قبل مرته.
فقيل له: ويحك! استلبت لقمة الأمير من يده وقد رفعها غليه وشحا لها فاه من غير مؤانسة ولا ممازحة سالفة!.
قال: لم يكن الأمر كذلك.
وكذب من قال ذلك! ولكنا أهوينا أيدينا معاً فوقعت يدي في مقدم الشحمة ووقعت يده في مؤخر الشحمة معاً والشحم ملتبس بالأمعاء.
فلما رفعنا أيدينا معاً كنت أنا أسرع حركة وكانت الأمعاء متصلة غير متباينة.
فتحول كل شيء كلن في لقمته بتلك الجذبة إلى لقمتي لاتصال الجنس والجوهر بالجوهر.
وأنا كيف أؤاكل أقواماً يصنعون هذا الصنيع ثم يحتجون له بمثل هذه الحجج ثم قال: إنكم تشيرون علي بملابسة شرار الخلق وأنذال الناس وبكل عياب متعتب ووثاب على أعراض الناس متسرع.
وهؤلاء لم يرضوا إلا أن يدعوهم الناس ولا يدعوا الناس وأن يأكلوا ولا يطعموا وأن يتحدثوا عن غيرهم ولا يبالون أن يتحدث عنهم وهم شرار الناس.
ثم قال: أجلس معاوية وهو في مرتبة الحلافة وفي السطح من قريش وفي نبل الهمة وإصابة الرأي وجودة البيان وكمال الجسم وفي تمام النفس عند الجولة وعند تقصف الرماح وتقطع السيوف - رجلاً على مائدته مجهول الدار غير معروف النسب ولا مذكور بيوم صالح.
فأبصر في لقمته شعرة فقال: خذ الشعرة من لقمتك.
ولا وجه لهذا القول إلا محض النصيحة والشفقة.
فقال الرجل: وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعرة! لا جلست لك على مائدة ما حييت ولا حكيتها عنك ما بقيت! فلم يدر الناس أي أمري معاوية كان أحسن وأجمل: تغافله عنه أم شفقته عليه فكان هذا جزاءه منه وشكره له.
ثم قال: وكيف أطعم من إن رأيته يقصر في الأكل فقلت له: كل ولا تقصر في الأكل قال: يفطن لفضل ما بين التقصير وغيره! وإن قصر فلم أنشطه ولم أحثه قال: لولا أنه وافق هواه! ثم قال: ومد رجل من بني تميم يده إلى صاحب الشراب يستسقيه وهو على خوان المهلب فلم يره الساقي فلم يفطن له.
ففعل ذلك مراراً والمهلب يراه وقد أمسك عن الأكل إلى أن يسيغ لقمته بالشراب.
فلما طال ذلك على المهلب قال: اسقه يا غلام ما أحب من الشراب.
فلما سقاه استقله وطلب الزيادة منه.
وكان المهلب أوصاهم بالإقلال من الماء والإكثار من الخبز.
قال التميمي: إنك لسريع إلى السقي سريع إلى الزيادة! وحبس يده عن الطعام.
فقال المهلب: أله عن هذا إليها الرجل فإن هذا لا ينفعك ولا يضرنا! أردنا أمراً وأردت خلافه.
ثم قال: وفي الجارود بن أبي سبرة لكم واعظ وفي أبي الحارث جمين زاجر فقد كانا يدعيان إلى الطعام وإلى الإكرام لظرفهما وحلاوتهما وحسن حديثهما وقصر يومهما.
وكانا يتشهيان الغرائب ويقترحان الطرائف ويكلفان الناس المؤن الثقال ويمتحنان ما عندهم بالكلف الشداد.
فكان جزاؤهم من إحسانهم ما قد علمتم.
قال: ومن ذلك أن بلال بن أبي بردة كان رجلاً عياباً وكان إلى أعراض الأشراف متسرعاً.
فقال للجارود: كيف طعام عبد الله بن أبي عثمان قال: يعرف وينكر.
قال: فكيف هو عليه قال يلاحظ اللقم وينتهر السائل.
قال: فكيف طعام سلم بن قتيبة قال: طعام ثلاثة وإن كانوا أربعة جاعوا.
قال: فكيف طعام تسنيم بن الحواري قال: نقط العروس.
قال: فكيف طعام المنجاب بن أبي عيينة قال: يقول: لا خير في ثلاث أصابع في صفحة - حتى أتى على عامة أهل البصرة وعلى من كان يؤثره بالدعوة وبالأنسة والخاصة ويحكمه في ماله.
فلم ينج منه إلا من كان يبعده كما لم يبتل به إلا من كان يقربه! وهذا أبو شعيب القلال في تقريب موبس له وأنسه به وفي إحسانه إليه مع سخائه على المأكول وغض طرفه عن الأكيل وقلة مبالاته بالحفظ وقلة احتفاله بجمع الكثير - سئل عنه أبو شعيب فزعم أنه لم ير قط أشح منه على الطعام.
قيل: وكيف قال: يدلك على ذلك أنه يصنعه صنعة ويهيئه تهيئة من لا يريد أن يمس فضلاً على غير ذلك! وكيف يجترئ الضرس على إفساد ذلك الحسن ونقض ذلك النظم وعلى تفريق ذلك التأليف! وقد علم أن حسنه يحشم وأن جماله يهيب منه.
فلو كان سخياً لم يمنع منه بهذا السلاح ولم يجعل دونه الجنن.
فحول إحسانه إساءة وبذله منعاً واستدعاءه إليه نهياً.
قال: ثم قيل لأبي الحارث جمين: كيف وجه محمد بن يحيى على غدائه قال: أما عيناه فعينا مجنون! وقال فيه أيضاً: لو كان في كفه كر خردل ثم لعب الأبلى بالأكرة لما سقطت من بين أصابعه حبة واحدة! وقيل له أيضاً: فكيف سخاؤه على الخبز خاصة قال: والله لو ألقي إليه من الطعام بقدر ما إذا حبس نزف السحاب ما تجافي عن الرغيف! وكان أبو نواس يرتعي على خوان إسماعيل بن نيبخت كما ترتعي الإبل في الحمض بعد طول الخلة! ثم كان جزاؤه منه أنه قال: خبز إسماعيل كالوش ي إذا ما شق يرفي وقال: وكان أبو الشمقمق يعيب في طعام جعفر بن أبي زهير وكان له ضيفاً.
وهو مع ذلك يقول: رأيت الخبز عز لديك حتى حسبت الخبز في جو السحاب.
وما روحتنا لتذب عنا ولكن خفت مرزئة الذباب.
وقيل للجماز: رأيناك في دهليز فلان وبين يديك قصعة وأنت تأكل.
فمن أي شيء كانت القصعة وأي شيء كان فيها قال: قيء كلب في قحف خنزير! وقيل لرجل من العرب قد نزلت بجميع الفبائل فكيف رأيت خذاعة قال: جوع وأحاديث.
ونزل عمرو بن معد يكرب برجل من بني المغيرة وهم أكثر قريش طعاماً.
فأتاه بما حضر.
وقد كان فيما أتاه به فضل.
فقال لعمر بن الخطاب وهم أخواله: لئام بني المغيرة يا أمير المؤمنين! قال: وكيف قال نزلت بهم فما قروني غير قرنين وكعب ثور.
قال عمر: إن ذلك لشبعة.
وكم رأينا من الأعراب من نزل برب صرمة فأتاه بلبن وتمر وحيس وخبز وسمن سلاء.
فبات ليلته ثم أصبح يهجوه: كيف لم ينحر له - وهو لا يعرف - بعيراً من ذوده أو من صرمته! ولو نحر هذا البأس لكل كلب مر به بعيراً من مخافة لسانه لما دار الأسبوع إلا وهو يتعرض للسابلة يتكفف الناس ويسألهم العلق! وسأل زياد عن رجل من أصحابه فقيل: إنه لملازم وما يغب غداء الأمير.
فقال زياد: فليغبه فإن ذلك مما يضر بالعيال.
فألزموه الغب.
فعابوا زياداً بذلك.
وزعموا أنه استثقل حضوره في كل يوم وأراد أن يزجر به غيره فيسقط عن نفسه وعن ماله مؤنة عظيمة.
وإنما كان ذلك من زياد على جهة النظر للعيالات وكما ينظر الراعي للرعية وعلى مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
" وقد قال الحسن: تشبه زياد بعمر فأفرط وتشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس " - فجعلتم ذلك عنتاً منه.
وقال يوسف بن عمر لقوام موائده: أعظموا الثريدة فإنها لقمة الدرداء: فقد يحضر طعامكم الشيخ الذي قد ذهب فمه والصبي الذي لم ينبت فمه.
وأطعموه ما تعرقون فإنه أنجع وأشفى للقوم.
فقلتم: إنما أراد العجلة والراحة بسرعة الفراغ وأن يكيدهم بالثريد ويملأ صدورهم بالعراق.
وقد قال رسول الله ﷺ: سيد الطعام الثريد ومثل عائشة في النساء مثل الثريد في الطعام وليعظم صنعة الثريد في أعين قريش سموا عمرو بن عبد مناف حتى غلب عليه الاسم المشتق له من ذلك.
وقال عوف بن القعقاع لمولاه: اتخذ لنا طعاماً يشبع فضله أهل الموسم.
قلتم: فلما رأى الخبز الرقاق والغلاظ والشواء والألوان واستطراف الناس للون بعد اللون ودوام أكلهم لدوام الطرف وأن ذلك لو كان لوناً واحداً لكان اقل لأكلهم قال: فهلا فعلته طعام يد ولم تجعله طعام يدين! فقلتم: اتسع ثم ضاق حين أراد إطعامهم الثريد والحيس وكل ما يؤكل بيد دون يدين.
والقعقاع عربي كره لمولاه أن يرغب عن طعام العرب إلى طعام العجم.
وأراد دوام قومه على مثل ما كانوا عليه وعلى أن الثروة تفنخهم وتفسدهم وأن الذي فتح عليهم من باب الترفه أشد عليهم مما غلق عليهم من باب فضول اللذة.
وقد فعل عمر من جهة التأدب أكثر من ذلك حين دعى إلى عرس فرأى قدراً صفراء وأخرى حمراء وواحدة مرة وأخرى حلوة وواحدة محمضة.
فكازها كلها في قدر عظيمة وقال إن العرب إذا أكلت هذا قتل بعضها بعضاً.
تفسير كلام أبي فاتك: أما قوله: الفتى لا يكون نشالاً فالنشال عنده الذي يتناول من القدر ويأكل قبل النضج وقبل أن تنزل القدر ويتتام القوم.
والنشاف: الذي يأخذ حرف الجردقة فيفتحه ثم يغمسه في رأس القدر ويشربه الدسم يستأثر بذلك دون أصحابه.
والمرسال: رجلان: أحدهما إذا وضع في لقمة هريسة أو ثريدة أو حيسة أو أرزة أرسلها في جوف حلقه إرسالاً.
والرجل الآخر: هو الذي إذا مشى في أشب من فسيل أو شجر قبض على رأسه السعفة أو على راس الغصن لينحيها عن وجهه.
وإذا قضى وطره أرسلها من يده.
فهي لا محالة تصك وجه صاحبه الذي يتلوه لا يحفل بذلك ولا يعرف ما فيه.
وأما اللكام: فالذي في فيه اللقمة ثم يلكمها بأخرى قبل إجادة مضغها أو ابتلاعها.
والمصاص الذي بمص جوف قصبة العظم بعد أن استخرج مخه واستأثر به دون أصحابه.
وأما النفاض: فالذي إذا فرغ من غسل يده في الطست نفض يديه من الماء فنضح على أصحابه.
وأما الدلاك: فالذي لا يجيد تنقية يديه بالأشنان ويجيد دلكهما بالمنديل.
وله أيضاً تفسير آخر - وليس هو الذي نظنه - وهو مليح.
وسيقع في موضعه إن شاء الله.
والمقور: الذي يقور الجرادق.
والمغربل: الذي يأخذ وعاء الملح فيديره غدارة الغربال ليجمع أبازيره يستأثر به دون والمحلقم: الذي يتكلم واللقمة قد بلغت حلقومه.
نقول لهذا: قبيح! دع الكلام إلى وقت إمكانه.
والمسوغ: الذي يعظم اللقم فلا يزال قد غص ولا يزال يسيغه بالماء.
والمبلعم: الذي يأخذ حروف الرغيف أو يغمز ظهر التمرة بإبهامه ليحملا له من الزبد والسمن ومن اللبإ واللبن ومن البيض النيم برشت أكثر.
والمخضر: الذي يدلك يده بالأشنان من الغمر والودك حتى إذا اخضر وأسود من الدرن دلك به شفته.
هذا تفسير ما ذكر الحارثي من كلام أبي فاتك.
فأما ما ذكره هو فإن اللطاع: معروف وهو الذي يلطع إصبعه ثم يعيدها في مرق القوم أو لبنهم أو سويقهم وما أشبه ذلك.
والقطاع: الذي يعض على اللقمة فيقطع نصفها ثم يغمس النصف الآخر في الصباغ.
والنهاش: وهو معروف.
وهو الذي ينهش اللحم كما ينهش السبع.
والمداد: الذي ربما عض على العصب التي لم تنضج وهو يمدها بفيه ويده توترها له.
فربما قطعها بنترة فيكون لها انتضاح على ثوب المؤاكل.
وهو الذي إذا أكل مع أصحابه الرطب أو والدفاع: الذي إذا وقع في القصعة عظم فصار مما يليه نحاه بلقمته من الخبز حتى تصير مكانه قطعة من لحم وهو في ذلك كأنه يطلب بلقمته تشريب المرق دون إراغة اللحم.
والمحول: هو الذي إذا رأى كثرة النوى بين يديه احتال له حتى يخلطه بنوى صاحه.
وأما ما ذكره من الضيف والضيفن فإن الضيفن ضيف الضيف.
وأنشد أبو زيد: إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن فأودى بما يقرى الضيوف الضيافن وأما قوله: الواغل أهون علي من الراشن فإنه يزعم أن طفيلي الشراب أهون علي من طفيلي الطعام.
وقول الناس: فلا طفيلي ليس من أصول كلام العرب: ليس كالرأشن واللعموظ.
وأهل مكة يسمونه البرقي.
وكان بالكوفة رجل من بني عبد الله بن غطفان يسمى طفيلاً.
كان أبعد الناس نجعة في طلب الولائم والأعراس.
فقيل له لذلك: طفيل العرائس وصار ذلك نبزاً له ولقباً لا يعرف بغيره.
فصار كل من كانت تلك طعمته يقال له: طفيلي.
هذا من قول أبي اليقظان.
ثم قال الحارثي: وأعجب من كل عجب وأطرف من كل طريف أنكم تشيرون علي بإطعام الأكلة ودفعي إلى الناس مالي وأنتم أترك لهذا مني.
فإن زعمتم أني أكثر مالاً وأعد عدة فليس من حالي وحالكم في التقارب أن أطعم أبداً وأنتم تأكلون أبداً.
فإذا أتيتم في أموالكم من البدل والإطعام على قدر احتمالكم عرفت بذلك أن الخير أردتم وإلى تربيي ذهبتم.
وإلا فإنكم إنما تحلبون حلباً لكم شطره.
بل أنتم كما قال الشاعر: يحب الخور من مال الندامى ويكره أن يفارقه الفلوس ثم قال: والله إني لو لم أترك مؤاكلة الناس وإطعامهم إلا لسوء رعة على الأسواري لتركته.
وما ظنكم برجل نهش بضعة لحم تعرقاً فبلغ ضرسه وهو لا يعلم! فعل ذلك عند إبراهيم بن الخطاب مولى سليمان.
وكان إذا أكل ذهب عقله وجحظت عينه وسكر وسدر وانبهر وتربد وجهه وعصب ولم يسمع ولم يبصر! فلما رأيت ما يعتريه وما يعتري الطعام منه صرت لا آذن له إلا ونحن نأكل التمر والجوز والباقلى.
ولم يفجأني قط وأنا آكل تمراً إلا استفه سفاً وحساه حسواً وذرابه ذرواً ولا وجده كثيراً إلا تناول القصعة كجمجمة الثور ثم يأخذ بحضنيها ويقلها من الأرض! ثم لا يزال ينهشها طولاً وعرضاً ورفعاً وخفضاً حتى يأتي عليها جميعاً! ثم لا يقع غضبه إلا على الأنصاف والأتلاف! ولم يفصل تمرة قط من تمرة.
وكان صاحب جمل ولم يكن يرضى بالتفاريق ولا رمى بنواة قط ولا نزع قمعاً ولا نفى عنه قشراً ولا نتشه مخافة السوس والدود! ثم ما رأيته قط إلا وكأنه طالب ثأر وشحشحان صاحب طائلة! وكأنه عاشق مغتلم أو جائع مقرور! والله يا إخوتي لو رأيت رجلاً يفسد طين الردغة ويضيع ماء البحر لصرفت عنه وجهي! فإذا كان أصحاب النظر وأهل الديانة والفلسفة هذه سيرتهم وهكذا أدبهم فما ظنكم بمن لا يعد ما يعدون ولا يبلغ من الأدب حيث يبلغون! قصة الكندي: حدثني عمرو بن نهيوي قال: كان الكندي لا يزال يقول للساكن وربما قال للجار: إن في الدار امرأة حمل.
والوحمى ربما أسقطت من ريح القدر الطيبة! فإذا طبختم فردوا شهوتها ولو بغرفة أو لعقة فإن النفس يردها اليسير! فإن لم تفعل ذلك بعد إعلامي إياك فكفارتك - إن قال: فكان ربما يوافى إلى منزله من قصاع السكان والجيران ما يكفيه الأيام وإن كان أكثرهم يفطن ويتغافل.
وكان الكندي يقول لعياله: أنتم أحسن حالاً من أرباب هذه الضياع: إنما لكل بيت منهم لون واحد.
وعندكم ألوان! قال: وكنت أتغدى عنده يوماً إذ دخل عليه جار له.
وكان الجار لي صديقاً.
فلم يعرض عليه الغداء.
فاستحييت أنا منه.
فقلت: لو أصبت معنا مما نأكل! قال: قد والله فعلت.
قال الكندي: ما بعد الله شيء! قال: فكتفه والله - يا أبا عثمان - كتفاً لا يستطيع معه قبضاً ولا بسطاً وتركه! ولو أكل لشهد عليه بالكفر ولكان عنده قد جعل مع الله شيئاً! قال عمرو: بينا أنا ذات يوم عنده إذ سمع صوت انقلاب جرة من الدار الأخرى.
فصاح: أي قصاف! فقالت مجيبة له: بئر وحياتك! فكانت الجارية في الذكاء أكثر منه في الاستقصاء.
قال معبد: نزلنا دار الكندي أكثر من سنة نروج له الكراء ونقضي له الحوائج ونفى له بالشرط.
قلت: قد فهمت ترويج الكراء وقضاء الحوائج فما معنى الوفاء بالشرط قال: في شرطه على السكان أن يكون له روث الدابة وبعر الشاة ونشوار العلوفة وألا يخرجوا عظماً ولا يخرجوا كساحة وأن يكون له نوى التمر وقشور الرمان والغرفة من كل قدر تطبخ للحبلى وكان في ذلك يتنزل عليهم.
فكانوا لطيبه وإفراط بخله وحسن حديثه يحتملون ذلك.
قال معبد: فبينا أنا كذلك إذ قدم ابن عم لي ومعه ابن له إذا رقعة منه قد جاءتني: " إن كان مقام هذين القادمين ليلة أو ليلتين احتملنا ذلك وإن كان إطماع السكان في الليلة الواحدة يجر علينا الطمع في الليالي الكثيرة ".
فكتبت إليه: " ليس مقامهما عندنا إلا شهراً أو نحوه ".
فكتب إلى: " إن دارك بثلاثين درهماً.
وأنتم ستة لكل رأس خمسة.
فإذ قد زدت رجلين فلابد من زيادة خمستين.
فالدار عليك من يومك هذا بأربعين! ".
فكتبت إليه: " وما يضرك من مقامهما وثقل أبدانهما على الأرض التي تحمل الجبال وثقل مؤنتهما على دونك فاكتب إلي بعذرك لأعرفه ".
ولم أدر أني أهجم على ما هجمت وأني أقع منه فيما وقعت! فكتب إلي: " الخصال التي تدعوا إلى ذلك كثيرة.
وهي قائمة معروفة: من ذلك سرعة امتلاء البالوعة وما تنقيتها من شدة المؤنة.
ومن ذلك أن الأقدام إذا كثرت كثر المشي على ظهور السطوح الطينة وعلى أرض البيوت المجصصة والصعود على الدرج الكثيرة: فينقشر لذلك الطين وينقلع الجص وينكسر العتب مع انثناء الأجذاع لكثرة الوطء وتكسرها لفرط " وإذا كثر الدخول والخروج والفتح والإغلاق والإقفال وجذب الأقفال تهشمت الأبواب وتقلعت الرزات ".
" وإذا كثر الصبيان وتضاعف البوش نزعت مسامير الأبواب وقلعت كل ضبة ونزعت كل رزة وكسرت كل جوزة وحفر فيها آبار الددن وهشموا بلاطها بالمداحي.
هذا مع تخريب الحيطان بالأوتاد وخشب الرفوف ".
" وإذا كثر العيال والزوار والضيفان والندماء احتيج من صب الماء واتخاذ الحببة القاطرة والجرار الراشحة إلى أضعاف ما كانوا عليه.
فكم من حائط قد تأكل أسفله وتناثر أعلاه واسترخى أساسه وتداعى بنيانه من قطر حب ورشح جر ومن فضل ماء البئر ومن سوء التدبير ".
" وعلى قدر كثرتهم يحتاجون من الخبيز والطبيخ ومن الوقود والتسخين.
والنار لا تبقي ولا تذر.
وإنما الدور حطب لها.
وكل شيء فيها من متاع فهو أكل لها.
فكم من حريق قد أتى على أصل الغلة فكلفتم أهلها أغلظ النفقة.
وربما كان ذلك عند غاية العسرة وشدة الحال.
وربما تعدت تلك الجناية إلى دور الجيران وإلى مجاورة الأبدان والأموال ".
" فلو ترك الناس حينئذ رب الدار وقدر بليته ومقدار مصيبته لكان عسى ذلك أن يكون " نعم ثم يتخذون المطابخ في العلالي على ظهور السطوح وإن كان في أرض الدار فضل وفي صحنها متسع مع ما في ذلك من الخطار بالأنفس والتغرير بالأموال وتعرض الحرم ليلة الحريق لأهل الفساد وهجومهم مع ذلك على سر مكتوم وخبئ مستور من ضيف مستخف ورب دار متوار ومن شراب مكروه ومن كتاب متهم ومن مال جم أريد دفنه فأعجل الحريق أهله عن ذلك فيه ومن حالات كثيرة وأمور لا يحب الناس أن يعرفوا بها ".
" ثم لا ينصبون التنانير ولا يمكنون للقدور إلا على متن السطح حيث ليس بينها وبين القصب والخشب إلا الطين الرقيق والشيء لا يقي.
هذا مع خفة المؤنة في أحكامها وأمن القلوب من المتالف بسببها ".
" فإن كنتم تقدمون على ذلك منا ومنكم وأنتم ذاكرون فهذا عجب! وإن كنتم لم تحفلوا بما عليكم في أموالنا ونسيتم ما عليكم في أموالكم فهذا أعجب! ".
" ثم إن كثيراً منكم يدافع بالكراء ويماطل بالأداء.
حتى إذا جمعت أشهر عليه فر وخلى أربابها جياعاً يتندمون على ما كان من حسن تقاضيهم وإحسانهم.
فكان جزاؤهم وشكرهم اقتطاع حقوقهم والذهاب بأقواتهم ".
" ويسكنها الساكن حين يسكنها وقد كسحناها ونظفناها لتحسن في عين المستأجر وليرغب " ثم لا يدع مترساً إلا سرقه ولا سلماً إلا حمله ولا نقصاً إلا أخذه ولا برادة إلا مضى بها معه.
ولا يدع دق الثوب والدق في الهاون والميجان في أرض الدار ".
" ويدق على الأجذاع والحواضن والرواشن ".
" وإن كانت الدار مقرمدة أبو بالأجر مفروشة وقد كان صاحبها جعل في ناحية منها صخرة ليكون الدق عليها ولتكون واقية دونها دعاهم التهاون والقسوة والغش والفسولة إلى أن يدقوا حيث جلسوا وإلى ألا يحفلوا بما أفسدوا! لم يعط قط لذلك أرشاً ولا استحل صاحب الدار ولا استغفر الله منه في السر! " " ثم يستكثر من نفسه في السنة إخراج عشرة دراهم ولا يستكثر من رب الدار ألف دينار في الشراء.
يذكر ما يصير إلينا مع قلته ولا يذكر ما يصير إليه مع كثرته! " " هذا والأيام التي تنقض المبرم وتبلى الجدة وتفرق الجميع المجتمع عاملة في الدور كما تعمل في الصخور وتأخذ من المنازل كما تأخذ من كل رطب ويابس وكما تجعل الرطب يابساً هشيماً والهشيم مضمحلاً ".
" ولا نهدام المنازل غاية قريبة ومدة قصيرة.
والساكن فيها هو كان المتمتع بها والمنتفع بمرافقها.
وهو الذي أبلى جدتها وتحلاها.
وبه هرمت وذهب عمرها لسوء تدبيره ".
" فإذا قسمنا الغرم عند انهدامها بإعادتها وبعد ابتنائها وغرم ما بين ذلك من مرمتها وإصلاحها ثم قابلنا بذلك ما أخذنا من غلاتها وارتفقنا به من إكرائها خرج على المسكن من الخسران بقدر ما حصل للساكن من الربح.
إلا أن الدراهم التي أخرجناها من النفقة كانت جملة والتي أخذناها على جهة الغلة جاءت مقطعة ".
" وهذا مع سوء القضاء والإحواج إلى طول الاقتضاء ومع بغض الساكن للمسكن وحب المسكن للساكن لأن المسكن يحب صحة بدن الساكن ونفاق سوقه إن كان تاجراً وتحرك صناعته إن كان صانعاً ومحبة الساكن أن يشغل الله عنه المسكن كيف شاء: إن شاء شغله بعينه وإن شاء بزمانه وإن شاء بحبس وإن شاء بموت! " " ومدار مناه أن يشغل عنه.
ثم لا يبالي كيف كان ذلك الشغل! إلا أنه كلما كان أشد كان أحب إليه وكان أجدر أن يأمن وأخلق لأن يسكن.
وعلى أنه إن فترت سوقه أو كسدت صناعته ألح في طلب التخفيف من أصل الغلة والحطيطة مما حصل عليه من الأجرة.
وعلى أنه إن أتاه الله بالأرباح في تجارته والنفاق في صناعته لم ير أن يزيد قيراطاً في ضريبته ولا أن يعجل فلساً قبل وقته ".
" ثم إن كانت الغلة صحاحاً دفع أكثرها مقطعة.
وإن كانت أنصافاً وأرباعاً دفعها قراضة مفتتة.
ثم لا يدع مزأبقاً ولا مكحلاً ولا زائفاً ولا ديناراً بهرجاً إلا دسه فيه ودلسه عليه واحتال بكل حيلة وتأتي له بكل سبب.
فإن ردوا عليه بعد ذلك شيئاً حلف بالغموس إنه ليس من دراهمه ولا من ماله ولا رآه قط ولا كان في ملكه ".
" فإن كان الرسول جارية رب الدار أفسدها.
وإن كان غلاماً خدعه.
هذا مع الإشراف على الجيران والتعرض للجارات ومع اصطياد طيورهم وتعريضنا لشكايتهم! " " وربما استضعف عقولهم وطمع في فسادهم وغبنهم.
فلا يزال يضرب لهم بالأسلاف ويغريهم بالشهوات ويفتح لهم أبواباً من النفقات ليغبنهم ويربح عليهم.
حتى إذا استوثق منهم أعجلهم وحزق بهم حتى يتقوه ببيع بعض الدار أو باسترهان الجميع ليربح مع الذهاب بالأصل السلامة - مع طول مقامه - من الكراء.
وربما جعله بيعاً في الظاهر ورهناً في الباطن.
فحينئذ يفظ بهم دون المهلة ويدعيها قبل الوقت! " " وربما بلغ من استضعافه واستثقاله لأداء الكراء أن يدعي أن له شقيصاً وأن له يداً ليصير خصماً من الخصوم ومنازعاً غير غاصب ".
" وربما اكترى المنزل وفيه مرمة فاشترى بعض ما يصلحها.
ثم يتوخى عاملاً جيد الكسوة وجيراناً آنية وآلة.
فإذا شغل العامل وغفل اشتمل على كل ما قدر عليه وتركهم يتسكعون! " " وربما استأجر إلى جنبسجن لينقب أهله إليه وإلى جنب صراف لينقب عليه طلباً لطول المهلة والستر ولطول المدة والأمن ".
وربما جنى الساكن ما يدعو إلى هدم دار المسكن: بأن يقتل قتيلاً أو يجرح شريفاً.
فيأتي السلطان الدار وأربابها إما غيب وإما أيتام وإما ضعفاء فلا يصنع شيئاً دون أن يسويها بالأرض! " " وبعد فالدور ملقاة وأربابها منكوبون وملقون.
وهم أشد الناس اغتراراً بالناس وأبعدهم غاية من سلامة الصدور.
وذلك أن من دفع داره ونقضها وساجها وأبوابها مع حديدها وذهب سقوفها إلى مجهول لا يعرف فقد وضعها في مواضع الغرر وعلى أعظم الخطر.
وقد صار في معنى المودع وصار المكتري في موضع المودع.
ثم ليست الخيانة وسوء الولاية إلى شيء من الودائع أسرع منها إلى الدور ".
" وأيضاً إن أصلح السكان حالاً من إذا وجد في الدار مرمة ففوضوا إليه النفقة وأن يكون ذلك محسوباً له عند الأهلة يشفف في البناء ويزيد في الحساب ".
" فما ظنك بقزم هؤلاء أصلحهم وهم خيارهم! " " وأنتم أيضاً إنما اكتريتم مستغلات غيرنا بأكثر مما اكتريتموها مناً.
فسيروا فينا كسيرتكم فيهم " وربما بنيتم في الأرض.
فإذا صار البناء بنيانكم وإن كانت الأرض لغيركم ادعيتم الشركة وجعلتموه كالإجارة وحتى تصيروه كتلاد مال أو موروث سلف ".
" وجرم آخر: وهو أنكم أهلكتم أصول أموالنا وأخربتم غلاتنا وحططتم بسوء معاملتكم أثمان دورنا ومستغلاتنا حتى سقطت غلات الدور من أعين المياسير وأهل الثروة ومن أعين العوام والحشوة وحتى يدافعوكم بكل حيلة وصرفوا أموالهم في كل وجه وحتى قال عبيد الله بن الحسن قولاً أرسله مثلاً وعاد علينا حجة وضرراً.
وذلك أنه قال: غلة الدار مسكة وغلة النخل كفاف.
وإنما الغلة غلة الزرع والنسولتين ".
" وإنما جر ذلك علينا حسن اقتضائنا وصبرنا على سوء قضائكم وأنتم تقطعونها علينا وهي عليكم مجملة وتلووننا بها وهي عليكم حالة.
فصارت لذلك غلات الدور - وإن كانت أكثر ثمناً ودخلاً - أقل ثمناً وأخبث أصلاً من سائر الغلات ".
" وأنتم شر علينا من الهند والروم ومن الترك والديلم إذ كنتم أحضر أذى وأدوم شراً ".
" ثم كانت هذه صفتكم وحليتكم ومعاملتكم في شيء لابد لكم منه فكيف كنتم لو امتحنكم بما لكم عنه مندوحة والوجوه لكم فيه معرضة وأنتم فيها بالخيار وليس عليكم طريق الاضطرار " " وهذا مع قولكم: إن نزول دور الكراء أصوب من نزول دور الشراء.
وقلتم: لأن صاحب الشراء قد أغلق رهنه وأشرط نفسه وصار بها ممتحناً وبثمنها مرتهناً ".
" ومن اتخذ داراً فقد أقام كفيلاً لا يخفر وزعيماً لا يغرم.
وإن غاب عنها حن إليها.
وإن أقام فيها ألزمته المؤن وعرضته للفتن إن أساءوا جواره وأنكر مكانه وبعد مصلاه ومات عنه سوقه وتفاوتت حوائجه ورأى أنه قد أخطأ في اختيارها على سواها وأنه لم يوفق لرشده حين آثرها على غيرها.
وإن من كان كذلك فهو عبد داره وخول جاره ".
" وإن صاحب الكراء الخيار في يده والأمر إليه: فكل دار هي له متنزه إن شاء ومتجر إن شاء ومسكن إن شاء.
لم يحتمل فيها اليسير من الذل ولا القليل من الضيم ولا يعرف الهوان ولا يسام الخسف ولا يحترس من الحساد ولا يداري المتعللين ".
" وصاحب الشراء يجرع المرار ويسقى بكأس الغيظ ويكد لطلب الحوائج ويحتمل الذلة وإن كان ذا أنفة.
إن عفا عفا على كظم.
ولا يوجه ذلك منه إلا إلى العجز.
وإن رام المكافأة تعرض لأكثر مما أنكره.
قال رسول الله ﷺ: (الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق ).
" وزعمتم أن تسقط الكراء أهون إذ كان شيئاً بعد شيء وأن الشدائد إذا وقعت جملة " ومال الشراء يخرج جملة وثلمته في المال واسعة وطعنته نافذة.
ليس كل خرق يرقع ولا كل خارج يرجع ".
" وأنه قد أمن من الحرق والغرق وميل أسطون وانقصاف سهم واسترخاء أساس وسقوط سترة وسوء جوار وحسد مشاكل ".
" وإنه إما لا يزال في بلاء وإما أن يكون متوقعاً لبلاء ".
" وقلتم: إن كان تاجراً فتصريف ثمن الدار في وجوه التجارات أربح وتحويله في أصناف البياعات أكيس.
وإن لم يكن تاجراً ففيما وصفناه له ناه وفيما عددنا له زاجر ".
" فلم يمنعكم حرمة المساكنة وحق المجاورة والحاجة إلى السكنى وموافقة المنزل أن أشرتم على الناس بترك الشراء! وفي كساد الدور فساد لأثمان الدور وجراءة للمستأجر واستحطاط من الغلة وخسران في أصل المال ".
" وزعمتم أنكم قد أحسنتم إلينا حين حثثتم الناس على الكراء لما في ذلك من الرخاء والنماء! فأنتم لم تريدوا نفعنا بترغيبهم في الكراء بل إنما أردتم أن تضرونا بتزهيدكم في الشراء! " " وليس ينبغي أن يحكم على كل قوم إلا بسبيلهم وبالذي يغلب عليهم من أعمالهم.
فهذه الخصال المذمومة كلها فيكم وكلها حجة عليكم وكلها داعية تهمتكم وأخذ الحذر منكم.
وليست لكم خصلة محمودة ولا خلة فيما بيننا وبينكم مرضية! " " وقد أريناكم أن كم النازلين كحكم المقيمين وأن كل زيادة فلها نصيب من الغلة ".
" ولو تغافلت لك - يا أخا أهل البصرة - عن زيادة رجلين لم أبعدك - على قدر ما رأيت منك - أن تلزمني ذلك - فيما يتبين - حتى يصير كراء الواحد ككراء الألف وتصير الإقامة كالظعن والتفريغ كالشغل! " " وعلى أني لو كنت أمسكت عن تقاضيك وتغافلت عن تعريفك ما عليك لذهب الإحسان إليك باطلاً إذ كنت لا ترى للزيادة قدراً ".
" وقد قال الأول: والكفر مخبثة لنفس المنعم.
وقال الآخر: تبدلت بالمعروف نكراً وربما تنكر للمعروف من كان يكفر ".
" أنت تطالبني ببغض المعتزلة للشيعة وبما بين أهل الكوفة والبصرة وبالعداوة التي بين أسد وكندة وبما في قلب الساكن من استثقال المسكن! وسيعين الله عليك.
والسلام ".
قال إسماعيل بن غزوان: لله در الكندي! ما كان أحكمه وأحضر حجته وأنصح جيبه وأدوم طريقته! رأيته وقد أقبل على جماعة ما فيها إلا مفسد أو من يزين الفساد لأهله: من شاعر بوده أن الناس كلهم قد جازوا حد المسرفين إلى حدود المجانين! ومن صاحب تنقيع واستئكال ومن ملاق متقرب.
فقال: تسمون من منع المال من وجوده الخطأ وحصنه خوفاً من الغيلة وحفظه إشفاقاً من الذلة بخيلاً! تريدون بذلك ذمه وشينه! وتسمون من جهل فضل الغني ولم يعرف ذلة الفقر وأعطى في السرف وتهاون بالخطأ وابتذل النعمة وأهان نفسه بإكرام غيره جواداً! تريدون بذلك حمده ومدحه! فاتهموا على أنفسكم من قدمكم على نفسه فإن من أخطأ على نفسه فهو أجدر أن يخطئ على غيره ومن أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يوجد في العين كان أجدر أن يخطئ في باطن دينه وفيما يوجد بالعقل.
فمدحتم من جمع صنوف الخطإ وذممتم من جمع صنوف الصواب! فاحذروهم كل الحذر ولا تأمنوهم على حال! قال إسماعيل: وسمعت الكندي يقول: إنما المال لمن حفظه وإنما الغني لمن تمسك به.
ولحفظ المال بنيت الحيطان وغلقت الأبواب واتخذت الصناديق وعملت الأقفال ونقشت الرسوم فلم تتخذون هذه الوقايات دون المال وأنتم آفته وأنتم سوسه وقادحه وقد قال الأول: احرس أخاك إلا من نفسه.
ولكن احسب أنك قد أخذته في الجواسق وأودعته الصخور ولم يشعر به صديق ولا رسول ولا معين من لك بألا تكون أشد عليه من السارق وأعدى عليه من الغاصب واجعلك قد حصنته من كل يد لا تملكه كيف لك من أن تحصنه من اليد التي تملكه وهي عليه أقدر ودواعيها أكثر وقد علمنا أن حفظ المال أشد من جمعه.
وهل أتى الناس إلا من أنفسهم ثم ثقاتهم والمال لمن حفظه والحسرة لمن أتلفه.
وإنفاقه هو إتلافه وإن حسنتموه بهذا الاسم وزينتموه بهذا اللقب! وزعمتم أنما سمينا البخل صلاحاً والشح اقتصاداً كما سمى قوم الهزيمة انحيازاً والبذاء عارضة والعزل عن الولاية صرفاً والجائر على أهل الخراج مستقصياً! بل أنتم الذين سميتم السرف جوداً والنفج أريحية وسوء نظر المرء لنفسه ولعقبه كرماً! قال رسول الله ﷺ: ) ابدأ بمن تعول (
وأنت تريد أن تغني عيال غيرك بإفقار عيالك وتسعد الغريب بشقوة القريب وتنفصل على من لا يعدل عنك ومن لو أعطيته أبداً قد علمتم ما قال صاحبنا لأخي تغلب فإنه قال: " يا أخا تغلب إني والله كنت أجري ما جرى هذا الغيل وأجري وقد انقطع النيل.
إني والله لو أعطيتك لما وصلت إليك حتى أتجاوز من هو أحق بذلك منك.
إني لو أمكنت الناس من مالي لنزعوا داري طوبة طوبة! إنه والله ما بقي معي منه إلا ما منعته الناس ".
ولكني أقول: والله إن لو أمكنت الناس من نفسي لادعوا رقي بعد سلب نعمتي.
قال إسماعيل: وسمعته يقول: عجبت لمن قلت دراهمه كيف ينام! ولكن لا يستوي من لم ينم سروراً ومن لم ينم غماً.
ثم قال: قال رسول الله ﷺ في وصية المرء يوم فقره وحاجته وقبل أن يغرغر: ) الثلث والثلث كثير (.
- فاستحسنت الفقهاء وتمنى الصالحون أن ننقص من الثلث شيئاً لاستكثار رسول الله ﷺ الثلث ولقوله: ) إنك إن تدع عيالك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس(.
ورسول الله ﷺ لم يرحم عيالنا إلا بفضل رحمته لنا.
فكيف تأمروني أن أوثر أنفسكم على نفسي وأقدم عيالكم على عيالي وأن أعتقد الثناء بدلاً من الغنى وأن أكنز الريح وأصطنع السراب بدلاً من الذهب والفضة! قال إسماعيل: وسمعته يقول لعياله وأصحابه: اصبروا عن الرطب عند ابتدائه وأوائله وعن باكورات الفاكهة فإن للنفس عند كل طارف نزوة وعند كل هاجم نزوة.
وللقادم حلاوة وفرحة وللجديد بشاشة وغرة فإنك متى رددتها ارتدت ومتى ردعتها ارتدعت.
والنفس عزوف ونفور ألوف.
وما حملتها احتملت وإن أهملتها فسدت.
فإن تكف جميع دواعيها وتحسم جميع خواطرها في أول ردة صارت أقل عدداً وأضعف قوة.
فإذا أثر ذلك فيها فعظها في تلك الباكورة بالغلاء والقلة فإن ذكر الغلاء والقلة حجة صحيحة وعلة عاملة في الطبيعة.
فإذا أجابتك في الباكورة فسمها مثل ذلك في أوائل كثرتها واضرب نقصان الشهوة ونقصان قوة الغلبة بمقدار ما حدث لها من الرخص والكثرة.
فلست تلقى على هذا الحساب من معالجة الشهوة عندك إلا مثل ما لقيت منها في نومك حتى تنقضي أيام الفاكهة وأنت على مثل ابتداء حالك وعلى أول مجاهدتك لشهوتك! ومتى لم تعد أيضاً الشهوة فتنة والهوى عدواً اغتررت بهما وضعفت عنهما وأتمنتهما على نفسك.
وهما أحضر عدو وشر دخيل.
فاضمنوا لي النزوة الأولى أضمن لكم تمام الصبر وعاقبة اليسر وثبات العز في قلوبكم والغنى في أعقابكم ودوام تعظيم الناس لكم فإنه لو لم يكن من منفعة الغني إلا أنك لا تزال معظماً عند من لم ينل منك قط درهماً لكان الفضل في ذلك بيتاً والربح ظاهراً.
ولو لم يكن من بركة الثروة ومن منفعة اليسر إلا أن رب المال الكثير لو اتصل بملك كبير في جلسائه من هو أوجب حرمة وأقدم صحبة وأصدق محبة وأمتع إمتاعاً وأكثر فائدة وصواباً إلا أنه خفيف الحال قليل ذات اليد ثم أراد ذلك الملك أن يقسم مالاً أو يوزع بينهم طرفاً لجعل حظ الموسر أكثر وإن كان في كل شيء دون أصحابه وحظ المخفف أقل وإن كان في كل شيء فوق أصحابه.
قد ذكرنا رسالة سهل بن هارون ومذهب الحزامى وقصص الكندي وأحاديث الحارثي واحتجاجهم وطرائف نحلهم وبدائع حيلهم.
قصة محمد بن أبي المؤمل: قلت لمحمد بن أبي المؤمل: أراك تطعم الطعام وتتخذه وتنفق المال وتجود به.
وليس بين قلة الخبز وكثرته كثير ربح.
والناس يبخلون من قل عدد خبزه ورأوا أرض خوانه.
وعلى أني أرى وأنت لو لم تتكلف ولم تحمل على مالك بإجادته والتكثير منه ثم أكلت وحدك لم يلمك الناس ولم يكثروا لذلك منك ولم يقضوا عليك بالبخل ولا بالسخاء وعشت سليماً موفوراً وكنت كواحد من عرض الناس.
وأنت لم تنفق الحرائب وتبذل المصون إلا وأنت راغب في الذكر والشكر وإلا لتخزن الأجر.
فقد صرنا لقلة عدد خبزك من بين الأشياء نرضى لك من الغنيمة بالإياب ومن غنم الحمد والشكر بالسلامة من الذم واللوم! فزد في عدد خبزك شيئاً فإن بتلك الزيادة القليلة ينقلب ذلك اللوم شكراً وذلك الذم حمداً.
أعلمت أنك لست تخرج من هذا الأمر بعد الكلفة العظيمة سالماً لا لك ولا عليك فانظر في هذا الأمر رحمك الله! قال: يا أبا عثمان أنت تخطئ وخطأ العاقل أبداً يكون عظيماً وإن كان في العذر قليلاً لأنه إذا أخطأ أخطأ بتفقه وإحكام.
فعلى قدر التفكر والتكلف يبعد من الرشاد ويذهب عن سبيل الصواب.
وما أشك أنك قد نصحت بمبلغ الرأي منك.
ولكن خف ما خوفتك وإنه مخوف! بل الذي أصنع أدل على سخاء النفس بالمأكول وأدل على الاحتيال ليبالغوا لأن الخبر إذا كثر على الموائد ورث ذلك النفس صدوداً ولأن كل شيء من المأكول وغير المأكول إذا ملأ العين ملا الصدر.
وفي ذلك موت الشهوة وتسكين الحركة! ولو أن رجلاً جلس على بيدر تمر فائق وعلى كدس كمثرى منعوت وعلى مائة قنو موز موصوف لم يكن أكله إلا قدر استطرافه ولم يكن أكله إلا على قدر أكله إذا أتي بذلك في طبق نظيف مع خادم نظيف عليه منديل نظيف.
وبعد فأصحابنا آنسون واثقون مسترسلون يعلمون أن الطعام لهم اتخذ وأن أكلهم له أوفق من تمزيق الخدم والأتباع له.
ولو احتاجوا لدعوا به ولم يحتشموا منه ولكان الأقل منهم أن يجربوا ذلك المرة والمرتين وألا يقضوا علينا بالبخل دون أن يروه.
فإن كانوا محتشمين وقد بسطناهم وساء ظنهم بنا مع ما يرون من الكلفة لهم فهؤلاء أصحاب تجن وتسرع.
وليس في طاقتي إعتاب المتجني ولا رد المتسرع.
قلت له: إني قد رأيت أكلهم في منازلهم وعند إخوانهم وفي حالات كثيرة ومواضع مختلفة.
ورأيت أكلهم عندك فرأيت شيئاً متفاوتاً وأمراً متفاقماً.
فاحسب أن البخل عليهم غالب وان الضعف لهم شامل وأن سوء الظن يسرع إليهم خاصة.
ثم لا تداوي هذا الأمر بما لا مؤنة فيه وبالشيء الذي لا قدر له أو تدع دعاءهم والإرسال إليهم والحرص على إجابتهم.
والقوم ليس يلقون أنفسهم عليك.
وإنما يجيئونك بالاستحباب منك.
فإن أحببت أن تمتحن ما قال: فإن الخبز إذا كثر على الخوان فالفاضل مما يأكلون لا يسلم من التلطخ والتغمير.
والجردقة الغمرة والرقاقة المتلطخة لا أقدر أن أنظر إليها.
وأستحيي أيضاً من إعادتها.
فيذهب ذلك الفضل باطلاً.
والله لا يحب الباطل! قلت: فإن ناساً يأمرون بمسحه ويجعلون الثريدة منه.
فلو أخذت بزيهم وسلكت سبيلهم أتى ذلك لك على ما تريد ونريد.
قال: أفلست أعلم كيف الثريد ومن أي شيء هي - وكيف أمنع نفسي التوهم وأحول بينها وبين التذكير ولعل القوم الحواري المتلطخ مقام الخشكار النظيف.
وعلى أن المسح والدلك يأتي على ما تعلق به الدسم.
قال: عيالي - يرحمك الله! - عيالان: واحد أعظمه عن هذا وأرفعه عنه وىخر لم يبلغ عندي أن يترف بالحواري! قلت: فاجعل إذاً جميع خبزك الخشكار فإن فضل ما بينه وبين الحواري في الحسن والطيب لا يقوم بفضل ما بين الحمد والذم.
قال: فهاهنا رأي هو أعدل الأمور وأقصدها: وهو أنا نحضر هذه الزيادة من الخبز على طبق ويكون قريباً حيث تناله اليد فلا يحتاج أحد مع قربه منه إلى أن يدعو به ويكون قربه من يده قلت: فالمانع من طلبه هو المانع من تحويله.
فأطعني وأخرج هذه الزيادة من مالك كيف شئت.
واعلم أن هذه المقايسة وطول هذه المذاكرة أضر علينا مما نهيتك عنه وأردتك على خلافه.
فلما حضر وقت الغداء صوت بغلامه - وكان ضخماً جهير الصوت صاحب تقعير وتفخيم وتشديق وهمز وجزم: يا مبشر! هات من الخبز تمام عدد الرءوس! قلت: ومن فرض لهم هذه الفريضة ومن جزم عليهم هذا الجزم أرأيت إن لم يشبع أحدهم رغيفه أليس لا بد له من أن يعول على رغيف صاحبه أو يتنحى وعليه بقية أو يعلق يده منتظراً للعادة فقد عاد الأمر وبطل ما تناظرنا فيه.
قال: لا أعلم إلا ترك الطعام البتة أهون علينا من هذه الخصومة! قلت: هذا ما لا شك فيه.
وقد علمت عندي بالصواب وأخذت لنفسك بالثقة إن وفيت بهذا القول.
وكان أكثر ما يقول: يا غلام هات شيئاً من قليلة وأقل منها وأعد لنا ماء بارداً وأكثر منه! وكان يقول: قد تغير كل شيء من أمر الدنيا وحال عن أمره وتبدل حتى المؤاكلة.
قاتل الله رجالاً كنا نؤاكلهم: ما رأيت قصعة قط رفعت من بين أيديهم إلا وفيها فضل! وكانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنما هو شيء من آيين الموائد الرفعية وإنما جعل كالعاقبة والخاتمة وكالعلامة للبسر والفراغ وأنه لم يحضر للتمزيق والتخريب وأن أهله لو أرادوا به السوء لقدموه قبل كل شيء لتقع الحدة به.
بل ما أكل منه إذا جيء به إلا العابث وإلا الذي لو لم يره لقد كان يرفع يده ولم ينتظر غيره! ولذلك قال أبو الحارث جمين حين رآه لا يمس: هذا المدفوع عنه! ولولا أنه على ذلك شاهد الناس لما قال ما قال.
ولقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة ويدعها كل واحد منهم لصاحبه حتى إن القصعة لقد كنت وإن البيض خاصة لعلي حاله.
وأنت اليوم إذا أردت أن تمتع عينك بنظرة واحدة منها ومن بيض السلاءة لم تقدر على ذلك! لا جرم لقد كان تركه ناس كثير ما بهم إلا أن يكونوا شركاء من ساءت رعته.
وكان يقول: الآدام أعداء للخبز وأعداها له المالح.
فلولا أن الله انتقم منه وأعان عليه بطلب صاحبه الماء وإكثاره منه لظننت أنه سيأتي على الحرث والنسل! وكان مع هذا يقول: لو شرب الناس الماء على الطعام ما اتخموا.
وأقلهم عليه شرباً أكثرهم عنه تخماً.
وذلك أن الرجل لا يعرف مقدار ما أكل حتى ينال من الماء.
وربما كان شبعان وهو لا يدري.
فإذا ازداد على مقدار الحاجة بشم.
وإذا نال من الماء شيئاً بعد شيء عرفه ذلك مقدار الحاجات فلم يزد إلا بقدر المصلحة.
والأطباء يعلمون ما أقول حقاً.
ولكنهم يعلمون أنهم لو أخذوا بهذا الرأي لتعطلوا ولذهب المكسب! وما حاجة الناس إلى المعالجين إذا صحت أبدانهم وفي قول جميع الناس: إن ماء دجلة أمرأ من الفرات وإن ماء مهران أمرأ من ماء نهر بلخ وفي قول العرب: هذا ماء نمير يصلح عليه المال دليل على أن الماء يمرئ حتى قالوا: إن الماء الذي يكون عليه النفاطات أمرأ من الماء الذي يكون عليه القيارات.
فعليكم بشرب الماء على الغداء فإن ذلك أمرأ.
وكان يقول: ما بال الرجل إذا قال: يا غلام أسقني ماء أو أسق فلاناً ماء أتاه بقلة على قدر الري فإذا قال: أطعمني شيئاً أو قال: هات لفلان طعاماً أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة والطعام والشراب أخوان متحالفان ومتآزران وكان يقول: لولا رخص الماء وغلاء الخبز لما كلبوا على الخبز وزهدوا في الماء.
والناس أشد شيء تعظيماً للمأكول إذا كثر ثمنه أو كان قليلاً في أصل منبته وموضع عنصره.
هذا الجزر الصافي وهذا الباقلى الأخضر العباسي أطيب من كمثرى خراسان ومن الموز البستاني! ولكنهم لقصر همتهم لا يتشهون إلا على قدر الثمن ولا يحنون إلى الشيء إلا على قدر القلة.
وهذه العوام في شهوات الأطعمة إنما تذهب مع التقليد أو مع العادة أو على قدر ما يعظم وأنا لست أطعم الجزر المسلوق بالخل والزيت والمري دون الكمأة بالزبد والفلفل لمكان الرخص أو لموضع الاستفضال ولكن لمكان طيبه في الحقيقة ولأنه مالح الطبيعة علم ذلك من علم وجهل ذلك من جهل! وكان في منزله فربما دخل عليه الصديق له وقد كان تقدمه الزائر أو الزائران - وكان يستعمل على خوانه من الخدع والمكايد والتدبير ما لم يبلغ بعضه قيس بن زهير والمهلب ابن أبي صفرة وخازم بن أبي خزيمة وهرثمة بن أعين.
وكان عنده فيه من الاحتيال ما لا يعرفه عمرو بن العاص ولا المغيرة بن شعبة.
وكان كثيراً ما يمسك الخلال بيده ليؤيس الداخل عليه من غدائه! - فإذا دخل عليه الصديق له وقد عزم على إطعام الزائر والزائرين قبله وضاق صدره بالثالث وإن كان قد دعاه وطلب إليه - أراد أن يحتال له أو الرابع إن ابتلي كل واحد منهما بصاحبه.
فيقول عند أول دخوله وخلع نعله وهو رافع صوته بالتنويه وبالتشنيع: هات يا مبشر لفلان شيئاًيطعم منه! هات له شيئاً ينال منه! هات له شيئاً! اتكالاً! على خجله أو غضبه أو أنفته وطمعاً في أن يقول: قد فعلت! فإن أخطأ ذلك الشقي وضعف قلبه وحصر وقال: قد فعلت وعلم أنه قد أحرزه وحصله وألقاه وراء ظهره لم يرض أيضاً بذلك حتى يقول: بأي شيء تغذيت فلا بد له من أن يكذب أو ينتحل المعاريض.
فإذا استوثق منه رباطاً وتركه لا يستطيع أن يترمرم لم يرض بذلك حتى قول في حديث له: كنا عند فلان فدخل عليه فلان فدعاه إلى غدائه فامتنع.
ثم بدا له فقال: في طعامكم بقيلة أنتم تجيدونها ثم تناول فلا يزال في وثاقه وفي سد الأبواب عليه وفي منعه البدوات.
حتى إذاً بلغ الغاية قال: يا مبشر أما إذ تغدى فلان واكتفى فهات لنا شيئاً نبعث به فإذا وضعوا الطعام أقبل على أشهدهم حياء أو على أكلاً فسأله عن حديث حسن أو عن خبر طويل! ولا يسأله إلا عن حديث يحتاج فيه إلى الإشارة باليد أو الرأس! كل ذلك ليشغله! فإذا هم أكلوا صدراً أظهر الفتور والتشاغل والتنقر كالشعبان الممتلئ وهو في ذلك غير رافع يده ولا قاطع أكله! إنما هو النتف بعد النتف وتعليق اليد في خلل ذلك فلا بد من أن ينقبض بعضهم ويرفع يده.
وربما شمل ذلك جماعتهم.
فإذا علم أنه قد أحرزهم واحتال لهم حتى يقلعهم من مواضعهم من حوال الخوان ويعيدهم إلى مواضع من مجالسهم وقال: إنما الأكل تارات والشرب تارات.
وكان كثيراً ما يقول لأصحابه إذا بكروا عليه: لم لا نشرب أقداحاً على الريق فإنها تقتل الديدان وتحفش لأنفسنا قليلاً فإنها تأتي على جمبع الفضول وتشتهي الطعام بعد ساعة وسكره أطيب من سكر الكظة.
والشراب على المليلة بلاء.
وهو بعد ذلك دليل على أن نبيذي خالص.
ومن لم يشرب على الريق فهو نكس في الفتوة ودعى في أصحاب النبيذ! وإنما يخاف على كبده من سورة الشراب على الريق من بعد عهده باللحم.
وهذه الصبحة تغسل عنكم الأوضار وتنفي التخم.
وليس دواء الخمار إلا الشرب بالكبار.
والأعشى كان أعلم به حيث يقول: وكأس شريت على لذة وأخرى تداويت منها بها وهذا - حفظك الله - هو اليوم الذي كانوا لا يعاينون فيه لقمة واحدة ولا يدخل أجوافهم من النقل ما يزن خردلة! وهو يوم سروره التام لأنه قد ربح المرزئة وتمتع بالمنادمة! واشترى مرة شبوطة وهو ببغداد وأخذها فائقة عظيمة.
وغالى بها وارتفع في ثمنها.
وكان قد بعد عهده بأكل السمك وهو بصري لا يصبر عنه.
فكان قد أكبر أمر هذه السمكة لكثرة ثمنها ولسمنها وعظمها ولشدة شهوته لها! فحين ظن عند نفسه أنه قد خلا بها وتفرد بأطايبها وحسر عن ذراعيه وصمد صمدها هجمت عليه ومعي السدري! فلما رآه رأى الموت الأحمر والطاعون الجارف ورأى الحتم المقضي ورأى قاصمة الظهر وأيقن بالشر وعلم أنه قد ابتلي بالتنين! فلم يلبثه السدري حتى قور السرة بالمبال! فاقبل علي فقال لي: يا أبا عثمان السدري يعجبه السرر! فما فصلت الكلمة من فيه حتى قبض على القفا فانتزع الجانبين جميعاً! فأقبل علي فقال: والسدري يعجبه الأقفاء! فما فرغ من كلامه إلا والسدري قد اجترف المتن كله! فقال: يا أبا عثمان والسدري يعجبه المتون! ولم يظن أن السدري يعرف فضيلة ذنب الشبوط وعذوبة لحمه.
وظن أنه سيسلم له.
وظن معرفة ذلك من الغامض.
فلم يدر إلا والسدري قد اكتسح ما على الوجهين جميعاً! ولولا أن السدري أبطره وأثقله وأكمده وملأ صدره وملاه غيظاً لقد كان أدرك معه طرفاً لأنه كان من الأكلة.
ولكن الغيظ كان من أعوان السدري عليه.
فلما أكل السدري جميع أطايبها وبقي هو في النظارة ولم يبق في يده مما كان يأمله في تلك السمكة إلا الغيظ الشديد والغرم الثقيل ظن أن في سائر السمكة ما يشبعه ويشفي من كرمه.
فبذلك كان عزاؤه.
وذلك هو الذي كان يمسك بأرماقه وحشاشات نفسه! فتولد الغيظ في جوفه وأقلقته الرعدة فخبثت نفسه.
فما زال يقئ ويسلح! ثم ركبته الحمى! وصحت توبته وثم عزمه في ألا يؤاكل رغيباً أبداً ولا زهيداً ولا يشتري سمكة أبداً رخيصة ولا غالية وإن أهدوها إليه ألا يقبلها وإن وجدها مطروحة لا يمسها.
فهذا ما كان حضرني من حديث ابن أبي المؤمل.
وقد مات.
عفا الله عنا وعنه! قصة أسد بن جاني
فأما أسد بن جاني فكان يجعل سريره في الشتاء من قصب مقشر لأن البراغيث تزلق عن ليط القصب لفرط لينه وملاسته.
وكان إذا دخل الصيف وحر عليه بيته أثاره حتى يغرق المسحاة.
ثم يصب عليه جراراً كثيرة من ماء البئر.
ويتوطؤه حتى يستوي.
فلا يزال ذلك البيت بارداً ما دام ندياً.
فإذا امتد به الندى ودام برده بدوامه اكتفى بذلك التبريد صيفته.
وإن جف قبل انقضاء الصيف وعاد عليه الحر عاد عليه بالإثارة والصب.
وكان يقول: خيشتي أرض وماء خيشتي من بئري وبيتي أبرد ومؤنتي أخف.
وأنا أفضلهم أيضاً بفضل الحكمة وجودة الآلة.
وكان طبيباً فأكسد مرة فقال له قائل: السنة وبئة والأمراض فاشية وأنت عالم ولك صبر وخدمة ولك بيان ومعرفة.
فمن أين تؤتى في هذا الكساد قال: أما واحدة فإني عندهم مسلم وقد اعتقد القوم قبل أن أتطيب لا بل قبل أن أخلق أن المسلمين لا يفلحون في الطب! واسمي أسد وكان ينبغي أن يكون اسمي صليباً ومرايل ويوحنا وبيرا وكنيتي أبو الحارث وكان ينبغي أن تكون أبو عيسى وأبو زكريا وأبو إبراهيم.
وعلى رداء قطن أبيض وكان ينبغي أنت يكون رداء حرير أسود.
ولفظي لفظ عربي وكان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل جنديسابور.
قال الخليل السلولي: أقبل علي يوماً الثوري وكان يملك خمسمائة جريب ما بين كرسي الصدقة إلى نهر مرة.
ولا يشتري إلا كل غرة وكل أرض مشهورة بكريم التربة وشرف الموضع والغلة الكثيرة.
قال: فأقبل علي يوماً فقال لي: هل اصطبغت بماء الزيتون قط قال: قلت: لا والله لو فعلته ما نسيته! قال: قلت: أجل إني والله لو فعلته لما نسيته! وكان يقول لعياله: لا تلقوا نوى التمر والرطب وتعودوا ابتلاعه وخذوا حلوقكم بتسويغه فإن النوى يعقد الشحم في البطن ويدفئ الكليتين بذلك الشحم! واعتبروا ذلك ببطون الصفايا وجميع ما يعتلف النوى! والله لو حملتم أنفسكم على البزر والنوى وعى قضم الشعير واعتلاف القت لوجدتموها سريعة القبول! وقد يأكل الناس القت قداحاً والشعير فريكا ونوى البسر الأخضر ونوى العجوة.
فإنما بقيت الآن عليكم عقبة واحدة: لو رغبتم في الدفإلا لتمستم الشحم.
وكيف لا تطلبون شيئاً يغنيكم عن دخان الوقود وعن شناعة العكر وعن ثقل الغرم والشحم يفرح القلب ويبيض الوجه.
والنار تسود الوجه.
أنا أقدر أن أبتلع النوى وأعلفه النساء.
ولكني أقول ذلك بالنظر مني لكم.
وكان يقول: كلوا الباقلي بقشوره فإن الباقلي يقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي أكله! فما حاجتكم إلى أن تصيروا طعاماً لطعامكم وأكلاً لما جعل أكلاً لكم وكان يعين مالاً عظيماً.
ولم يكن له وارث.
فكان يسخر ببعضهم فيقول عند الإشهاد: قد علمتم أن لا وارث لي.
فإذا مت فهذا المال لفلان! فكان قوم كثير يحرصون على مبايعته لهذا.
وقد رأيته أنا زماناً من الدهر ما رأيته قط إلا ونعله في يده أو يمشي طول نهاره في نعل مقطوعة العقب شديدة على صاحبها! قال: فهو ذا المجوس يرتعون البصرة وبغداد وفارس والأهواز والدنيا كلها بنعال سندية.
فقيل له: إن المجوسي لا يستحل في دينه المشركة فأنت لا تجده أبداً إلا حافياً أو لابساً نعلاً سندية.
وأنت مسلم ومالك كثير.
قال: فمن كان ماله كثيراً فلابد له من أن يفتح كيسه للنفقات وللسراق قالوا: فليس هاتين منزلة قال الخليل: جلس الثوري إلى حلقة المصلحين في المسجد.
فسمع رجلاً من مياسيرهم يقول: بطنوا كل شيء لكم فإنه أبقى.
ولأمر جعل الله دار الآخرة باقية ودار الدنيا فانية.
ثم قال: ربما رأيت المبطنة الواحدة تقطع أربعة أقمصة والعمامة الواحدة تقطع أربعة أزر ليس ذلك إلا لتعاون الطي وترافد الأثناء.
فبطنوا البواري وبطنوا الحصر وبطنوا البسط وبطنوا الغداء بشربة باردة! ل فقال الثوري: لم افهم مما قلت إلا هذا الحرف وحده! قال الخليل: حم الثوري وحم عياله وخادمه فلم يقدروا مع شدة الحمى على أكل الخبز.
فربح كيلة تلك الأيام من الدقيق ففرح بذلك وقال: لو كان منزلي سوق الأهواز أو نطاة خيبر أو وادي الجحفة لرجوت أن أستفضل كل سنة مائة دينار! وكان يقول: أول الإصلاح - وهو من الواجب - خصف النعل واستجادة الطراق وتشحيمها في كل الأيام وعقد ذؤابة الشراك من زي النساك لكيلا يطأ عليه إنسان فيقطعه.
ومن الإصلاح الواجب قلب خرقة القلنسوة إذا اتسخت وغسلها من اتساخها بعد القلب.
واجعلها حبرة فإنها مما له مرجوع! ومن ذلك اتخاذ قميص الصيف جبة في الشتاء واتخاذ الشاة اللبون إذا كان عندك حمار.
واتخاذ الحمار الجامع خير من غلة ألف دينار: لأنه لرحلك وبه يدرك البعيد من حوائجك وعليه يطحن فتستفضل عليه ما يربحه عليك الطحان.
وينقل عليه حوائجه وحوائجك حتى الحطب.
ويستقي عليه الماء.
وهذه كلها مؤن إذا اجتمعت كانت في السنة مالاً كثيراً ثم قال: أشهد إن الرفق يمن وإن الخرق شؤم.
واشتريت ملاءة مذارية فلبستها ما شاء الله رداء وملحفة.
ثم احتجت إلى طيلسان فقطعتها - يعلم الله! - فلبسته ما شاء الله.
ثم احتجت إلى جبة فجعلته - يعلم الله! - ظهار جبة محشوة فلبستها ما شاء الله.
ثم أخرجت ما كان فيها من الصحيح فجعلته مخاد وجعلت قطنها للقناديل.
ثم جعلت ما دون خرق المخاد للقلائس.
ثم عمدت إلى أصح ما بقي فبعته من أصحاب الصينيات والصلاحيات.
وجعلت السقاطات وما قد صار وقد رأيته وسمعت منه في البخل كلاماً كثيراً.
وكان من البصريين ينزل في بغداد مسجد ابن رغبان.
ولم أر شيخاً ذا ثروة اجتمع عنده وإليه من البخلاء ما اجتمع له: منهم إسماعيل بن غزوان وجعفر بن سعيد وخاقان بن صبيح وأبو يعقوب الأعور وعبد الله العروضي والحزامي عبد الله بن كاسب.
وأبو عبد الرحمن هذا شديد البخل شديد العارضة عضب اللسان.
وكان يحتج للبخل ويوصي به ويدعو إليه.
وما علمت أن أحداً جرد في ذلك كتاباً إلا سهل بن هارون.
وأبو عبد الرحمن هذا هو الذي قال لابنه: أبي بني إن إنفاق القراريط يفتح عليك أبواب الدوانيق وإنفاق الدوانيق يفتح عليك أبواب الدراهم وإنفاق الدراهم يفتح عليك أبواب الدنانير.
والعشرات تفتح عليك أبواب المئين والمئون تفتح عليك أبواب الألوف حتى يأتي ذلك على الفرع والأصل ويطمس على العين والأثر ويحتمل القليل والكثير! أي بني إنما صار تأويل الدرهم: دار لهم وتأويل الدينار: يدني إلى النار الدرهم إذا خرج إلى غير خلف وإلى غير بدل دار لهم على دوانق مخرجة.
وقيل: إن الدينار يدني إلى النار لأنه إذا أنفقته في غير خلف وأخرج إلى غير دل بقيت مخفقاً معدماً وققيراً مبلطاً.
فيخرج الخارج وتدعو الضرورة إلى المكاسب الردية والطعم الخبيثة.
والخبيث من الكسب يسقط وهذا تأويل الذي تأوله للدرهم والدينار ليس له إنما هذا شيء كان يتكلم به عبد الأعلى إذا قيل له: لم سمي الكلب قليطاً قال: لأنه قل ولطى! وإذا قيل له: لم سمي الكلب سلوقياً قال: لأنه يستل ويلقي! وإذا قيل له: لم سمي العصفور عصفوراً قال: لأنه عصى وفر! وعبد الأعلى هذا هو الذي كان يقول في قصصه: الفقير.
.
.
مرفقته سلبة وجردقته فلقة وسمكته سلته في طيب له كثير.
وبعض المفسرين يزعم أن نوحاً النبي عليه السلام إنما سمي نوحاً لأنه كان ينوح على نفسه وأن آدم سمي آدم لأنه حذي من أديم الأرض - وقالوا: كان لونه في أدمته لون الأرض - وأن المسيح سمي المسيح لأنه مسح بدهن البركة.
وقال بعضهم: لأنه كان لا يقيم في البلد الواحد.
وكان كأنه ماسح يمسح الأرض.
ثم رجع الحديث إلى أعاجيب أبي عبد الرحمن: وكان أبو عبد الرحمن: وكان أبو الرحمن يعجب بالرءوس ويحمدها ويصفها.
وكان لا يأكل اللحم إلا يوم أضحي أو من بقية أضحيته أو يكون في عرس أو دعوة أو سفرة.
وكان سمى الرأس عرساً لما يجتمع فيه من الألوان الطيبة.
وكان يسميه مرة الجامع ومرة الكامل.
وكان يقول: الرأس شيء واحد.
وهو ذو ألوان عجيبة وطعوم مختلفة.
وكل قدر وكل شواه فإنما هو شيء واحد.
والرأس فيه الدماغ فطعم الدماغ على حدة.
وفيه العينان وطعمهما شيء على حدة.
وفيه الشحمة التي بين أصل الأذن ومؤخر العين وطعمها على حدة.
على أن هذه الشحمة خاصة أطيب من المخ ونعم من الزبد وأدسم من السلاء.
وفي الرأس اللسان وطعمه شيء على حدة.
وفيه الخيشوم والغضروف الذي في الخيشوم وطعمهما شيء على حدة.
وفيه لحم الخدين وطعمه شيء على حدة - حتى يقسم أسقاطه الباقية.
ويقول: الرأس سيد البدن: وفيه الدماغ وهو معدن العقل ومنه يتفرق العصب الذي فيه الحس وبه قوام البدن.
وإنما القلب باب العقل - كما أن النفس هي المدركة والعين هي باب الألوان والنفس هي السامعة الذائقة وإنما الأنف والأذن بابان.
ولولا أن العقل في الرأس لما ذهب العقل من الضربة تصيبه.
وفي الرأس الحواس الخمس.
وكان ينشد قول الشاعر: وكان يقول: الناس لم يقولوا: هذا رأس الأمر وفلان رأس الكتيبة وهو رأس القوم وهم رؤوس الناس وخراطيمهم وأنفهم ويستقوا من الرأس الرياسة والرئيس - وقد رأس القوم فلان - إلا والرأس هو المثل وهو المقدم.
وكان إذا فرغ من أكل الرأس عمد إلى القحف وإلى الجبين فوضعه بقرب بيوت النمل والذر.
فإذا اجتمعت فيه أخذه فنفضه في طست فيها ماء.
فلا يزال يعيد ذلك في تلك المواضع حتى يقلع أصل النمل والذر من داره.
فإذا فرغ من ذلك ألقاه في الحطب ليوقد به سائر الحطب.
وكان إذا كان يوم الرءوس أقعد ابنه معه على الخوان.
إلا أن ذلك بعد تشرط طويل وبعد أن يقف به على ما يريد! وكان فيما يقول له: إياك ونهم الصبيان وشره الزراع وأخلاق النوائح.
ودع عنك خبط الملاحين والفعلة ونهش الأعراب والمهنة.
وكل ما بين يديك فإنما حقك الذي وقع لك وصار أقرب إليك.
وأعلم أنه إذا كان في الطعام شيء طريف ولقمة كريمة ومضغة شهية فإنما ذلك للشيخ المعظم والصبي المدلل.
ولست واحداً منهما.
فأنت قد تأتي الدعوات والولائم وتدخل منازل الإخوان وعهدك باللحم قريب وإخوانك أشد قرماً إليه منك.
وإنما هو رأس واحد.
فلا عليك أن تتجافى عن بعض وتصيب بعضاً.
وأنا بعد أكره لك الموالاة بين اللحم فإن الله يبغض أهل البيت اللحمين.
وكان يقول: إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر.
وكان يقول: مدمن اللحم كمدمن الخمر.
وقال الشيخ ورأى رجلاً يأكل اللحم فقال: لحم يأكل لحماً! أف لهذا عملاً! وذكر هرم بن قطبة اللحم فقال: وإنه ليقتل السباع.
وقال المهلب: لحم وارد على غير قاوم هذا الموت الأحمر.
وقال الأول: أهلك الرجال الأحمران: اللحم والخمر وأهلك النساء الأحمران: الذهب والزعفران.
أي بني عود نفسك الأثرة ومجاهدة الهوى والشهوة.
ولا تنهش نهش الأفاعي ولا تخضم خضم البراذين ولا تدم الأكل إدامة النعاج ولا تلقم لقم الجمال قال أبو ذر لمن بذل من أصحاب رسول الله ﷺ: يخضمون ونقضم والموعد الله.
إن الله قد فضلك.
فجعلك إنساناً فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعاً.
واحذر سرعة الكظة وسرف البطنة.
وقد قال بعض الحكماء: إذا كنت بطيناً فعد نفسك في الزمني.
واعلم أن الشبع داعية البشم وأن البشم داعية السقم وأن السقم داعية الموت.
ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة.
وهو قاتل نفسه وقاتل نفسه ألوم من قاتل غيره.
وأعجب إن أردت العجب! وقد قال الله جل ذكره: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}.
- وسواء قتلنا أنفسنا أو قتل بعضنا بعضاً كان ذلك للآية تأويلاً.
أي بني إن القاتل والمقتول في النار.
ولو سألت حذاق الأطباء لأخبروك أن عامة أهل القبور إنما ماتوا بالتخم.
واعرف خطأ من قال: أكلة وموتة! وخذ بقول من قال: رب أكلة تمنع أكلات.
وقد قال الحسن: يا بن آدم كل في ثلث بطنك واشرب في ثلث بطنك ودع الثلث للتفكر والتنفس.
وقال بكر بن عبد الله المزني: ما وجدت طعم العيش حتى استبدلت الخمص بالكظة وحتى لم ألبس من ثيابي ما يستخدمني وحتى لم آكل إلا ما لا أغسل يدي منه.
يا بني والله ما أدى حق الركوع ولا وظيفة السجود ذو كظة ولا خشع الله ذو بطنة.
والصوم مصحة والوجبات عيش الصالحين.
ثم قال: لأمر ما طالت أعمار الهند وصحت أبدان الأعراب.
لله در الحارث ابن كلدة حين زعم أن الدواء هو الأزم وأن الداء هو إدخال الطعام في أثر الطعام! أي بني لم صفت أذهان العرب ولم صدقت أحساس العرب ولم صححت أبدان الرهبان مع طول الإقامة في الصوامع وحتى لم تعرف النقرس ولا وجع المفاصل ولا الأورام إلا لقلة الرزق من الطعام وخفة الزاد والتبلغ باليسير.
أي بني إن نسيم الدنيا وروح الحياة أفضل من أن تبيت كظيظاً وأن تكون لقصر العمر حليفاً.
وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحة البدن وذكاء الذهن وصلاح المعى وكثرة المال والقرب من عيش الملائكة أي بني لم صار الضب أطول شيء عمراً إلا لأنه إنما يعيش بالنسيم ولم زعم الرسول ﷺ أن الصوم وجاء إلا ليجعل الجوع حجازاً دون الشهوات.
افهم تأدب الله فإنه لم يقصد به إلا مثلك.
أي بني قد بلغت تسعين عاماً ما نقص لي سن ولا تحرك لي عظم ولا انتشر لي عصب ولا عرف دنين أذن ولا سيلان عين ولا سلس بول! ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد.
فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة وإن كنت تحب الموت فلا يبعد الله إلا من ظلم.
هذه كانت وصيته في يوم الرءوس وحده! فلم يكن لعياله إلا التقمم ومص العظم! وكان لا يشتري الرأس إلا في زيادة الشهر لمكان زيادة الدماغ.
وكان لا يشتري إلا راس فتي لوفارة الدماغ لأن دماغ الفتي أوفر ويكون مخه أنقص ومخ المسن أوفر ودماغه أنقص.
وتزعم الأعراب والعرب أن النطفة إذا وقعت في الرحم في أول الهلال خرج الولد قوياً ضخماً وإذا كان في المحاق خرج ضئيلاً شختاً.
وأنشد قول الشاعر: لقحت في الهلال عن قبل الطه ر وقد لاح للصباح بشير ثم نمى ولم ترضع فلوا ورضاع المحج عيب كبير وكان أبو عبد الرحمن يشتري ذلك الرأس من جميع رءاسي بغداد إلا من رءاسي مسجد ابن رغبان.
وكان لا يشتريه إلا يوم سبت.
واختلط عليه الأمر قيما بين الشتاء والصيف.
فكان مرة يشتريه في هذا الزمان ومرة يشتريه في هذا الزمان.
وأما زهده في رءوس مسجد ابن رغبان فإن البصريين يختارون لحم الماعز الخصي على الضأن كله.
ورءوس الضأن أشحم وألحم وأرخص رخصاً وأطيب.
ورأس التيس أكثر لحماً من رأس الخصي لأن الخصي من الماعز يعرق جلده ويقل لحم رأسه.
ولا يبلغ جلده وإن كان ماعزاً في الثمن عشر ما يبلغ جلد التيس.
ولا يكون رأسه إلا دوناً.
ولذلك تخطاه إلى غيره.
وأما اختياره شراء الرءوس يوم السبت فإن القصابين يذبحون يوم الجمعة أكثر فتكثر الرءوس يوم السبت على قدر الفضل فيما يذبحون ولأن العوام والتجار والصناع لا يقومون إلى أكل الرءوس يوم السبت مع قرب عهدهم بأكل اللحم يوم الجمعة ولأن عامتهم قد بقيت عنده فضلة فهي تمنعه من الشهوة ولأن الناس لا يكادون يجمعون على خوان واحد بين الرءوس واللحم.
وأما اختلاط التدبير عليه في فرق ما بين الشتاء والصيف فوجه ذلك أن العلل كانت تتصور له وتعرض له الدواعي على قدر قرمه وحركة شهوته صيفاً وافق ذلك أم شتاء.
فإن اشتراه في الصيف فلأن اللحم في الصيف ارخص.
والرءوس تابعة للحم ولأن الناس في الشتاء لها آكل وهم لها في القيظ أترك.
فكان يختار الرخص على حسن الموقع.
فإذا قويت دواعيها في الشتاء قال: راس واحد شتوي كرأسين صيفيين! لأن المعلوفة غير الراعية.
وما أكل الكسب في الحبس موثقاً غير ما أكل الحشيش في الصحراء مطلقاً.
وكان على ثقة أنه سيأتي عليه في الشتاء مع صحته وبدنه وفي شك من استبقائه في الصيف.
ولنقصان شهوات الناس للرءوس في الصيف كان يخاف جريرة تلك البقية وجناية تلك الفضلة وكان يقول: إن أكلتها بعد الشبع لم آمن العطب وإن تركتها لهم في الصيف ولم يعرفوا العلة طلبوا ذلك مني في الشتاء.
حثني المكي قال: كنت يوماً عند العنبري إذ جاءت جارية أمه ومعها كوز فارغ.
فقالت: قالت أمك: بلغني أن عندك مزملة ويومنا يوم حار.
فابعث إلي بشربة منها في هذا الكوز.
قال: كذبت! أمي اعقل من أن تبعث بكوز فارغ ونرده ملآن! اذهبي فاملئيه من ماء حبكم وفرغيه في حبنا.
ثم املئيه من ماء مزملتنا حتى يعود شيء بشيء! قال المكي: فإذا هو يريد أن تدفع جوهراً بجوهر وعرضاً بعرض حتى لا تربح أمه إلا صرف ما بين العرضين الذي هو البرد والحر.
فأما عدد الجواهر والأعراض فمثلاً بمثل.
وقال المكي: دخلت عليه يوماً وإذا عنده جلة تمر وإذا ظئره جالسة قبالته.
فلما أكل تمرة رمى بنواتها إليها فأخذتها فمصتها ساعة ثم عزلتها.
فقلت للمكي: أكان يدع على النواة من جسم التمر شيئاً قال: والله لقد رأيتها لاكت نواة مرة بعد أن مصتها فصاح بها صيحة لو كانت قتلت قتيلاً ما كان عنده أكثر من ذلك! وما كانت إلا في أن تناول الأعراض وتسلم إليه الجوهر.
وكانت تأخذ حلاوة النواة وتودعها ندوة الريق.
قال الخليل: كان أبو قطبة يستغل ثلاثة آلاف دينار.
وكان من البخل يؤخر تنقية بالوعته إلى يوم المطر الشديد وسيل المثاعب ليكتري رجلاً واحداً فقط يخرج ما فيها ويصبه في الطريق فيجترفه السيل ويؤديه إلى القناة! وكان بين موضع بئره والصب قدر مائتي ذراع.
فكان لمكان زيادة درهمين يحتمل الانتظار شهراً أو شهرين وإن هو جرى في الطريق وأوذي به الناس! وقال: ونظر يوماً إلى الكساحين وهو معنا جالس في رجال من قريش وهم يخرجون ما في بالوعته ويرمون به في الطريق وسيل المثاعب يحتمله فقال: أليس البط والجداء والدجاج والفراخ والدراج وخبز الشعير والصحناء والكراث والجواف جميعاً يصير إلى ما ترون فلم يغالي بشيء بصير هو والرخيص في معنى واحد قال: وهم ثلاثة إخوة: أبو قطبة والطيل وبابي من ولد عتاب بن أسيد - واحد منهم كان يحتج عن حمزة ويقول: استشهد قبل أن يحج.
والآخر كان يضحي عن أبي بكر وعمر ويقول: أخطأ السنة في ترك الضحية.
وكان الآخر يفطر عن عائشة أيام التشريق ويقول: غلطت - رحمها الله - في صومها أيام العيد.
فمن صام عن أبيه وأمه فأنا أفطر عن عائشة.
حدثتني امرأة تعرف الأمور قالت: كان في الحي مأتم اجتمع فيه عجائز من عجائز الحي.
فلما رأين أن أهل المأتم قد أقمن المناحة اعتزلن وتحدثن.
فبينا هن في حديثهن إذ ذكرن بر الأبناء بالأمهات وإنفاقهم عليهن.
وذكرت كل واحدة منهن ما يوليها ابنها.
فقالت واحدة منهن وأم فيلويه ساكتة - وكانت امرأة صالحة وابنها يظهر النسك ويدين بالبخل وله حانوت في مقبرة بني حصين يبيع فيها الأسقاط.
- قالت: فأقبلت على أم فيلويه قلت لها: ما لك لا تحدثين معنا عن ابنك كما يتحدثن وكيف صنع فيلويه فيما بينك وبينه قالت: كان يجري علي في كل أضحى درهماً! فقالت: وقد قطعه أيضاً! قالت: ما كان يجري علي إلا ذاك.
ولقد ربما أدخل أضحى! فقالت: فقلت: يا أم فيلويه وكيف يدخل أضحى في أضحى قد يقول الناس: إن فلاناً أدخل شهراً في شهر ويوماً في يوم.
فأما أضحى في أضحى فهذا لا يشركه فيه أحد!
قصة تمام بن جعفر
كان تمام بن جعفر بخيلاً على الطعام مفرط البخل.
وكان يقبل على كل من أكل خبزه بكل علة ويطالبه بكل طائلة وحتى ربما استخرج عليه أنه لابن جلاد الدم.
وكان إن قال له نديم له: ما في الأرض أحد أمشي مني ولا على ظهرها أحد أقوى على الحضر مني! قال: وما يمنعك من ذلك وأنت تأكل أكل عشرة وهل يحمل الرجل إلا البطن لا حمد الله من يحمدك! فإن قال: لا والله إن أقدر أن أمشي لأني أضعف الخلق عنه وإني لأنبهر من مشى ثلاثين خطوة! قال: وكيف تمشي وقد جعلت في بطنك ما يحمله عشرون حمالاً! وهل ينطلق الناس إلا مع خفة الأكل وأي بطين بقدر على الحركة وإن الكظيظ ليعجز عن الركوع والسجود فإن شكا ضرسه وقال: ما نمت البارحة مع وجعه وضربانه قال: عجبت كيف اشتكيت واحداً وكيف لم تشتك الجميع! وكيف بقيت إلى اليوم في فيك حاكة! وأي ضرس يقوى على الدرس والطحن! والله إن الأرحاء السورية لتكل وإن الميجان الغليظ ليتعبه الدق! ولقد استبطأت لك هذه العلة! ارفق فإن الرفق يمن ولا تخرق بنفسك فإن الخرق شؤم! وإن قال: لا والله إن اشتكيت ضرساً لي قط ولا تجلجل لي سن عن موضعه منذ عرفت نفسي قال: يا مجنون! لأن كثرة المضغ تشد العمور وتقوي الأسنان وتدبغ اللثة وتغدو أصولها.
وإعفاء الأضراس من المضغ يريحها.
وإنما الفم جزء من الإنسان.
وكما الإنسان نفسه إذا تحرك وعمل قوى وإذا طال سكونه تفتخ واسترخى فكذلك الأضراس.
ولكن رفقاً! فإن الإتعاب ينقص القوة.
ولكل شيء مقدار ونهاية.
فهذا ضرسك لا تشتكيه بطنك أيضاً لا تشتكيه فإن قال: والله إن أروى من الماء.
وما أظن أن في الدنيا أحداً أشرب مني للماء قال: لابد للتراب من ماء ولابد للطين من ماء يبله ويرو.
أوليست الحاجة على قدر كثرته وقلته والله لو شربت ماء الفرات ما استكثرته لك مع ما أرى من شدة أكلك وعظم لقمتك! تدري ما قد تصنع أنت والله تلعب! أنت لست ترى نفسك! فسل عنك من يصدقك حتى تعلم أن ماء فإن قال: ما شربت اليوم ماء البتة وما شربت أمس بمقدار نصف رطل وما في الأرض إنسان أقل شرباً مني للماء قال: لأنك لا تدع لشرب الماء موضعاً! ولأنك تكنز في جوفك كنزاً لا يجد الماء معه مدخلاً! والعجب لا تتخم لأن من لا يشرب الماء على الخوان لا يدري مقدار ما أكل ومن جاوز مقدار الكفاية كان حرياً بالتخمة.
فإن قال: ما أنام الليل كله وقد أهلكني الأرق قال: وتدعك الكظة والنفخة والقرقرة أن تنام والله لو لم يكن إلا العطش الذي ينبه الناس لما نمت.
ومن شرب كثيراً بال كثيراً.
ومن كان الليل كله بين شرب وبول كيف يأخذه النوم فإن قال: ما هو إلا أن أضع رأسي فإنما أنا حجر ملقى إلى الصبح قال: ذلك لأن الطعام يسكن ويخدر ويحير ويبل الدماغ ويبل العروق ويسترخي عليه جميع البدن.
ولو كان في الحق لكان ينبغي أن تنام الليل والنهار! فإن قال: أصبحت وأنا لا أشتهي شيئاً قال: إياك أن تأكل قليلاً ولا كثيراً فإن أكل القليل على غير شهوة أضر من الكثير مع الشهوة.
قال الخوان: ويل لي ممن قال: لا أريد! وبعد وكيف تشتهي الطعام اليوم وأنت قد أكلت بالأمس طعام عشرة! وكان كثيراً ما يقول لندمائه: إياكم والأكل على الخمار فإن دواء الخمار الشراب.
الخمار تخمة.
والمتخم إذا أكل مات لا محالة.
وإياكم والإكثار في عقب الحجامة والفصد والحمام.
وعليكم بالتخفيف في الصيف كله.
واجتنبوا اللحم خاصة.
وكان يقول: ليس يفسد الناس إلا الناس: هذا الذي يتكلم بالكلام البارد وبالطرف المستنكرة لو لم يصب من يضحك له وبعض من يشكره ويتضاحك له - أوليس هو عنده إلا أن يظهر العجب له - لما تكلف النوادر.
ألا أهلك قول الناس للأكول النهم وللرغيب الشره: فلان حسن الأكل! هو الذي أهلكه وزاد في رغبته حتى جعل ذلك صناعة وحتى ربما أكل - لمكان قولهم وتقريبهم وتعجبهم - ما لا يطيقه فيقتل.
فلا يزال قد هجم على قوم فأكل زادهم وتركهم بلا زاد! فلو قالوا بدل قولهم: فلان حسن الأكل: فلان أقبح الناس أكلاً كان ذلك صلاحاً لفريقين.
ولا يزال البخيل على الطعام قد دعا الرغيب البطن واتخذ له الطعام الطيب لفي عن نفسه المقالة وليكذب عن نفسه تلك الظنون.
ولو كان شدة الضرس يعد في المناقب ويمدح صاحبه في المجالس لكان الأنبياء آكل الخلق ولخصهم الله - جل ذكره - من الرغب بما لم يعطه أحداً من العالمين.
وكيف وفي مأثور الحديث: ( إن المؤمن يأكل في معي واحد وإن المنافق يأكل في سبعة أمعاء ).
أولسنا قد نراهم يشتمون بالنهم وبالرغب وبكثرة الأكل ويمدحون بالزهادة وبقلة الطعام أوليس قد قال النبي ﷺ: من أدله على الحسناء القتين وقد ساب رجل أيوب ابن سليمان بن عبد الملك فقال في بعض ما يسبه: ماتت أمك بغراً وأبوك بشماً! وبعد فهل سمعتم بأحد قط فخر بشدة أكل أبيه فقال: أنا ابن آكل العرب بل قد رأينا أصحاب النبيذ والفتيان يتمدحون بكثرة الشرب كما يتمدحون بقلة الرزق.
ولذلك قالت العرب: قال الشاعر: تكفيه فلذة كبد إن ألم بها من الشواء ويروي شربه الغمر وقال: لا يتأرى لما في القدر يطلبه ولا تراه أمام القوم يقتفر وقال: لا يغمز الساق من أين ولا وصم ولا يعض على شرسوفه الصفر والصفر هي حيات البطون إنما تكون من الفضول والتخم ومن الفساد والبشم.
وشرب مرة نبيذ وغناه المغنى فشق قميصه من الطرب.
فقال لمولى له له يقال له المحلول وهو إلى جنبه: شق أيضاً أنت - ويلك - قميصك! - والمحلول هذا من الآيات - قال: لا والله لا أشقه وليس لي غيره.
قال: فشقه وأنا أكسوك غداً.
قال: فأنا أشقه غداً.
قال: أنا ما أصنع فلم أسمع بإنسان يقايس ويناظر في الوقت الذي إنما يشق فيه القميص من غلبة الطرب غيره وغير مولاه محلول.
دخل على الأعمى على يوسف بن كل خير وقد تغدى.
فقال: يا جارية هاتي لأبي الحسن غداء.
قالت: لم يبق عندنا شيء.
قال: هاتي - ويلك! - ما كان فليس من أبي الحسن حشمة! ولم يشك على أنه سيؤتي برغيف ملطخ وبرقاقة ملطخة وبسكر وبقية مرق وبعرق وبفضلة شواء وببقايا ما يفضل في الجامات والسكرجات.
فجاءت بطبق ليس عليه إلا رغيف أرز قاحل لا شيء غيره.
فلما وضعوا الخوان بين يديه فأجال يده فيه وهو أعمى فلم يقع إلا على ذلك الرغيف وقد عل أن قوله: ليس منه حشمة لا يكون إلا مع القليل.
فلم يظن أن الأمربلغ ذلك.
فلما لم يجد غيره قال: ويلكم! ولأكل هذا بمره رفعتم الحشمة كلها والكلام لم يقع إلا على هذا حدثني محمد بن حسان الأسود قال: أخبرني زكريا القطان قال: كان للغزال قطعة أرض قدام حانوتي فأكرى نصفها من سماك يسقط عنه ما استطاع من مؤنة الكراء.
قال: وكان الغزال أعجوبة في البخل.
وكان يجيء من منزله ومعه رغيف في كمه.
فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم.
فإذا أعيا عليه الأمر أخذ من ساكنه جوافة بحبة وأثبت عليها فلساً في حسابه! فإذا أراد أن يتغدى أخذ الجوافة فمسحها على وجه الرغيف ثم عض عليه! وربما فتح بطن الجوافة فيطر جنبيها وبطنها باللقمة بعد اللقمة! فإذا خاف أن ينهكها ذلك وينضم بطنها طلب من ذلك السماك شيئاً من ملح السمك فحشا جوفها لينفخها وليوهم أن هذا هو ملحها الذي ملحت به! ولربما غلبته شهوته فكدم طرف أنفها وأخذ من طرف الأرنبة ما يسيغ به لقمته! وكان ذلك منه لا يكون إلا في آخر لقمة ليطيب فمه بها! ثم يضعها في ناحية.
فإذا اشترى من امرأة غزلاً أدخل تلك الجوافة في ثمن الغزل من طريق إدخال العروض وحسبها عليها بفلس فيسترجع رأس المال ويفضل الأدم.
وروى أصحابنا عن عبد الله بن المقفع قال: كان ابن جذام الشيء يجلس إلي.
وكان ربما انصرف معي إلى المنزل فيتغذى معنا ويقيم إلى أن يبرد.
وكنت أعرفه بشدة البخل وكثرة المال.
فألح علي في الاستزارة وصممت عليه في الامتناع.
فقال: جعلت فداك! أنت تظن أني ممن يتكلف وأنت تشفق علي! لا والله! إن هي إلا كسيرات يابسة وملح وماء الحب! فظننت أنه يريد اختلابي بتهوين الأمر عليه.
وقلت: إن هذا كقول الرجل: يا غلام أطعمنا كسرة وأطعم السائل خمس تمرات.
ومعناه أضعاف ما وقع اللفظ عليه.
وما أظن أن أحداً يدعو مثلي إلى الحربية من الباطنة ثم يأتيه بكسرات وملح.
فلما صرت عنده وقربه إلي إذ وقف سائل بالباب فقال: أطعمونا مما تأكلون أطعمكم الله من طعام الجنة! قال: بورك فيك! فأعاد الكلام فأعاد عليه مثل ذلك القول.
فأعاد عليه السائل فقال: اذهب - ويلك! - فقد ردوا عليك.
فقال السائل: سبحان الله! ما رأيت كاليوم أحداً يرد من لقمة والطعام بين يديه! قال: اذهب - ويلك! - وإلا خرجت إليك والله فدققت ساقيه! فقلت للسائل: اذهب وأرح نفسك فإنك لو تعرف من صدق وعبده مثل الذي أعرف لما وقفت طرفة عين بعد رده إياك! وكان أبو يعقوب الذقنان يقول: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال.
وكان إذا كان يوم الجمعة اشترى لحم بقر بدرهم واشترى بصلاً بدانق وباذنجاناً بدانق وقرعة بدانق.
فإذا كان أيام الجزر فجزر بدانق! وطبخه كله سكباجاً.
فأكل وعياله يومئذ خبزهم بشيء من رأس القدر وما ينقطع في القدر من البصل والباذنجان والجزر والقرع والشحم واللحم.
فإذا كان يوم السبت ثردوا خبزهم في المرق.
فإذا كان يوم الأحد أكلوا البصل.
فإذا كان يوم الاثنين أكلوا الجزر.
فإذا كان يوم الثلاثاء أكلوا القرع.
فإذا كان يوم الأربعاء أكلوا الباذنجان.
فإذا كان يوم الخميس أكلوا اللحم.
فلهذا كان يقول: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال! قال أصحابنا: نزلنا بناس من أهل الجزيرة وإذا هم في بلاد باردة وإذا حطبهم شر حطب وإذا الأرض كلها غابة واحدة طرفاء.
فقلنا: ما في الأرض أكرم من الطرفاء.
قالوا: هو كريم ومن كرمه نفر.
فقلنا: وما الذي تفرون منه قالوا: دخان الطرفاء يهضم الطعام وعيالنا كثير! وقد عاب ناس أهل المازح والمديبر بأمور: منها أن خشكانهم من دقيق شعير وحشوه الذي فيه من الجوز والسكر من دقيق خشكار.
وأهل المازج لا يعرفون بالبخل.
ولكنهم أسوأ الناس حالاً.
فتقديرهم على قدر عيشهم.
وإنما نحكي عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر وبين خصب البلاد وعيش أهل الجدب.
فأما من يضيق على نفسه لأنه لا يعرف إلا الضيق فليس سبيله سبيل القوم.
قال المكي: كان لأبي عم يقال له سليمان الكثري.
سمى بذلك لكثرة ماله.
وكان يقربني وأنا صبي إلى أن بلغت.
ولم يهب لي مع ذلك التقريب شيئاً قط.
وكان قد جاوز في ذلك حد البخلاء.
فدخلت عليه يوماً وإذا قدامه قطع دار صيني لا تسوى قيراطاً.
فلما نال حاجته منها مددت يدي لآخذ منها قطعة.
فلما نظر إلي قبضت يدي! فقال: لا تنقبض وانبسط واسترسل.
وليحسن ظنك فإن حالك عندي على ما تحب! فخذه كله فهو لك بزوبره وبحذافيره! وهو لك جميعاً! نفسي بذلك سخية! والله أعلم أني مسرور بما وصل إليك من الخير! فتركته بين يديه وقمت من عنده وجعلت وجهي كما أنا إلى العراق! فما رأيته وما رآني حتى مات.
وقال المكي: سمعني سليمان وأنا أنشد شعر امرئ القيس: لنا غنم نسوقها غزار كأن قرون جلتها العصي فتملأ بيتنا أقطاً وسمناً وحسبك من غنىً شبع وروي قال: لو كان الذي قال ليحيى بن خالد حين نقب في أبي قبيس وزاد في داره: عمدت إلى شيخ الجبال فزعزعته وثلمت فيه.
وقال حين عوتب في قلة الضحك وشدة القطوب: إن الذي يمنعني من الضحك أن الإنسان أقرب ما يكون من البذل إذا ضحك وطابت نفسه! صحبني محفوظ النقاش من مسجد الجامع ليلاً.
فلما صرت قرب منزله - وكان منزله أقرب إلى مسجد الجامع من منزلي - سألني أن أبيت عنده.
وقال: أين تذهب في هذا المطر والبرد ومنزلي منزلك وأنت في ظلمة وليس معك نار وعندي لباً لم ير الناس مثله وتمر ناهيك به جودة لا تصلح إلا له! فملت معه فأبطأ ساعة.
ثم جاءني بجام لبإ وطبق تمر.
فلما مددت قال: يا أبا عثمان إنه لبإ وغلظه! وهو الليل وركوده! ثم ليلة مطر ورطوبة وأنت رجل قد طعنت في السن.
ولم تزل تشكو من الفالج طرفاً.
وما زال الغليل يسرع إليك.
وأنت في الأصل لست بصاحب عشاء! فإن أكلت اللبأ ولم تبالغ كنت لا آكلاً ولا تاركاً وحرشت طباعك.
ثم قطعت الأكل أشهى ما كان إليك.
وإن بالغت بتنا في ليلة سوء من الاهتمام بأمرك ولم نعد لك نبيذاً ولا عسلاً.
وإنما قلت هذا الكلام لئلا تقول غداً: كان وكان! والله وقد وقعت بين نابي أسد! لأني لو لم أجئك به وقد ذكرته لك قلت: بخل به وبدا له فيه.
وإن جئت به ولم أحذرك منه ولم أذكرك كل ما عليك فيه قلت: لم يشفق علي ولم ينصح.
فقد برئت إليك من الأمرين جميعاً.
وإن شئت فأكلة وموتة! وإن شئت فبعض الاحتمال ونوم على سلامة! فما ضحكت قط كضحكي تلك الليلة.
ولقد أكلته جميعاً فما هضمه إلا الضحك والنشاط والسرور فيما أظن.
ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلم به لأتى على الضحك أو لقضى علي.
ولكن ضحك من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب.
وقال أبو القماقم: أول الإصلاح ألا يرد ما صار في يدي لك فإن كان ما صار في يدي لي فهو لي وإن لم يكن لي فأنا أحق به ممن صيره في يدي! ومن أخرج من يده شيئاً إلى يد غيره من غير ضرورة فقد أباحه لمن صيره إليه! وتعريفك إياه مثل إباحته.
وقالت له امرأة: ويحك يا أبا القماقم! إني قد تزوجت زوجاً نهارياً والساعة وقته.
وليست على هيئته.
فاشتر لي بهذا الرغيف أساً وبهذا الفلس دهناً فإنك تؤجر! فعسى الله أن يلقي محبتي في قلبه فيرزقني على يدك شيئاً أعيش به فقد والله ساءت حالي وبلغ المجهود مني - فأخذهما وجعله وجهه! فرأته بعد أيام فقالت: سبحان الله! أما رحمتني مما صنعت بي! قال: ويحك! سقط والله مني الفلس فمن الغم أكلت الرغيف! وتعشق واحدة فلم يزل يتبعها ويبكي بين يديها حتى رحمته.
وكانت مكثرة وكان مقلاً.
فاستهداها هريسة وقال: أنتم أحذق بها! فلما كان بعد أيام تشهى عليها رءوساً.
فلما كان بعد قليل طلب منها حيسة.
فلما كان بعد ذلك تشهى عليها طفيشلية.
قالت المرأة: رأيت عشق الناس يكون في القلب وفي الكبد وفي الأحشاء.
وعشقك أنت ليس يجاوز معدتك! وقال أبو الأصبغ: ألح أبو القماقم على قوم عند الخطبة إليهم يسأل عن مال امرأة ويحصيه ويسأل عنه.
فقالوا: قد أخبرناك بما لها فأنت أي شيء مالك قال: وما سؤالكم عن مالي الذي لها يكفيني ويكفيها! سمعت شيخاً من مشايخ الأبلة يزعم أن فقراء أهل البصرة أفضل من فقراء أهل الأبلة.
قلت: بأي شيء فضلتم قال: هم أشد تعظيماً للأغنياء وأعرف بالواجب.
ووقع بين رجلين أبليين كلام فأسمع أحدهما صاحبه كلاماً غليظاً فرد عليه مثل كلامه.
فرأيتهم قد أنكروا ذلك إنكاراً شديداً ولم أر لذلك سبباً.
فقلت: لم أنكرتم أن يقول له مثل ما قال قالوا: لأنه أكثر منه مالاً.
وإذا جوزنا هذا له جوزنا لفقرائنا أن يكافئوا أغنياءنا ففي هذا الفساد كله! وقال حمدان بن صباح: كيف صار رياح يسمعني ولا أسمعه أفهو أكثر مالاً مني ثم قال: ويكون الزائر من أهل البصرة عند الأبلى مقيماً مطمئناً.
فإذا جاء المد قالوا: ما رأينا مداً قط ارتفع ارتفاعه.
وما أطيب السير في المد! والسير في المد إلى البصرة أطيب من السير في الجزر إلى الأبلة! فلا يزالون به حتى أن من الرأي أن يغتنم ذلك المد بعينه! كان أحمد الخاركي بخيلاً وكان نفاجاً.
وهذا أغيظ ما يكون.
وكان يتخذ لكل جبة أربعة أزرار ليرى الناس أن عليه جبتين ويشتري الأعذاق والعراجين والسعف من الكلاء فإذا جاء الحمال إلى بابه تركه ساعة يوهم الناس أن له من الأرضين ما يحتمل أن يكون ذلك كله منها.
وكان يكتري قدور الخمارين التي تكون للنبيذ ثم يتحرى أعظمها ويهرب من الحمالين بالكراء كي يصيحوا بالباب: يشترون الداذي والسكر ويحبسون الحمالين بالكراء! وليس في منزله رطل دبس! وسمع قول الشاعر: رأيت الخبز عز لديك حتى حسبت الخبز في جو السحاب وما روحتنا عنا ولكن خفت مرزئة الذباب فقال: ولم ذب عنهم لعنه الله! ما أعلم إلا أنه شهى إليهم الطعام ونظف لهم القصاع وفرغهم له وسخرهم عليه! ثم ألا تركها تقع في قصاعهم وتسقط على آنافهم وعيونهم! هو والله أهل لما هو أعظم من هذا! كم ترون من مرة قد أمرت الجارية أن تلقي في القصعة الذبابة والذبابتين والثلاثة حتى يتقزز بعضهم ويكفي الله شره! قال: وأما قوله: رأيت الخبز عز لديك حتى قال: فإن لم أعز هذا الشيء الذي هو قوام أهل الأرض وأصل الأقوات وأمير الأغذية فأي شيء أعز إي والله إني أعزه وأعزه وأعزه وأعزه مدى النفس ما حملت عيني الماء.
وبلغ من نفجه مع ذلك ما أخبرني به إبراهيم بن هانئ قال: كنت عنده يوماً إذ مر به بعض الباعة فصاح الخوخ الخوخ! فقلت: وقد جاء الخوخ بعد قال: نعم قد جاء وقد أكثرنا منه.
فدعاني الغيظ عليه إلى أن دعوت البياع وأقبلت على ابن الخاركي فقلت: ويحك! نحن لم نسمع به بعد وأنت قد أكثرت منه! وقد تعلم أن أصحابنا أترف منك! ثم أقبلت على البياع فقلت: كيف تبيع الخوخ فقال: ستة بدرهم قلت: أنت ممن يشتري ست خوخات بدرهم وأنت تعلم أنه بياع بعد أيام مائتين بدرهم ثم تقول: وقد أكثرنا منه وهذا يقول: ستة بدرهم قال: وأي شيء أرخص من ستة أشياء بشيء كان غلام صالح بن عفان يطلب منه لبيت الحمار بالليل.
فكان يعطيه كل ليلة ثلاثة أفلس - والفلوس أربعة طسوج - ويقول: طسوج يفضل وحبة تنقص وبينهما يرمي الرامي! وكان يقول لابنه: تعطي صاحب الحمام وصاحب المعبر لكل واحد منهما طسوجاً وهو إذا لم ير معك إلا ثلاثة أفلس لم يردك قال أبو كعب: دعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه ليفطروا عنده في شهر رمضان.
وكنت فيهم.
فلما صلينا المغرب ونجز ابن جناح أقبل علينا ثم قال: لا تعجلوا فإن العجلة من الشيطان.
وكيف لا تعجلون وقد قال الله جل ذكره: وكان الإنسان عجولاً وقال: خلق الإنسان من عجل - اسمعوا ما أقول فإن فيما أقول حسن المؤاكلة والبعد من الأثرة والعاقبة الرشيدة والسيرة المحمودة.
وإذا مد أحدكم يده إلى الماء فاستسقى - وقد أتيتم ببهطة أو بجوذابة أو بعصيدة أو ببعض ما يجري في الحلق ولا يساغ بالماء ولا يحتاج فيه إلى مضغ وهو طعام يد لا طعام يدين وليست على أهل اليد منه مؤنة وهو مما يذهب سريعاً - فأمسكوا حتى يفرغ صاحبكم فإنكم تجمعون عليه خصالاً: منها أنكم تنغصون عليه بتلك السرعة إذا علم أنه لا يفرغ إلا مع فراغكم.
ومنها أنكم تخنقونه ولا يجد بداً من مكافأتكم فلعله أن يتسرع إلى لقمة حارة فيموت وأنتم ترونه.
وأدنى ذلك أن تبعثوه على الحرص وعلى عظم اللقم.
ولهذا ما قال الأعرابي حين قيل له: لم تبدأ بأكل اللحم الذي فوق الثريد قال: لأن اللحم ظاعن والثريد مقيم! قال أبو كعب: فربما نسي بعضنا فمد يده إلى القصعة وقد مد يده صاحبه إلى الماء فيقول له موسى: يدك يا ناسي! ولولا شيء لقلت لك: يا متغافل! قال: وأتانا بارزة.
ولو شاء إنسان أن يعد حبها لعده لتفرقه ولقلته.
قال: فنثروا عليها ليلة من ذلك مقدار نصف سكرة.
فوقعت ليلتئذ في قطعة وكنت إلى جنبه فسمع صوتها حين مضغتها فضرب يده على جنبي ثم قال: اجرش يا أبا كعب اجرش! قلت: ويلك! أما تتقي الله! كيف أجرش جزءاً لا يتجزأ. قصة ابن العقدى
كان ابن العقدى ربما استزار أصحابه إلى البستان.
وكنت لا أظنه ممن يحتمل قلبه ذلك على حال.
فسألت ذات يوم بعض زواره فقلت: احك لي أمرك.
قال: وتستر علي قلت: نعم ما دمت بالبصرة.
قال: يشتري لنا أرزاً بقشره ويحمله معه ليس معه شيء مما خلق الله إلا ذلك الأرز! فإذا صرنا إلى أرضه كلف أكاره أن يجشه في مجشة له ثم ذراه ثم غربله ثم جش الواش منه.
فإذا فرغ من الشراء والحمل ثم من الجش ثم من التذرية ثم من الإدارة والغربلة ثم من جش الواش ثم من تذريته ثم من إدارته وغربلته كلف الأكار أن يطحنه على ثوره وفي رحاه.
فإذا طحنه كلفه أن يغلي له الماء وأن يحتطب له.
ثم يكلفه العجن لأنه بالماء الحار أكثر نزلاً.
ثم كلف الأكار أن يخبزه.
وقبل ذلك ما قد كلفهم أن ينصبوا له الشصوص للسمك ويسكروا الدرياجة على صغار السمك لا يدخلوا في السواقي فيدخلوا أيديهم في حجرة الشلابي والرمان.
فإن أصبنا من السمك شيئاً جعله كباباً على نار الخبز تحت الطابق حتى لا يحتاج من الحطب إلى كثير.
فلا نزال منذ غدوة إلى الليل في كد وجوع وانتظار.
ثم لا يكون عشاؤنا إلا خبز أرز أسود غير منخول - بالشلابي.
ولو قدر على غير ذلك فعل.
قلت له: فلم لا يتخذ موضع مذار من بعض دقاق أرضه فيذري لكم الأرز ثم يكون الخيار في يده إن أراد أن يعجل عليكم الطعام أطعمكم الفرد أو إن أحب أن يتأنى ليطعمكم الجوهري.
قال: والله لئن سمع هذا وعرفه ليتكلفه.
الله الله فينا فإنا قوم مساكين! ولو قدرنا على شيء لم نحتمل هذا البلاء! حدثني المكي قال: بت عند إسماعيل بن غزوان.
وإنما بيتني عنده حين علم أني تعشيت عند مويس وحملت معي قربة نبيذ.
فلما مضى من الليل أكثره وركبني النوم جعلت فراشي البساط ومرفقتي يدي وليس في البيت إلا مصلى له ومرفقة ومخدة.
فأخذ المخدة فرمى بها إلي فأبيتها ورددتها عليه.
وأبى وأبيت.
فقال: سبحان الله! يكون أن تتوسد مرفقك وعندي فضل مخدة فأخذتها فوضعتها تحت خدي فمنعني من النوم إنكاري للموضع ويبس فراشي.
وظن أني قد نمت.
فجاء قليلاً قليلاً حتى سل المخدة من تحت رأسي.
فلما رأيته قد مضى بها ضحكت وقلت: قد كنت عن هذا غنياً! قال: إنما جئت لأسوي رأسك! قلت: إني لم أكلمك حتى وليت بها.
قال: كنت لهذا جئت فلما صارت المخدة في يدي نسيت ما جئت له! والنبيذ - ما علمت - والله يذهب بالحفظ أجمع! وحدثني الحزامي والمكي والعروضي قالوا: سمعنا إسماعيل يقول: أوليس قد أجمعوا على أن البخلاء في الجملة أعقل من الأسخياء في الجملة ها نحن أولاء عندك جماعة فينا من يزعم أنه سخي وفينا من يزعم أنه بخيل.
فانظر أي الفريقين أعقل هأنذا وسهل بن هارون وخاقان بن صبيح وجعفر بن سعيد والحزامي والعروضي وأبو يعقوب الخريمي فهل معك إلا أبو إسحاق وحدثني المكي قال: قلت لإسماعيل مرة: لم أر أحداً قط أنفق على الناس من ماله فلما احتاج إليهم آسوه.
قال: لو كان ما يصنعون لله رضاً وللحق موافقاً لما جمع الله لهم الغدر واللؤم من أقطار الأرض.
ولو كان هذا الإنفاق في حقه لما ابتلاهم الله - جل ذكره - من جميع خلقه.
حدثني تمام بن أبي نعيم قال: كان لنا جار وكان له عرس.
فجعل طعامه كله فالوذقا.
فقيل له: إن المؤنة تعظم قال: أحتمل ثقل الغرم بتعجيل الراحة لعن الله النساء! ما أشك أن من أطاعهن شر منهن.
وحديث سمعناه على وجه الدهر: زعموا أن رجلاً قد بلغ في البخل غايته وصار إماماً وأنه كان إذا صار في يده الدرهم خاطبه وناجاه وفداه واستنبطه.
وكان مما يقول له: كم من أرض قد قطعت! وكم من كيس قد فارقت! وكم من خامل رفعت! ومن رفيع قد أخملت! لك عندي ألا تعرى ولا تضحي! - ثم يلقيه في كيسه ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذل ولا تزعج منه! - وأنه لم يدخل فيه درهماً قط فأخرجه وأن أهله ألحوا عليه في شهوة وأكثروا عليه في إنفاق درهم فدافعهم ما أمكن ذلك.
ثم حمل درهماً فقط.
فبينا هو ذاهب إذ رأى حواء قد أرسل على نفسه أفعى لدرهم يأخذه.
فقال في نفسه: أتلف شيئاً تبذل فيه النفس بأكلة أو شربة والله ما هذا إلا موعظة لي من الله! فرجع إلى أهله ورد الدرهم إلى كيسه - فكان أهله منه في بلاء.
وكانوا يتمون موته والخلاص بالموت أو الحياة.
فلما مات وظنوا أنهم قد استراحوا منه قدم ابنه فاستولى على ماله وداره.
ثم قال: ما كان أدم أبى فإن أكثر الفساد إنما يكون في الإدام.
قالوا: كان يأتدم بجبنة عنده.
قال: أرونيها.
فإذا فيها حز كالجدول من أثر مسح اللقمة! قال: ما هذه الحفرة قالوا: كان لا يقطع الجبن وإنما كان يمسح على ظهره فيحفر كما ترى! قال: فبهذا أهلكني وبهذا أقعدني هذا المقعد! لو علمت ذلك ما صليت عليه! قالوا: فأنت كيف تريد أن تصنع قال: أضعها من بعيد فأشير إليها باللقمة! ولا يعجبني هذا الحرف الأخير لأن الإفراط لا غاية له.
وإنما نحكي ما كان في الناس وما يجوز أن يكون فيهم أو حجة أو طريقة.
فأما مثل هذا الحرف فليس مما نذكره.
وأما سائر حديث هذا الرجل فإنه من البابة.
قال ابن جهانة الثقفية: عجبت ممن يمنع النبيذ طالبه لأن النبيذ إنما يطلب ليوم فصد أو يوم حجامة أو يوم زيارة زائر أو يوم أكل سمك طري أو يوم شربة دواء.
ولم نر أحداً طلبه وعنده نبيذ ولا ليدخره ويحتكره ولا لبيعه ويعتقد منه.
وهو شيء يحسن طلبه وتحسن هبته ويحسن موقعه.
وهو في الأصل كثير رخيص فما وجه منعه ما يمنعه عندي إلا من لاحظ له في أخلاق الكرام! وعلى أني لست أوجل - بما أهب منه - على نبيذي النقصان لأني إذا احتجت عن ندمائي بقدر ما أخرجت من نبيذي رجع إلى نبيذي على حاله وكنت قد تحمدت بما لا يضرني فمن ترك التحمد بما لا يضره كان من التحمد بما يضره أبعد.
فذكر ابن جهانة ماله من الكرم بهبة نبيذه ولم يذكر ما عليه من اللؤم بحجب ندمائه.
قال الأصمعي أو غيره: حمل بعض الناس مدينيا على برذون فأقامه على الارى.
فانتبه من نومه فوجده يعتلف.
ثم نام فانتبه فوجده يعتلف.
فصاح بغلامه: يا بن أم! بعه وإلا فهبه وإلا فرده وإلا فاذبحه! أنام ولا ينام! يذهب بحر مالي! ما أراد إلا استئصالي! قال أبو الحسن المدائني: كان بالمدائن تمار وكان بخيلاً.
وكان غلامه إذا دخل الحانوت يحتال فربما احتبس.
فاتهمه بأكل التمر فسأله يوماً فأنكر.
فدعا بقطنة بيضاء ثم قال: امضغها.
فمضغها.
فلما أخرجها وجد فيها حلاوة وصفرة قال: هذا دأبك كل يوم وأنا لا أعلم! أخرج من داري! وكان عندنا رجل من بني أسد إذا صعد ابن الأكار إلى نخلة له ليلقط له رطباً ملأ فاه ماء.
فسخروا به وقالوا له: إنه يشربه ويأكل شيئاً على النخلة.
فإذا أراد أن ينزل بآل في يده ثم أمسكه في فيه! والرطب أهون على أولاد الأكرة وعلى أولاد غير الأكرة من أن يحتمل فيه أحد شطر هذا المكروه ولا بعضه.
قال: فكان بعدها يملأ فاه من ماء أصفر أو أحمر أو أخضر لكي لا يقدر على مثله في رءوس النخل! وحدثني المصري وكان جار الداردريشي وماله لا يحصى.
قال: فانتهر سائلاً ذات يوم وأنا عنده.
ثم وقف عليه آخر فانتهره إلا أن ذلك بغيظ وحنق.
قال: فأقبلت عليه فقلت له: ما أبغض إليك السؤال! قال: أجل عامة من ترى منهم أيسر مني.
قال: فقلت: ما أظنك أبغضتهم لهذا.
قال: كل هؤلاء لو قدروا على داري لهدموها وعلى حياتي لنزعوها! أنا لو طاوعتهم فأعطيتهم كما سألوني كنت قد صرت مثلهم منذ زمان! فكيف تظن بغضي يكون لمن أرادني على هذا وكان أخوه شريكه في كل شيء.
وكان في البخل مثله.
فوضع أخوه في يوم جمعة بين أيدينا ونحن على بابه طبق رطب يساوي بالبصرة دانقين.
فينا نحن نأكل إذ جاء أخوه فلم يسلم ولم يتكلم حتى دخل الدار.
فأنكرنا ذلك.
وكان يفرط في إظهار البشر ويجعل البشر وقاية دون ماله.
وكان يعلم أنه إن جمع بين المنع والكبر قتل.
قال: ولم نعرف علته ولم يعرفها أخوه.
فلما كان الجمعة الأخرى دعا أيضاً أخوه بطبق رطب.
فبينا نحن نأكل إذ خرج من الدار ولم يسلم ولم يقف.
فأنكرنا ذلك ولم ندر أيضاً ما قصته.
فلما أن كان في الجمعة الثالثة ورأى مثل ذلك كتب إلى أخيه: يا أخي! كانت الشركة بيني وبينك حين لم يكثر الولد ومع الكثرة يقع الاختلاف.
ولست آمن أن يخرج ولدي وولدك إلى مكروه.
وها هنا أموال باسمي ولك شطرها وأموال باسمك ولي شطرها وصامت في منزلي وصامت في منزلك لا نعرف فضل بعض ذلك على بعض.
وإن طرقنا أمر الله ما ركدت الحرب بين هؤلاء الفتية وطال الصخب بين هؤلاء النسوة.
فالرأي أن تتقدم اليوم فيما يحسم منهم هذا السبب.
فلما قرأ أخوه كتابه تعاظمه ذلك وهاله وقلب الرأي ظهراً لبطن فلم يزده التقليب إلا جهلاً.
فجمع ولده وغلظ عليهم وقال: عسى أن يكون أحد منكم قد أخطأ بكلمة واحدة أو يكون هذا البلاء من جرائر النساء.
فلما عرف براءة ساحة القوم تمشى إليه حافياً راجلاً فقال: ما يدعوك إلى القسمة والتمييز أدع صلحاء أهل المسجد الساعة حتى أشهدهم بأني وكيل لك في هذه الضياع وحول كل شيء في منزلي إلى منزلك وجرب ذلك مني الساعة.
فإن وجدتني أروغ وأعتل فدونك - فحاجتي الآن أن تخبرني بذنبي.
قال: مالك من ذنب وما من القسمة من بد.
فأقام عنده فلما طال عليه الأمر وبلغ منه الجهد قال له: حدثني عن وضعك أطباق الرطب وبسطك الحصر في السكك وإحضارك الماء البارد وجمعك الناس على بابي في كل جمعة! كأنك ظننت أنا كنا عن هذه المكرمة عمياً! إنك إذا أطعمتهم اليم البرني أطعمتهم غداً السكر وبعد غد الهلبات.
ثم يصير ذلك أيام الجمع في سائر أيام الأسبوع.
ثم يتحول الرطب إلى الغداء ثم يؤدي الغداء إلى العشاء.
ثم تصير إلى الكساء ثم الأجداء ثم الحملان ثم اصطناع الصنائع! والله إني لأرثي لبيوت الأموال لخراج المملكة من هذا فكيف بمال تاجر جمعه من الحبات والقراريط والدوانيق والأرباع والأنصاف قال: جعلت فداك! تريد ألا آكل رطبة أبداً فضلاً على غير ذلك فلا والله لا كلمتهم أبداً! قال: إياك أن تخطئ مرتين: مرة في إطماعهم فيك ومرة في اكتساب عداوتهم.
أخرج من هذا الأمر على حساب ما دخلت فيه وتسلم تسلم.
كان أبو الهذيل أهدى إلى مويس دجاجة.
وكانت دجاجته التي أهداها دون ما كان يتخذ لمويس.
ولكنه بكرمه وبحسن خلقه أظهر التعجب من سمنها وطيب لحمها.
وكان يعرف بالإمساك الشديد.
فقال: وكيف رأيت يا أبا عمران تلك الدجاجة قال: كانت عجباً من العجب! فيقول: وتدري ما جنسها وتدري ما سنها فإن الدجاجة إنما تطيب بالجنس والسن.
وتدري بأي شيء كنا نسمنها.
- فلا يزال في هذا والآخر يضحك ضحكاً نعرفه نحن ولا يعرفه أبو الهذيل.
وكان أبو الهذيل أسلم الناس صدراً وأوسعهم خلقاً وأسهلهمسهولة.
فإن ذكروا دجاجة قال: أين كانت يا أبا عمران من تلك الدجاجة فإن ذكروا بطة أو عناقاً أو جزوراً أو بقرة قال: فأين كانت هذه الجزور في الجزر من تلك الدجاجة في الدجاج وإن استسمن أبو الهذيل شيئاً من الطير والبهائم قال: لا والله ولا تلك الدجاجة! وإن ذكروا عذوبة الشحم قال: عذوبة الشحم في البقر والبط وبطون السمك والدجاج ولا سيما ذلك الجنس من الدجاج.
وإن ذكروا ميلاد شيء أو قدوم إنسان قال: كان ذلك بعد أن أهديتها لك بسنة وما كان بين قدوم فلان وبين البعثة بتلك الدجاجة إلا يوم.
وكانت مثلاً في كل شيء وتاريخاً في كل شيء! وأقبل مرة على محمد بن الجهم وأنا وأصحابنا عنده فقال: إني رجل منخرق الكفين لا أليق شيئاً.
ويدي هذه صناع في الكسب ولكنها في الإنفاق خرقاء! كم تظن من مائة ألف درهم قسمتها على الإخوان في مجلس أبو عثمان يعلم ذلك! أسألك بالله يا أبا عثمان هل تعلم ذلك فقلت: يا أبا الهذيل ما نشك فيما تقول - فلم يرض باحتضاري هذا الكلام حتى وكان أبو سعيد المدائني إماماً في البخل عندنا بالبصرة.
وكان من كبار المغتنين ومياسيرهم.
وكان شديد العقل شديد العارضة حاضر الحجة بعيد الروية.
وكنت أتعجب من تفسير أصحابنا لقول العرب في لؤم اللئيم الراضع: قال أصحابنا: كل لئيم بخيل وليس كل بخيل لئيماً لأن اسم اللئيم يقع على البخل وعلى قلة الشكر وعلى مهانة النفس وعلى أن له في ذلك عرفاً متقدماً.
قال أبو زيد: هو لئيم وملائم.
فاللئيم ما فسرت والملام الذي يقوم بعذر اللئيم.
فأما اللئيم الراضع فالذي لا يحلب في الإناء ويرضع الخلف مخافة أن يضيع من اللبن شيء.
قال ثوب بن شحمة العنبري في امرأته الهمدانية: وحديث لا مجة التي حدثتني تدع الإناء تشرباً للقادم القادمان: الخلفان المقدمان.
فلما بلغه ذلك عنها طلقها.
فلما طلقها قيل له: إن البخل إنما يعيب الرجال ومتى سمعت بامرأة هجيت في البخل قال: ليس ذلك بي.
أخاف أن تلد لي مثلها.
قال رافع بن هريم: .
.
.
.
.
.
.
.
.
تحلب قاعداً وتلمج أحياناً وقبعك حاضر يدعوا الله أن يجعله صاحب شاء ولا يجعله صاحب إبل وأن يرتضع من الخلف وإن كان معه إناء.
والعربي يماري على صاحبه فيقول: إن كنت كاذباً فاحتلبت قاعداً: أي أبدلك الله بكرم الإبل لؤم الغنم.
فكيف يتعجب من لؤم الراضع وصنع أبو سعيد المدائني أعظم من ذلك اصطبغ من دون خل وهو قائم حتى فني ولم يخرج منه قليلاً ولا كثيراً.
وكانت له حلقة يقعد فيها أصحاب الغنية والبخلاء الذين يتذاكرون الإصلاح.
فبلغهم أن أبا سعيد يأتي الحربية في كل يوم ليقتضي رجلاً هناك خمسة دراهم فضلت عليه وقالوا: هذا خطأ عظيم وتضييع كثير.
وإنما الحزم أن يتشدد في غير تضييع.
وصاحبنا هذا قد رجع على نفسه بضروب من البلاء.
فاجتمعوا عليه على طريق التفرغ له والاستفادة منه.
قالوا: نراك تصنع شيئاً لا نعرفه والخطأ منك أعظم منه من غيرك.
قد أشكل علينا هذا الأمر فأخبرنا عنه فقد ضاقت صدورنا به: خبرنا عن مضيك إلى الحربية لتقتضي خمسة دراهم فواحدة: أنا لا نأمن عليك انتقاض بدنك وقد خلا ما خلا من سنك وأن تعتل فتدع التقاضي الكثير بسبب القليل.
وثانية: أنك إن تنصب هذا النصب فلا بد لك من أن تزداد في العشاء إن كنت ممن يتعشى أو تتعشى إن وبعد فإنك تحتاج أن تشق وسط السوق وعليك ثيابك والحمولة تستقبلك.
فمن هاهنا نترة ومن هاهنا جذبة فإذا الثوب قد أودى.
ومن ذلك أن نعلك تنقب وترق وساق سراويلك تتسخ وتبلى ولعلك أن تعثر في نعلك فتقدها قداً ولعلك أن تهرتها هرتاً.
وبعد فاقتضاء القليل أدلى بك إلى هذا لو بلغت منه شيئاً.
وإنك أفضل إلا أنا نحب أنك تجاى عن الأمر بشيء فليس كلنا يثق لك بالصواب في كل شيء.
قال أبو سعيد: أما ما ذكرتم من انتفاض البدن فإن الذي أخاف على بدني من الدعة ومن قلة الحركة أكثر.
وما رأيت أصح أبداناً من الحمالين والطوافين.
والقوم قبلى إن يموتوا لم يكن لهم تلك عادة.
أو ليس يقول الناس: والله لفلان أصح من الجلاوزة - يعني اختلاف الجلاوزة في العدو -.
ولربما أقمت في المنزل لبعض الأمر فأكثر الصعود والنزول خوفاً من قلة الحركة.
وأما التشاغل بالبعيد عن القريب فإني لا أعرض للبعيد حتى أفرغ من القريب.
وأما ما ذكرتم من الزيادة في الطعام فقد أيقنت نفسي واطمأن قلبي على أنه ليس لنفسي عندي إلا ما لها وأنها إن حاسبتني أيام النصب حاسبتها أيام الراحة فستعلم حينئذ أين أيام الحربية من أيام ثقيف وأما ما ذكرتم من تلقى الحمولة ومن مزاحمة أهل السوق ومن النتر والجذب فأنا أقطع عرض وأما ما ذكرتم من شأن النعل والسراويل فإني من لدن خروجي من منزلي إلى أن أقرب من باب صاحبي فإنما نعلي في يدي وسروايلي في كمي! فإذا صرت إليه لبستهما! فإذا فصلت من عنده خلعتهما! فهما في ذلك اليوم أودع أبداناً وأحسن حالاً! بقي الآن لكم مما ذكرتم شيء قالوا: لا.
قال: فها هنا واحدة تفي بجميع ما ذكرتم.
قالوا: وما هي إذا علم القريب الدار ومن لي عليه ألوف الدنانير شدة مطالبتي للبعيد الدار ومن ليس لي عليه إلا الفلوس أتي بحقي ولم يطمع نفسه في مالي.
وهذا تدبير يجمع لي إلى رجوع مالي طول راحة بدني.
ثم أنا بالخيار في ترك الراحة لأني أقسمها على الأشغال حينئذ كيف شئت.
وأخرى أن هذا القليل لو لم يكن فضلة من كثير وموصلاً بدين لي مشهور لجاز أن أتجافى عنه.
فأما أن أدع شيئاً يطمع في فضول ما يبقي على الغرماء فهذا ما لا يجوز.
فقاموا وقالوا بأجمعهم: لا والله لا سألناك عن مشكلة! حدثني أحمد المكي أخو محمد المكي - وكان متصلاً بأبي سعيد - نسيت القنية ونسيت صنعة المال لأعاجيب أبي سعيد وحديثه قال أحمد: قلت له مرة: والله إنك لكثير المال وإنك لتعرف ما نجهل وإن قميصك وسخ فلم لا تأمر بغسله قال: فلو كنت قليل المال وأجهل ما تعرف كيف كان قولك لي إني قد فكرت في هذا منذ ستة أشهر فما وضح لي بعد الأمر فيه.
أقول مرة: الثوب إذا اتسخ أكل البدن كما يأكل الصدأ الحديد والثوب إذا ترادفه العرق وجف وتراكم عليه الوسخ ولبد أكل السلك وأحرق الغزل.
هذا مع نتن ريحه وقبح منظره.
وبعد فإني رجل آتي أبواب الغرماء وغلمان غرمائي جبابرة.
فما ظنك بهم إذا رأوني في أطمار وسخة وأسمال درنة وحال حداد جبهوا مرة وحجبوا مرة فيرجع ذلك علينا بمضرة.
من إصلاح المال أن ينفي عنه كل ما أعان على حبسه مع ما يدخل من الغيظ ويلقي من كان كذلك من المكروه.
فإذا اجتمعت هذه الخواطر هممت نغسلها فإذا همت به عارضني معارض يوهمني أنه أتاني من جهة الحزم ومن قبل العقل فقال: أول ذلك الغرم الذي يكون في الماء والصابون.
والجارية إذا ازدادت عناء ازدادت أكلاً.
والصابون نورة والنورة تأكل الثوب.
وإن انحزق لا يزال الثوب على خطر حتى يسلم إلى العصر والدق.
ثم إذا ألقي على الرسن فهو بعرض الجذبة والنترة والعلق.
ولابد من الجلوس يومئذ في البيت.
ومتى جلست في البيت فتحوا علينا أبواباً من النفقة وأبواباً من الشهوات.
والثياب لابد لها من دق.
فإن نحن دققناها في المنزل قطعناها.
وإن نحن أسلمناها إلى القصار فغرم على غرم.
وعلى أنه ربما أنزل بها من المكروه ما هو أشد.
وما جلست في المنزل قط إلا أرجف بي الغرماء وادعوا على الأمراض والأحداث.
وفي ذلك لهم فساد والتواء وطمع لم يكن عندهم.
فإذا أنا لبستها وقد ابيضت وحسنت وخفت وطابت تبينت عند ذلك وسخ جسدي وكثرة شعري وقد كان بعض ذلك موصولاً ببعض فعرفته فاستبان لي ما لم يكن يستبين واكترثت لما لم أكن اكترثت له فيصير ذلك مدعاة إلى دخول الحمام.
فإن دخلته فغرم ثقيل مع المخاطرة بالثياب.
ولي امرأة جميلة شابة.
فإذا رأتني قد أطليت وغسلت رأسي وبيضت ثوبي عارضتني بالتطيب وتلبس أحسن ثيابها! مع أمور كثيرة نسي بعضها أحمد وبعضها أنا.
وكان أبو سعيد هذا مع بخله أشد الناس نفساً وأحماهم أنفاً.
بلغ من أمره في ذلك ومن بلوغه فيه أنه أتى رجلاً من ثقيف يقتضيه ألف دينار وقد حل عليه المال.
فكان ربما أطال عنده الجلوس.
ويحضر عنده الغداء فيتغدى معه.
وهو في ذلك يقتضيه.
فلما طال عليه المطل قال له يوماً وهو على خوانه: إن لهذا المال زكاة مؤداة وقد علمنا أنا حين أخرجنا هذا المال من أيدينا أنه معرض للذهاب وللمنازعة الطويلة ولأن يقع في الميراث.
ثم رضينا منك بالريح اليسير بالذي ظنناه بك من حسن القضاء.
ولولا ذلك لم نرض بهذا المال.
وهذا المال إذا كان شرطه أن يرجع بعد سنة فرفهت عنك بحسن المطالبة شهراً أو شهرين ثم مكث عندي إلى أن أصبت له مثلك شهراً أو شهرين سحق فضله وخرج علينا فضل.
ومثلك يكتفي بالقليل.
وقد طال اقتضائي وطال تغافلك.
يقول هذا الكلام وهو في ذلك لا يقطع الأكل - فأقبل عليه رجل من ثقيف فعرض له بأنه لو أراد التقاضي محضاً لكان ذلك في المسجد ولم يكن في الموضع الذي يحضر فيه الغداء.
فقطع الأكل ثم نزا في وجهه الدم ونظر إليه نظر الجمل الصول ثم كاد يطير! ثم أقبل عليه فقال: لا أم لك! أنا إنما اصطبغت من دن خل حتى فني من حسن العقل.
وأحببت الغنى بفضل بغضي للفقر وأبغضت الفقر بفضل أنفتي من احتمال الذل.
تعرض لي - لا أم لك! - بأني أرغب في غدائه.
والله ما أكلت معه إلا ليستحي من حرمة المؤاكلة وليصير كرمه سبباً لتعجيل الحاجة.
ثم نهض بالصك وعليه طينته فاعترض بها الحائط حتى كسرها.
ثم تفل في الكتاب وحك بعضه ببعض.
ثم مزقه ورمى به.
ثم قال لكل من شهد المجلس: هذه ألف دينار كانت لي على أبي فلان اشهدوا جميعاً أني قد قبضت منه وأنه برئ من كل شيء أطالبه.
ثم نهض.
فلما صنع ما صنع أقبل الغريم على صاحبه فقال: ما دعاك إلى هذا الكلام ثم تقول لهذا الرجل على مائدتي! وتقدم بهذا الكلام على من لا تعرف كيف موقع الأمور منه وبعد فقد والله أردت مطله إلى أن أبيع الثمر ورجونا حلاوته.
فقد أحسنت إليه وأسأت إلينا وعجلت عليه ماله.
اذهب يا غلام فاضرب بذلك الثمر السوق فيعه بما بلغ! فأخذ ماله كملاً.
ثم ركب إليه فأبى أن يأخذه.
فلما كثر الأمر في ذلك قال: أظن الذي دعا صاحبك إلى ما قال أنه عربي وأنا مولى.
فإن جعلت شفعاءك من الموالي أخذت هذا المال وإن لم تفعل فإني لا آخذه.
فجمع الثقفي كل شعوبي بالبصرة حتى طلبوا إليه حتى أخذ المال.
وكان أبو سعيد ينهى خادمه أن تخرج الكساحة من الدار وأمرها أن تجمعها من دور السكان وتلقيها على كساحتهم.
فإذا كان في الحين جلس وجاءت الخادم ومعها زبيل فعزلت بين يديه من الكساحة زبيلاً ثم فتشت واحداً واحداً.
فإن أصاب قطع دراهم وصرة فيها نفقة والدينار أو قطعة حلي - فسبيل ذلك معروف.
وأما ما وجد فيه من الصوف فكان وجهه أن يباع - إذا اجتمع - من أصحاب البراذع.
وكذلك قطع الأكسية.
وما كان من خرق الثياب فمن أصحاب الصينيات والصلاحيات.
وما كان من قشور الرمان فمن الصباغين والدباغين.
وما كان من القوارير فمن أصحاب الزجاج.
وما كان من نوى التمر فمن أصحاب الحشوف.
وما كان من نوى الخوخ فمن أصحاب الغرس.
وما كان من المسامير وقطع الحديد فللحدادين.
وما كان من القراطيس فللطراز.
وما كان من الصحف فلرءوس الجرار.
وما كان من قطع الخشب فللا كافين.
وما كان من قطع العظام فللوقود.
وما كان من قطع الخرق فللتنانير الجدد.
وما كان من إشكنج فهو مجموع للبناء ثم يحرك ويثار ويخلل حتى يجتمع قماشه.
ثم يعزل للتنور.
وما كان من قطع القار بيع من القيار.
وإذا بقي التراب خالصاً وأراد أن يضرب منه اللبن للبيع وللحاجة إليه لم يتكلف الماء ولكن يأمر جميع من في الدار ألا يتوضئوا ولا يغتسلوا إلا عليه.
فإذا ابتل ضربه لبناً! وكان يقول: من لم يتعرف الاقتصاد تعرفي فلا يتعرض له.
وذهب من ساكن له شيء كبعض ما يسرق من البيوت.
فقال لهم: اطرحوا الليلة تراباً فعسى أن يندم من أخذه فيلقيه في التراب.
ولا ينكر مجيئه إلى ذلك المكان لكثرة من يجيء لذلك.
فاتفق أن طرح ذلك الشيء المسروق في التراب - وكانوا يطرحونه على كناسته - فرآه قبل أن يراه المسروق منه.
فأخذ منه كراء الكساحة! فهذا حديث أبي سعيد! تمشى قوم إلى الأصمعي مع تاجر كان اشترى ثمرته بخسران كان ناله وسأله حسن النظر والحطيطة.
فقال الأصمعي: أسمعتم بالقسمة الضيزى هي والله ما تريدون شيخكم عليه! اشترى مني على أن يكون الخسران علي والربح له! هذا وأبيكم تجارة أبي العنبس! اذهبوا فاشتروا على طعام العراق على هذا الشرط! على أني والله ما أدري أصادق هو أم كاذب.
وها هنا واحدة وهي لكم دوني ولابد من أن أحتمل لكم إذ لم تحتملوا لي.
والله ما مشيتم معه إلا وأنتم توجبون حقه وتوجبون رفده.
لو كنت أوجب له مثل ما توجبون لقد كنت أغنيته عنكم.
وأنا لا أعرفه ولا يصريني بحق.
فهلموا نتوزع هذه الفضلة بيننا بالسوية.
هذا أحسن ممن احتمل حقاً لا يجب عليه في رضا من يجب ذلك عليه.
فقاموا ولم يعودوا.
فخرج إليه التاجر من حقه وأيس مما قبله.
حدثني جعفر ابن أخت واصل قال: قلت لأبي عيينة: قد أحسن الذي سأل امرأته عن اللحم فقالت: أكله السنور.
فوزن السنور ثم قال: هذا اللحم فأين السنور قال: كأنك تعرض بي! قال: قلت: إنك والله أهل ذلك: شيخ قد قارب المائة وعليه فاضلة وعياله قليل ويعطي الأموال على مذاكرة العلم والعلم لذته وصناعته.
ثم يرقي إلى جوف منزله! وأنت رجل لك في البستان ورجل في أصحاب الفسيل ورجل في السوق ورجل في الكلاء: تطلب من هذا وقر جص ومن هذا وقر آجر ومن هذا قطعة ساج.
ومن هذا هكذا! ما هذا الحرص وما هذا الكد وما هذا الشغل لو كنت شاباً بعيد الأمل كيف كنت تكون ولو كنت مديناً كثير العيال كيف كنت تكون وقد رأيتك فيما حدث تلبس الأطمار وتمشي حافياً نصف النهار - قال: ثم أجمجم.
بلغني أنك فقدت قطعة بطيخ فألححت في المسألة عنها فقيل لك: أكلها السنور.
فرميت بباقي القطعة قدام السنور لتمتحن صدقهم من كذبهم! فلما لم يأكله غرمتهم ثمن البطيخة كما هي! قالوا لك: كان الليل.
فإن لم تكن التي أكلته من سنانير الجيران وكان الذي أكله سنورنا هذا فإنك رميت إليه بالقطعة وهو شبعان منه.
فأنظرنا ولا تغرمنا نمتحنه في حال غير هذه.
فأبيت إلا إغرامهم! قال: ويلك! إني والله ما أصل إلى منعهم من الفساد إلا ببعض.
وقد قال زياد في خطبته: إني والله ما أصل منكم إلى أخذ الحق حتى أخوض الباطل إليكم خوضاً.
وأما ما لمتني عليه اتفاقاً فإنما ذهبت إلى قوله: لو أن في يدي فسيلة ثم قيل لي: إن القيامة تقوم الساع لبادرتها فغرستها.
وقد قال أبو الدرداء في وجعه الذي مات فيه: زوجوني فإني أكره أن ألقي الله قال مكرز: العجز فراش وطئ لا يستوطئه إلا الفشل الدثور.
وقال عبد الله بن وهب: حب الهويني يكسب النصب.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم والراحة فإنها غفلة.
وقال: لو أن الصبر والشكر بعيران ما باليت أيهما أركب.
وقال: تمعددوا واخشوشنوا واقطعوا الركب واركبوا الخيل نزوا.
وقال لعمرو بن معد يكرب حين شكا إليه الحقاء: كذبت عليك الظهائر.
وقال: احتفوا فإنكم لا تدرون متى تكو الحفلة.
وقال: إن يكن الشغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة.
وقال لسعيد بن حاتم: احذر النعمة كحذرك من المعصية ولهي أخوفهما عليك عندي.
وقال: أحذركم عاقبة الفراغ فإنه أجمع لأبواب المكروه من الشغل.
وقال أكثم بن صيفي: ما أحب أني مكفي كل أمر الدنيا.
قالوا: وإن أسمنت وألبنت قال: نعم أكره عادة العجز.
أفتراني أدع وصايا الأنبياء وقول الخلفاء وتأديب العرب وآخذ بقولك وتغدى محمد بن الأشعث عند يحيى بن خالد.
فتذاكروا الزيت وفضل ما بينه وبين السمن وفضل ما بين الأنفاق وزيت الماء.
فقال محمد: عندي زيت لم ير الناس مثله.
قال يحيى: لا تؤتي منه بشيء فدعا يحيى غلامه.
فقال: إذا دخلت الخزانة فانظر الجرة الرابعة عن يمينك إذا دخلت فجئنا منه بشيء.
قال يحيى: ما يعجبني السيد يعرف موضع زيته وزيتونه.
وقرب خباز أسد بن عبد الله إليه وهو على خراسان شواء قد أنضجه نضجاً وكان يعجبه ما رطب من الشواء.
فقال لخبازه: أتظن أن صنيعك يخفى علي إنك لست تبالغ في إنضاجه لتطييبه ولكن تستحلب جميع دسمه فتنتفع بذلك منه! فبلغت أخاه فقال: رب جهل خير من علم! وكان رجل يغشى طعام الجوهري وكان يتحرى وقته ولا يخطئ.
فإذا دخل والقوم يأكلون وحين وضع الخوان قال: لعن الله القدرية! من كان يستطيع أن يصرفني عن أكل الطعام وقد كان في اللوح المحفوظ أني سآكله فلما أكثر من ذلك قال له رياح: تعال بالعشي أو بالغداة.
فإن وجدت شيئاً فالعن القدرية والعن آباءهم وأمهاتهم! وجاء غلام إلى خالد بن صفوان بطبق خوخ - إما أن يكون هدية وإما أن غلامه جاء به من البستان - فلما وضعه بين يديه قال: لولا أني أعلم أنك قد أكلت منه لأطعمتك واحدة! وقال رمضان: كنت مع شيخ أهوازي في جعفرية.
وكنت في الذنب وكان في الصدر.
فلما جاء وقت الغداء أخرج من سلة له دجاجة وفرخاً واحداً مبرداً.
وأقبل يأكل ويتحدث ولا يعرض علي.
وليس في السفينة غيري وغيره! فرآني أنظر إليه مرة وإلى ما بين يديه مرة.
فتوهم أني أشتهيه واستبطئه.
فقال لي: لم تحدق النظر من كان عنده أكل مثلي ومن لك يكن عنده نظر مثلك!.
قال: ثم نظر إلي وأنا أنظر إليه فقال: يا هناه أنا رجل حسن الأكل لا آكل إلا طيب الطعام.
وأنا أخاف أن تكون عينك مالحة وعين مثلك سريعة.
فاصرف عني وجهك.
قال: فوثبت عليه فقبضت على لحيته بيدي اليسرى ثم تناولت الدجاجة بيدي اليمنى.
فما زلت أضرب بها رأسه حتى تقطعت في يدي! ثم تحول إلى مكاني فمسح وجهه ولحيته.
ثم أقبل علي فقال: قد أخرتك أن عينك مالحة وأنك ستصيبني بعين! قلت: وما شبه هذا من العين قال إنما العين مكروه يحدث.
فقد أنزلت بنا عينك أعظم المكروه! فضحكت ضحكاً ما ضحكت مثله.
وتكالمنا حتى كأنه لم يقل قبيحاً وحتى كأني لم أفرط عليه.
هذه ملتقطات أحاديث أصحابنا وأحاديثنا وما رأينا بعيوننا.
فأما أحاديث الأصمعي وأبي عبيدة وأبي الحسن فإني لم أجد منها ما يصلح لهذا الموضع إلا ما قد كتبته في هذا الكتاب وهي بضعة عشر حديثاً.
قالوا: كان للمغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي وهو على الكوفة جدي يوضع على مائدته بعد الطعام.
ولم يكن أحد يمسه إذ كان هو لا يمسه! فأقدم عليه أعرابي يوماً ولم يعرف سيرة أصحابنا فيه فلم يرض بأكل لحمه حتى تعرق عظمه.
فقال له المغيرة: يا هذا! تطالب عظام هذا الجدي بذحل هل نطحتك أمه وكان الأصمعي يقول: إنما قال: يا هذا! تطالب عظام هذا البائس بذحل هل نطحتك أمه.
قال: وكان على شرطته عبد الرحمن بن طارق فقال لرجل من الشرط: إن أقدمت على جدي الأمير أسقطت عنك نوبة سنة.
فبلغه ذلك فشكاه إلى الحجاج فعزله وولي مكانه زياد بن جديد.
فكان أثقل عليه من عبد الرحمن.
ولم يقدر على عزله إذ كان من قبل الحجاج.
فكان المغيرة إذا خطب قال: يا أهل الكوفة! من بغاكم الغوائل وسعى بكم إلى أميركم فلعنه الله ولعن أمه العوراء! وكانت أم زياد عوراء.
فكان الناس يقولون: ما رأينا تعريضاَ قط أطيب من تعريضه!.
قالوا: وكان لزياد الحارثي جدي لا يمسه ولا يمسه أحد! فعشي في شهر رمضان قوماً فيهم أشعب.
فعرض أشعب للجدي من بينهم.
فقال زياد: أما لأهل السجن إمام يصلي بهم قالوا: لا.
قال: فليصل بهم أشعب.
فقال أشعب: أو غير هذا - أصلح الله الأمير - قال: وما هو قال: أحلف بالمحرجات ألا آكل لحم جدي أبداً! قالوا: دعا عبد الملك بن قيس الذئبي رجلاً من أشراف أهل البصرة.
وكان عبد الملك بخيلاً على الطعام جواداً بالدراهم.
فاستصحب الرجل ساكناً.
فلما رآه عبد الملك ضاق به ذرعاً.
فأقبل عليه فقال له: ألف درهم خير لك من احتباسك علينا! واحتمل غرم ألف درهم ولم يحتمل أكل رغيف! وتناول أعرابي من بين يدي سليمان بن عبد الملك دجاجة فقال له: يكفيك ما بين يديك وما يليك.
قال الأعرابي: ومنها شيء حمى قال: فخذها لا بورك لك فيها! قال: وكان معاوية تعجبه القبة.
وتغدى معه ذات يوم صعصعة بن صوحان فتناولها صعصعة من بين يدي معاوية.
قال معاوية: إنك لبعيد النجعة! قال صعصعة: من أدب انتجع! وقال: دخل هشام بن عبد الملك حائطاً له فيه فاكهة وأشجار وثمار ومعه أصحابه.
فجعلوا يأكلون ويدعون بالبركة! فقال هشام: يا غلام! اقلع هذا واغرس مكانه الزيتون! قال: وكان المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي يأكل تمراً هو وأصحابه.
فانطفأ السراج.
وكانوا يلقون النوى في طست.
فسمع صوت نواتين فقال: من هذا الذي يلعب بكعبين وقالوا: باع حويطب بن عبد العزى داراً من معاوية بخمسة وأربعين ألف دينار.
فقيل له: أصبحت كثير المال.
قال: وما منفعة خمسة وأربعين ألفاً مع ستة من العيال وقالوا: سأل خالد بن صفوان رجل فأعطاه درهماً فاستقله السائل فقال: يا أحمق! إن الدرهم عشر العشرة وإن العشرة عشر المائة وإن المائة عشر الألف وإن الألف عشر العشرة الآلاف.
أما ترى كيف ارتفع الدرهم إلى دية مسلم! قالوا: كان بلال بن أبي بردة قد خاف الجذام وهو والي البصرة.
فوصفوا له الاستنقاع في السمن.
وكان يفطر الناس في شهر رمضان.
فكانوا يجلسون حلقاً وتوضع لهم الموائد.
فإذا أقام المؤذن نهض بلال إلى الصلاة ويستحي الآخرون.
فإذا قاموا إلى الصلاة جاء الخبازون فرفعوا الطعام! قال: واحتقن عمر بن يزيد الأسدي بحقنة فيها أدهان.
فلما أدهان.
فلما حركته بطنه كره أن يأتي الحلاء فتذهب تلك الأدهان.
فكان يجلس في الطست ويقول: صفوا هذا فإنه يصلح للسراج! قال: وخبرنا جار له قال: رأيته يتخلل من الطعام بخلال واحد شهراً كلما تغدى حذف من وقالوا: كان ذراع الذراع مع خالد بن صفوان.
فوضعوا بين يديه دجاجة وبين يديه شيء من زيتون.
فجعل يلحظ الدجاجة.
فقال: كأنك تهم بها! قال: ومن يمنعني قال: إذا أصير أنا وأنت في مالي سواء! قال: ومد يده أبو الأشهب إلى شيء بين يدي نميلة بن مرة السعدي فقال: إذا أفردت بشيء فلا تعترض لغيره.
قالوا: ومات وعليه للدقاق وحده ثمانون ألف درهم لكثرة طعامه! وقالوا: كان الحكم بن أيوب الثقفي عاملاً للحجاج على البصرة.
واستعمل على العرق جرير بن بيهس المازني ولقب جرير العطرق.
فخرج الحكم يتنزه وهو باليمامة.
فدعا العطرق إلى غدائه.
فكل معه فتناول دراجة كانت بين يديه.
فعزله وولي مكانه نويرة المازني.
فقال نويرة وهو ابن عم العطرق: قد كان في العرق صيد لو قنعت به فيه غنى لك عن دراجة الحكم وفي عوارض لا تنفك تأكلها لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم! وفي وطاب مملاة مثممة فيها الصريح الذي يشفي من القرم ولما ولي مكانه نويرة بلغه أنه ابن عم له فعزله.
فقال نويرة: ولا ساق سراق العراقة صالح بني ولا كلفت ذنب العطرق وتناول رجل من قدام أمير كان لنا ضخم بيضة فقال: خذها فإنها بيضة العقر.
فلم يزل محجوباً حتى مات.
وأتي ضيعة له يتنزه إليها ومعه خمسة رجال من خاصته وقد حملوا معه طعام خمسمائة وثقل عليه أن يأكلوا معه واشتد جوعه فجلس على مشارة بقل.
فأقبل ينتزع الفجلة فيطوي جزرتها بعرقها ثم يأكلها من غير أن تغسل من كلب الجوع ويقول لواحد منهم كان أقرب الخمسة إليه مجلساً: لو ذهب هؤلاء الثقلاء لقد أكلنا! قالوا: وأكل عبد الرحمن بن أبي بكرة على خوان معاوية فرأى لقم عبد الرحمن.
فلما كان بالعشي وراح إليه أبو بكرة قال: ما فعل ابنك التلقامة قال: اعتل.
قال: مثله لا يعدم العلة! وأكل أعرابي مع أبي الأسود الدؤلي فرأى له لقماً منكراً وهاله ما يصنع.
قال له: ما اسمك قال لقمان.
قال: صدق أهلك أنت لقمان! قالوا: وكان له دكان لا يسع إلا مقعده وطبيقاً يوضع بين يديه وجعله مرتفعاً ولم يجعل له عتباً كي لا يرتقي إليه أحد.
قالوا: فكان أعرابي يتحين وقته ويأتيه على فرس فيصير كأنه معه على الدكان.
فأخذ دبة وجعل فيها حصى واتكأ عليها.
فإذا رأى الأعرابي قد أقبل أراه كأنه يحول متكأه.
فإذا قعقعت الدبة بالحصى نفر الفرس.
قالوا: فلم يزل الأعرابي يدينه ويقعقع هو به حتى نفر منه فصرعه.
فكان لا يعود بعد ذلك إليه. رسالة أبي العاص بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي إلى الثقفي
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن جلوسك إلى الأصمعي وعجبك بسهل بن هارون واسترجاحك إسماعيل بن غزوان وطعمك على مويس بن عمران وخلطتك بابن مشارك واختلافك إلى ابن التوأم وإكثارك من ذكر المال وإصلاحه والقيام عليه واصطناعه وإطنابك في وصف النرويج والتثمير وحسن التعهد والتوفير - دليل على خبئ سوء وشاهد على عيب وإدبار بعد أن كنت تستثقل ذكرهم وتستشنع فعلهم وتتعجب من مذهبهم وتسرف في ذمهم.
وليس يلهج بذكر الجمع إلا من قد عزم على الجمع ولا يأنس بالبخلاء إلا المستوحش من وفي تحفظك قول سهل بن هارون: " في الاستعداد في حال المهلة وفي الأخذ بالثقة وأن أقبح التفريط ما جاء مع طول المدة وأن الحزم كل الحزم والصواب كل الصواب أن يستظهر على الحدثان وأن يجعل ما فضل عن قوام الأبدان ردءاً دون صروف الزمان وأنا لا نسب إلى الحكمة حتى نحوط أصل النعمة بأن نجعل دون فضولها جنة " - شاهد على عجبك بمذهبه وبرهان على ميلك إلى سبيله.
وفي استحسانك رواية الأصمعي في " أن أكثر أهل النار النساء والفقراء وأن أكثر أهل الجنة البله والأغنياء وأن أرباب الدثور هم الذين ذهبوا بالأجور " - برهان على صحة حكمنا عليك ودليل على صواب رأينا فيك.
وفي تفضيلك كلام ابن غزوان حين قال: " تنعمتم بالطعام الطيب وبالثياب الفاخرة وبالشراب الرقيق وبالغناء المطرب وتنعمنا بعز الثروة وبصواب النظر في العاقبة وبكثرة المال والأمن من سوء الحال ومن ذل الرغبة إلى الرجال والعجز عن مصلحة العيال - فتلك لذتكم وهذه لذتنا.
وهذا رأينا في التسلم من الذم وذاك رأيهم في التعرض للحمد.
وإنما ينتفع بالحمد السليم الفارغ البال ويسر باللذات الصحيح الصادق الحس.
فأما الفقير فما والطعام الذي آثرتموه يعود رجيعاً والشراب يصير بولاً والبناء يعود نقضاً.
والغناء ريح هابة ومسقط للمروءة وسخافة تفسد ورنة تسير.
فلذتكم فيما حوى لكم الفقر ونقض المروءة ولذتنا فيما حوى لنا الغنى وبنى المروءة.
فنحن في بناء وأنتم في هدم ونحن في إبرام وأنتم في نقض ونحن في التماس العز الدائم مع فوت بعض اللذة وأنتم في التعرض للذل الدائم مع فوت كل مروءة ".
وقد فهمنا معنى حكايتك وما لهجت به من روايتك.
والدليل على انتقاض طباعك وإدباز أمرك استحسانك ضد ما كنت تستحسن وعشقك لما لم تزل تمقت.
فبعداً وسحقاً! ولا يبعد الله إلا من ظلم! والشاعر أبصر بكم حيث يقول: فإن سمعت بهلك للبخيل فقل: بعداً وسحقاً له من هالك مودى! تراثه جنة للوارثين إذا أودى وجثمانه للتراب والدود وقال آخر: تبلى محاسن وجهه في قبره والمال بين عدوه مقسوم والحمد لله الذي لم يمتني حتى أرانيك وكيلاً في مالك وأجيراً لوارثك.
وهل تزيد حال من أنفق جميع ماله ورأى المكروه في عياله وظهر فقره وشمت به عدوه على أكثر من انصراف المؤنسين عنه وعلى بغض عياله وعلى خشونة الملبس وخشونة المأكل وهذا كله مجتمع في مسك البخيل ومصبوب على هامة الشحيح ومعجل للئيم وملازم للمنوع ألا إن المنفق قد ربح المحمدة وتمتع بالنعمة ولم يعطل المقدرة ووفى كل خصلة من هذه حقها ووفر عليها نصيبها والممسك معذب بحصر نفسه وبالكد لغيره مع لزوم الحجة وسقوط الهمة والتعرض للذم والإهانة ومع تحكيم المرة السوداء في نفسه وتسلطيها على عرضه وتمكينها من عيشه وسرور قلبه.
ولقد سرى إليك عرق ولقد دخل أعراقك جور ولقد عمل فيها قادح ولقد غالها غول وما هذا المذهب من أخلاق صميم ثقيف ولا من شيم أعرقت فيها قريش.
ولقد عرض إقراف ولقد أفسدتك هجنة.
ولقد قال معاوية: من لم يكن من بني عبد المطلب جواداً فهو دخيل ومن لم يكن من آل الزبير شجاعاً فهو لزيق ومن لم يكن من بني المغيرة تياهاً فهو سنيد.
وقال سلم بن قتيبة: إذا رأيت الثقفي يعز من غير طعام ويكسب لغير إنفاق فبهرجه ثم بهرجه.
وقال بلال بن أبي بردة: لولا شباب ثقيف وسفهاؤهم ما كان لأهل البصرة مال.
إن الله جواد لا يبخل وصدوق لا يكذب ووفي لا يغدر وحليم لا يعجل وعدل لا يظلم.
وقد أمرنا بالجود ونهانا عن البخل وأمرنا بالصدق ونهانا عن الكذب وأمرنا بالحلم ونهانا عن العجلة وأمرنا بالعدل ونهانا عن الظلم وأمرنا بالوفاء ونهانا عن الغدر.
فلم يأمرنا إلا بما اختار لنفسه ولم يزجرنا إلا عما لم يرضه لنفسه.
وقد قالوا بأجمعهم: إن الله أجود الأجودين وأمجد الأمجدين كما قالوا: أرحم الرحمين وأحسن الخالقين.
وقالوا في التأديب لسائليهم والتعليم لأجوادهم: لا تجاودوا الله فإن الله - جل ذكره - أجود وأمجد.
وذكر نفسه - جل جلاله وتقدست أسماؤه - فقال: {ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} و {ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}.
وقال: {ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}.
وذكروا النبي ﷺ فقالوا: لم يضع درهماً على درهم ولا لبنة على لبنة.
وملك جزيرة العرب فقبض الصدقات وجبيت له الأموال ما بين غدران العراق إلى شحر عمان إلى أقصى مخاليف اليمن.
ثم توفي وعليه دين ودرعه مرهونة.
ولم يسأل حاجة قط فقال: لا.
وكان إذا سئل أعطى وإذا وعد أو أطمع كان وعده كالعيان وإطماعه كالإنجاز.
ومدحته الشعراء بالجود وذكرته الخطباء بالسماح.
ولقد كان يهب للرجل الواحد الضاجعة من الشاء والعرج من الإبل - وكان أكثر ما يهب الملك من العرب مائة بعير فيقال: وهب هنيدة.
وإنما يقال ذلك إذا أريد بالقول غاية المدح - ولقد وهب لرجل ألف بعير.
فلما رآها تزدحم وفخرت هاشم على سائر قريش فقالوا: نحن أطعم الطعام وأضرب للهام.
وذكرها بعض العلماء فقالوا: أجواد أمجاد ذوو السنة حداد.
وأجمعت الأمم كلها بخيلها وسخيها وممزوجها على ذم البخل وحمد الجود كما أجمعوا على ذم الكذب وحمد الصدق.
وقالوا: أفضل الجود الجود بالمجهود.
وحتى قالوا في جهد المقل وفيمن أخرج الجهد وأعطى الكل.
وحتى جعلوا لمن جاد بنفسه فضيلة على من جاد بماله فقال الفرزدق: على ساعة لو كان في القوم حاتم على جوده ضنت به نفس حاتم ولم يكن الفرزدق ليضرب المثل في هذا الموضع بكعب بن مامة وقد جاد بحوبائه عند المصافنة.
فما رأينا عربياً سفه حلم حاتم لجوده بجميع ماله ولا رأينا أحداً منهم سفه حلم كعب على جوده بنفسه بل جعلوا ذلك من كعب لإياد مفخراً.
وجعلوا ذلك من حاتم طيئ مأثرة لقحطان على عدنان ثم للعرب على العجم ثم لسكان جزيرة العرب ولأهل تلك البرية على سائر الجزائر والترب.
فمن أراد أن يخالف ما وصف اله - جل ذكره - به نفسه وما منح من ذلك نبيه ﷺ وما فطر على تفضيله العرب قاطبة والأمم كافة لم يكن عندنا فيه إلا إكفاره واستسقاطه.
ولم نر الأمة أبغضت جواداً قط ولا حقرته بل أحبته وأعظمته بل أحبت عقبه وأعظمت من أجله رهطه.
ولا وجدناهم أبغضوا جواداً لمجاوزته حد الجود إلى السرف ولا حقرته.
بل وجدناهم يتعلمون مناقبه ويتدارسون محاسنه.
وحتى أضافوا إليه من نوادر الجميل ما لم يفعله ونحلوه من غرائب الكرم ما لم يكن يبلغه.
ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يضاعف كما تضاعف الحسنات في الآخرة.
نعم وحتى أضافوا إليه كل مديح شارد وكل معروف مجهول الصاحب.
ثم وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضد هذه الصفة وعلى خلاف هذا المذهب: وجدناهم يبغضونه مرة ويحقرونه مرة ويبغضون بفضل بغضه ولده ويحتقرون بفضل احتقارهم له رهطه ويضيفون إليه من نوادر اللؤم ما لم يبلغه ومن غرائب البخل ما لم يفعله.
وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء.
وعلى أنا لا نجد الجوائح إلى أموال الأسخياء أسرع منها إلى أموال البخلاء ولا رأينا عدد من افتقر من البخلاء أقل.
والبخيل عند الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط فقد يستحق عندهم اسم البخيل ويستوجب الذم من لا يدع لنفسه هوى إلا ركبه ولا حاجة إلا قضاها ولا شهوة إلا ركبها وبلغ فيها غايته.
وإنما يقع عليه اسم البخيل إذا كان زاهداً في كل ما أوجب الشكر ونوه وقد يعلق البخيل على نفسه من المؤن ويلزمها من الكلف ويتخذ من الجواري والخدم ومن الدواب والحشم ومن الآنية العجيبة ومن البزة الفاخرة.
والشارة الحسنة ما يربى على نفقة السخي المثري ويضعف على جود الجواد الكريم.
فيذهب ماله وهو مذموم ويتغير حاله وهو ملوم.
وربما غلب عليه حب القيان واستهتر بالخصيان.
وربما أفرط في حب الصيد واستولى عليه حب المراكب.
وربما كان إتلافه في العرس والخرس والوليمة وإسرافه في الإعذار وفي العقيقة والوكيرة.
وربما ذهبت أمواله في الوضائع والودائع.
وربما كان شديد البخل شديد الحب للذكر ويكون بخله أوشج ولؤمه أقبح فينفق أمواله ويتلف خزائنه ولم يخرج كفافاً ولم ينج سليماً.
كأنك لم تر بخيلاً مخدوعاً وبخيلاً مضعوفاً وبخيلاً مضياعاً وبخيلاً نفاجاً وبخيلاً ذهب ماله في البناء وبخيلاً ذهب ماله في الكيمياء وبخيلاً أنفق ماله في طمع كاذب وعلى أمل خائب وفي طلب الولايات والدخول في القبالات وكانت فتنته بما يؤمل من الإمرة فوق فتنته بما قد حواه من الذهب والفضة.
قد رأيناه ينفق على مائدته وفاكهته ألف درهم في كل يوم وعنده في كل يوم عرس ولأن يطعن طاعن في الإسلام أهون عليه من أن يطعن طاعن في الرغيف الثاني ولشق عصا الدين وإنما صارت الآفات إلى أموال البخلاء أسرع والجوائح عليهم أكلب لأنهم أقل توكلاً وأسوأ بالله ظناً.
والجواد إما أن يكون متوكلاً وإما أن يكون أحسن بالله ظناً.
وهو على كل حال بالمتوكل أشبه وإلى ما أشبهه أنزع.
وكيفما دار أمره ورجعت الحال به فليس ممن يتكل على حزمه ويلجأ إلى كيسه ويرجع إلى جودة احتياطه وشدة احتراسه.
واعتلال البخيل بالحدثان وسوء الظن بتقلب الزمان إنما هو كناية عن سوء الظن بخالق الحدثان وبالذي يحدث الأزمان وأهل الزمان.
وهل تجري الأحداث إلا على تقدير المحدث لها وهل تختلف الأزمنة إلا على تصريف من دبرها أولسنا وإن جهلنا أسبابها فقد أيقنا بأنها تجري إلى غاياتها والدليل على أنه ليس بهم خوف الفقر وأن الجمع والمنع إما أن يكون عادة منهم أو طبيعة فيهم أنك قد تجد الملك بخيلاً ومملكته أوسع وخرجه أدر وعدوه أسكن.
وتجد أحزم منه جواداً وإن كانت مملكته أضيق وخرجه أقل وعدوه أشد حركة.
وقد علمنا أن الزنج أقصر الناس مرة وروية وأذهلهم عن معرفة العاقبة.
فلو كان سخاؤهم إنما هو لكلال حدهم وتكون الروم أبخل من الصقالبة وكان ينبغي في الرجال في الجملة وكان ينبغي أن يكون أقل البخلاء عقلاً أعقل من أشد الأجواد عقلاً وكان ينبغي للكلب - وهو قالوا: " هو أسخى من لا فظة " و " الأم من كلب على جيفة " و " الأم من كلب على عرق ".
وقالوا: " أجع كلبك يتبعك " و " نعم كلب في بؤس أهله " ونشهد أن محمداً عبده ورسوله " سمن كلبك يأكلك " و " أحرص من كلب على عقي صبي " و " أجوع من كلبة حومل " و " لهو أبذأ من كلب " " حش فلان من خرء الكلب " و " اخسأ! " كما يقال للكلب و " كالكلب في الآرى: لا هو يعتلف ولا هو يترك الدابة تعتلف ".
وقال الشاعر: سرت ما سرت من ليلها ثم عرست على رجل بالعرج ألأم من كلب وقال الله جل ذكره: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}.
وكان ينبغي في هذا القياس أن يكون المراوزة أعقل البرية وأهل خراسان أدرى البرية.
ونحن لا نجد الجواد يفر من اسم السرف إلى الجود كما نجد البخيل يفر من اسم البخل إلى الاقتصاد.
ونجد الشجاع يفر من اسم المنهزم والمستحي يفر من اسم الخجل.
ولو قيل لخطيب ثابت الجنان: وقاح لجزع - فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضلة - إلا الجواد لقد كان في ذلك ما يبين قدره ويظهر فضله.
المال فاتن والنفس راغبة والأموال ممنوعة وهي على ما منعت حريصة.
وللنفوس في المكاثرة علة معروفة لأن من لا فكرة له ولا روية موكل بتعظيم ذي الثروة وإن لم تكن منه منالة.
وقد قال الأول: وزادها كلفاً بالحب أن منعت أحب شيء إلى الإنسان ما منعا وفي بعض كتب الفرس: كل عزيز تحت القدرة فهو ليل.
وقالت معاذة العدوية: كل مقدور عليه فمقلي أو محقور.
ولو كانوا لأولادهم يجمعون ولهم يكدون ومن أجلهم يحرصون لجعلوا لهم كثيراً مما يطلبون ولتركوا محاسبتهم في كثير مما يشتهون.
وهذا بعض ما بغض بعض المورثين إلى الوارثين وزهد الأخلاف في طول عمر الأسلاف.
ولو كانوا لأولادهم يمهدون ولهم يجمعون لما جمع الخصيان الأموال ولما كنز الرهبان الكنوز ولاستراح العاقر من ذل الرغبة ولسلم العقيم من كد الحرص.
وكيف ونحن نجده بعد أن يموت ابنه الذي كان يعتل به والذي من أجله كان يجمع على حاله في الطلب والحرص وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع.
والعامة لم تقصر في الطلب والحكرة والبخلاء لم يحدوا شيئاً من جهدهم ولا أعفوا بعد قدرتهم ولا قصروا في شيء من الحرص والحصر لأنهم في دار قلعة وبعرض نقلة.
حتى لو فالبخيل مجتهد والعامي غير مقصر.
فمن لم يستعن على ما وصفنا بطبيعة قوية وبشهوة شديدة وبنظر شاف كان إما عامياً وإما بخيلاً شقياً - ففيم اعتلالهم بأولادهم واحتجاجهم بخوف التلون من أزمنتهم قال رسول الله ﷺ لوافد كذب عنده كذبة وكان جواداً: لولا خصلة ومقك الله عليها لشردت بك من وافد قوم.
وقيل للنبي ﷺ: هل لك في بيض النساء وأدم الإبل قال: ومن هم قال: بنو مدلج.
قال: يمنعني من ذاك قراهم الضيف وصلتهم الرحم.
وقال لهم أيضاً: إذا نحروا ثجوا وإذا لبوا عجوا.
وقال للأنصار: من سيدكم قالوا: الحر بن قيس على أنه يزن فينا ببخل فقال: وأي داء أدوأ من البخل ثم جعله من أدوإ الداء.
وقال للأنصار: أما والله ما علمتكم إلا لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع.
وقال: كفى بالمرء حرصاً ركوبه البحر.
وقال: لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى ثالثاً ولا يشبع ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب.
وقال: السخاء من الحياء والحياء من الإيمان.
وقال: إن الله جواد يحب الجود.
وقال: أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً.
وقال: لا توكي فيوكي عليك.
وقال: لا تحص فيحصى عليك.
وقالوا: لا ينفعك من زاد ما تبقى.
ولم يسم الذهب والفضة بالحجرين إلا وهو يريد أن يضع من أقدارهما ومن فتنة الناس بهما.
وقال لقيس بن عاصم: إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت وما لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت.
وما سوى ذلك فللوارث.
وقال النمر بن تولب: وحثت على جمع ومنع ونفسها لها في صروف الدهر حق كذوب وكائن رأينا من كريم مرزإ أخي ثقة طلق اليدين وهوب شهدت وفاتوني.
وكنت حبستني فقيراً إلى أن يشهدوا وتغيبي أعاذل إن يصبح صداي بقفرة بعيداً نآني صاحبي وقريبي ترى أن ما أبقيت لم أك ربه وأن الذي أمضيت كان نصيبي وذي إبل يسعى ويحسبها له أخي نصب في رعيها ودءوب وذي وغدا رب سواه يسوقها وبدل أحجار وجال قليب وقال أيضاً: قامت تباكي أن سبأت لفتية زقاً وخابية بعود مقطع وقريت في مقري قلائص أربعاً وقريت بعد قرى قلائص أربع أتبكيا من كل شيء هين سفه بكاء العين ما لم تدمع لا تطرديهم عن فراشي إنه لابد يوماً أن سيخلو مضجعي هلا سألت بعادياء وبيته والخيل والخمر التي لم تمنع وقال الحارث بن حلزة: بينا الفتى يسعى ويسعى له تاح له من أمره خالج يترك ما رقح من عيشه يعبث فيه همج هامج لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج وقال الهذلي: إن الكرام مناهبو نعم المجد كلهم فناهب أخلف وأتلف كل شي ء ذرعته الريح ذاهب وقالت امرأة: أنت وهبت الفتية السلاهب وإبلاً يحار فيها الحالب وغنماً مثل الجراد الهارب متاع أيام وكل ذاهب وقال تميم بن مقبل: وقال الخطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس وجاء في الأثر: إن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة.
وفي المثل: اصنع الخير ولو إلى كلب: وقال في الحث على القليل فضلاً على الكثير: قال الله جل ذكره: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.
وقالت عائشة في حبة عنب: إن فيها لمثاقيل ذر.
ولذلك قالوا في المثل: من حقر حرم.
وقال سلم بن قتيبة: يستحي أحدهم من تقريب القليل من الطعام ويأبى أعظم منه.
وقال: جهد المرء أكثر من عفوه.
وقدم رسول الله ﷺ جهد المقل على عفو المكثر وإن كان مبلغ جهده قليلاً ومبلغ عفو المكثر كثيراً.
وقالوا: لا يمنعك من معروف صغره.
وقال النبي ﷺ: اتقوا النار ولو بشق تمرة.
وقال: لا تحقروا اللقمة فإنها تعود كالجبل العظيم لقول الله جل ذكره: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}.
وقال: لا تردوه ولو بصلة حبل.
وقالت العرب: أتاكم أخوكم يستتمكم فأتموا له.
وقالوا: مانع الإتمام ألوم.
وقالوا: البخيل إن سأل ألحف وإن سئل سوف.
وقالوا: إن سئل جحد وإن أعطى حقد.
وقالوا: يرد قبل أن يسمع ويغضب قبل أن يفهم.
وقالوا: البخيل إذا سئل ارتز وإذا سئل الجواد اهتز.
وقال النبي ﷺ: ( ينادي كل يوم مناديان من السماء: يقول أحدهما: اللهم عجل لمنفق خلفاً ويقول الآخر: اللهم عجل لممسك تلفاً ).
وقالوا: شر الثلاثة المليم يمنع دره ودر غيره.
وقال الله جل ذكره: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ}.
وقالوا في المثل - إن ألجأك الدهر إلى بخيل: شر ما ألجأك إلى مخة عرقوب.
وقال: النبي ﷺ: ( قل العدل وأعط الفضل ).
وقال النبي ﷺ: ( أنهاكم عن عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات ).
وقال الله عز وجل: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}.
وقال: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}.
وقال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
وقالوا في الصبر على النائبة وفي عاقبة الصبر: عند الصباح يحمد القوم السري.
وقالوا: الغمرات ثم ينجلين.
وقال الخريمي: ودون الندى في كل قلب ثنية بها مصعد حزن ومنحدر سهل وود الفتى في كل نيل ينيله - إذا ما انقضى - لو أن نائله جزل وقالوا: خير الناس خير الناس للناس وشر الناس شر الناس للناس.
وقالوا: خير مالك ما نفعك.
وقالوا عجباً لفرط الكبرة مع شباب الرغبة! كلنا يأمل مداً في الأجل والمنايا هي آفات الأمل وقال عبيد الله بن عكراش: زمن خون ووارث شفون وكاسب زون.
فلا تأمن الخون وكن وارث الشفون.
وقال: يهرم ابن آدم ويشب معه خصلتان: الحرص والأمل.
وكانوا يعيبون من يأكل وحده وقالوا: ما أكل ابن عمر وحده قط.
وقالوا: ما أكل الحسن وحده قط.
وسمع مجاشع الربعي قولهم: الشحيح أعذر من الظالم فقال: أخزى الله أمرين خيرهما الشح.
وقال بكر بن عبد الله المزني: لو كان هذا المسجد مفعماً بالرجال ثم قيل لي: من خيرهم لقلت: خيرهم لهم.
وقال النبي ﷺ: ( ألا أنبئكم بشراركم قالوا: بلى يا رسول الله
قال: من نزل وحده ومنع رفده وجلد عبده ).
وقالت امرأة عند جنازة رجل: أما والله ما كان مالك لبطنك ولا أمرك لعرسك.
فلما بلغت الرسالة ابن التوأم كره أن يجيب أبا العاص لما في ذلك من المناقشة والمباينة وخاف أن يترقى الأمر إلى أكثر من ذلك.
فكتب هذه وبعث بها إلى الثقفي: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد بلغني ما كان من ذكر أبي العاص لنا وتنويهه بأسمائنا وتشنيعه علينا.
وليس يمنعنا من جوابه إلا أنه إن أجابنا لم يكن جوابنا إياه على قوله الثاني أحق بالترك من جوابنا له على قوله الأول.
فإن نحن جعلنا لابتدائه جواباً وجعلنا لجوابه الثاني جواباً خرجنا إلى التهاتر وصرنا إلى التخابر.
ومن خرج إلى ذلك فقد رضي باللجاج حظاً وبالسخف نصيباً.
وليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى.
ومن وقاه الله سوء التكفي وسخفه وعصمه من سوء التصميم ونكده فقد اعتدلت طباعه وتساوت خواطره.
ومن قامت أخلاطه على الاعتدال وتكافأت خواطره في الوزن لم يعرف من الأعمال إلا الاقتصاد ولم يجد أفعاله أبداً إلا بين التقصير والإفراط لأن الموزون لا يولد إلا موزوناً كما أن المختلف لا يولد إلا مختلفاً.
فالمتابع لا يثنيه زجر وليست له غاية دون التلف.
والمتكفي ليس له مأتى ولا جهة ولا له رقية ولا فيه حيلة.
وكل متلون في الأرض فمنحل العقد ميسر لكل ريح.
فدع عنك خلطة الإمعة فإنه حارص لا خير فيه واجتنب ركوب الجموح ذي النزوات فإن غايته القتل الزؤاف ولا في الحرون ذي التصمم.
والمتلون شر من المصمم إذ كنت لا تعرف له حالاً يقصد إليها ولا جهة يعمل عليها.
ولذلك صار العاقل يخدع العاقل ولا يخدع الأحمق لأن أبواب تدبير العاقل وحيلة معروفة وطرق خواطره مسلوكه ومذاهبه محصورة معدودة.وليس لتدبير الأحمق وحيله جهة واحدة من أخطأها كذب.
والخبر الصادق عن الشيء الواحد واحد.
والخبز الكاذب عن الشيء الواحد لا يحصى له عدد ولا يوقف منه على حد.
والمصمم قتله بالإجهاز والمتلون قتله بالتعذيب.
فإن قلنا فليس إليه نقصد وإن احتججنا فليسنا عليه نرد.
ولكنا إليك نقصد بالقول وإليك نريد بالمشورة.
وقد قالوا: احفظ سرك فإن سرك من دمك.
وسواء ذهاب نفسك وذهاب ما به يكون قوام نفسك.
قال المنجاب العنبري: " ليس بكبير ما أصلحه المال ".
وفقد الشيء الذي به تصلح الأمور أعظم من الأمور.
ولهذا قالوا في الإبل: " لو لم يكن فيها إلا أنها رقوء الدم " - فالشيء الذي هو ثمن الإبل وغير الإبل أحق بالصون.
وقد قضوا بأن حفظ المال أشد من جمعه.
ولذلك قال الشاعر: وحفظك مالاً قد عنيت بجمعه أشد من الجمع الذي أنت طالبه ولذلك قال مشتري الأرض لبائعها حين قال له البائع: دفعتها إليك بطيئة الإجابة عظيمة المؤنة.
- قال: دفعتها إليك بطيئة الاجتماع سريعة التفرق.
والدرهم هو القطب الذي تدور عليه رحى الدنيا.
واعلم أن التخلص من نزوات الدرهم وتقلبه - من سكر الغنى - وتفلته شديد.
فلو كان إذ تفلت كان حارسه صحيح العقل سليم الجوارح لرده في عقاله ولشده بوثاق.
ولكنا وجدنا ضعفه عن ضبطه بقدر قلقه في ولا تغتر يقولهم: مال صامت فإنه أنطق من كل خطيب وأنم من كل نمام.
فلا تكترث بقولهم: هذين الحجرين فتتوهم جمودهما وسكونهما وقلة ظعنهما وطول إقامتهما فإن عملهما وهما ساكنان ونقضهما للطبائع وهما ثابتان أكثر من صنيع السم الناقع والسبع العادي.
فإن كنت لا تكتفي بصنيعه حتى تمده ولا تحتال فيه حتى يحتال له فالقبر خير لك من الفقر والسجن خير لك من الذل.
وقولي هذا مرة يعقب حلاوة الأبد.
فخذ لنفسك بالثقة.
فقولك الماضي حلو يعقب مرارة الأبد.
فخذ لنفسك بالثقة.
ولا ترض أن يكون الحرباء الراكب العود أحزم منك فإن الشاعر يقول: أني أتيح لها حرباء تنضبة لا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقا واحذر أن تخرج من مالك درهماً حتى ترى مكانه خيراً منه.
ولا تنظر إلى كثرته فإن رمل عالج فلو أخذ منه ولم يرد عليه لذهب عن آخره.
إن القوم قد أكثروا في ذكر الجود وتفضيله وفي ذكر الكرم وتشريفه وسموا السرف جوداً وجعلوه كرماً.
وكيف يكون كذلك وهو نتاج ما بين الضعف والنفج وكيف والعطاء لا يكون سرفاً إلا بعد مجاوزة الحق وليس وراء الحق إلى الباطل كرم.
وإذا كان الباطل كرماً كان الحق لؤماً.
والسرف - حفظك الله - معصية.
وإذا كانت معصية الله كرماً كانت طاعته لؤماً.
ولئن جمعهما اسم واحد وشملهما حكم واحد ومضادة الحق للباطل كمضادة الصدق للكذب والوفاء للغدر والجور للعدل والعلم للجهل ليجمعن هذه الخصال اسم واحد وليشملنها حكم واحد.
وقد وجنا الله عاب السرف وعاب الحمية وعاب المعصية.
ووجدناه خص السرف بما لم يخص به الحمية لأنه ليس حب المرء لرهطه من المعصية ولا أنفقته من الضيم من حمية الجاهلية.
وإنما المعصية ما جاوز الحق والحمية المعيبة ما تعدى القصد.
فوجدنا اسم الأنفة قد يقع محموداً ومذموماً وما وجدنا اسم المعصية ولا اسم السرف يقع أبداً إلا مذموماً.
وإنما يسر باسم السرف جاهل لا علم له أو رجل إنما يسر به لأن أحداً لا يسميه مسرفاً حتى يكون عنده قد جاوز حد الجود وحكم له بالحق ثم أردفه بالباطل.
فإن سر من غير هذا الوجه فقد شارك المادح في الخطإ وشاكله في وضع الشيء في غير موضعه.
وقد أكثروا في ذكر الكرم.
وما الكرم إلا كبعض الخصال المحمودة التي لم يعدمها بعض الذم.
وليس شيء يخلوا من بعض النقص والوهن.
وقد زعم الأولون أن الكرم يسبب الغبا وأن الغبا يسبب البله وأنه ليس وراء البله إلا العته.
وقد حكوا عن كسرى أنه قال: " احذروا صولة الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع " - وسواء جاع فظلم وأحفظ وعسف أم جاع وكذب وضرع وأسف.
وسواء جاع فظلم غيره أم جاع فظلم نفسه.
والظلم لؤم.
وإن كان الظلم ليس بلؤم فالإنصاف ليس بكرم.
فالجود إذا كان لله كان شكراً له والشكر كرم.
ولن يكون الجود - إذا كان معصية - كرماً.
فكيف يتكرم من يتوصل بأياديك إلى معصيتك وبنعمتك إلى سخطك فليس الكرم إلا الطاعة.
وليس اللؤم إلا المعصية وليس بجود ما جاوز الحق وليس بكرم ما خالف الشكر.
ولئن كان مجاوز الحق كريماً ليكونن المقصر دونه كريماً.
فإن قضيتم بقول العامة فالعامة ليست بقدوة.
وكيف يكون قدوة من لا ينظر ولا يحصل ولا يفكر ولا يمثل وإن قضيتم بأقاويل الشعراء وما كان عليه أهل الجاهلية الجهلاء فما قبحوه مما لا يشك في حسنه أكثر من أن نقف عليه أو نتشاغل باستقصائه.
على أنه ليس بجود إلا ما أوجب الشكر كما أنه ليس ببخل إلا ما أوجب اللؤم.
ولن تكون العطية نعمة على المعطى حتى تراود بها نفس ذلك المعطى.
ولن يجب عليه الشكر إلا مع شريطة القصد.
وكل من كان جوده يرجع إليه ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك ولو تهيأ له ذلك المعنى في سواك لما قصد إليك - فإنما جعلك معبراً لدرك حاجته ومركباً لبلوغ محبته.
ولولا بعض القول لوجب لك عليه حق يجب به الشكر.
فليس يجب لمن كان كذلك شكر وإن انتفعت بذلك منه إذا كان لنفسه عمل لأنه لو تهيأ له ذلك النفع في غيرك لما تخطاه إليك.
وإنما يوصف بالجود في الحقيقة ويشكر على النفع في حجة العقل - الذي إن جاد عليك فلك جاد ونفعك أراد من غير أن يرجع إليه جوده بشيء من المنافع على جهة من الجهات وهو الله وحده لا شريك له.
فإن شكرنا للناس على بعض ما قد جرى لنا على أيديهم فإنما هو لأمرين: أحدهما التعبد وقد نعبد الله بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين وتعظيم من هو أسن منا وإن كنا أفضل منه.
والآخر لأن النفس ما لم تحصل الأمور وتميز المعاني فالسابق إليها حب من جرى لها على يده خير وإن كان لم يردها ولم يقصد إليها.
ووجدنا عطية الرجل لصاحبه لا تخلوا أن تكون لله أو لغير الله.
فإن كانت لله فثوابه على الله.
وكيف يجب علي في حجة العقل شكره وهو لو صادف ابن سبيل غيري لما حملني ولا أعطاني - وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر.
فإذا كان الأمر كذلك فإنما جعلني سلماً إلى تجارته وسبباً إلى بغيته أو يكون إعطاؤه إياي من طريق الرحمة والرقة ولما يجد في فؤاده من الغصة والألم فإن كان لذلك أعطى فإنما داوى نفسه من دائه وكان كالذي رفه من خناقه.
وإنه كان إنما أعطاني من خوف يدي أو لساني أو اجترار معونتي ونصرتي فسبيله سبيل جميع ما وصفنا وفصلنا.
فلاسم الجود موضعان: أحدهما حقيقة والآخر مجاز.
فالحقيقة ما كان من الله والمجاز المشتق له من هذا الاسم.
وما كان لله كان ممدوحاً وكان لله طاعة.
فإذا لم تكن العطية من الله ولا لله فليس يجوز هذا فيما سموه جوداً فما ظنك بما سموه سرفاً أفهم ما أنا مورده عليك وواصفه لك: إن التربح والتكسب والإستئكال بالخديعة والطعم الخبيثة فاشيةغالبة ومستفيضة ظاهرة.
على أن كثيراً ممن يضاف اليوم إلى النزاهة والتكرم وغلى الصيانة والتوقي ليأخذ من ذلك بنصيب واف.
فما ظنك بدهماء الناس وجمهورهم بل ما ظنك بالشعراء والخطباء الذين إنما تعلموا المنطق لصناعة التكسب وهؤلاء قوم بودهم أن أرباب الأموال قد جاوزوا حد السلامة غلى الغفلة حتى لا يكون للأموال حارس ولا دونها مانع.
فاحذرهم ولا تنظر إلى بزة أحدهم فإن المسكين أقنع منه ولا تنظر غل موكبه فإن السائل أعف منه.
واعلم أنه مسك مسكين وإن كان في ثياب جواد وروحه روح نذل وإن كان في جرم ملك.
وإن اختلفت وجوه مسألتهم واختلفت أقدار مطالبهم فهو مسكين.
إلا أن واحداً يطلب العلق وآخر يطلب الخرق وآخر يطلب الدوانيق وآخر يطلب الألوف.
فجهة هذا هي جهة هذا وطعمة هذا هي طعمة هذا.
وإنما يختلفون في أقدار ما يطلبون على قدر الحذق والسبب.
فأحذر رقاهم وما نصبوا لك من الشرك واحرس نعمتك وما دسوا لها من الدواهي.
واعمل على أن سحرهم يسترق الذهن ويختطف البصر.
قال رسول الله ﷺ: إن من البيان لسحراً.
وسمع عمر بن عبد العزيز رجلاً يتكلم في حاجة فقال: هذا والله سحر الحلال.
وقد قال رسول الله ﷺ: لا خلابة - واحذر احتمال مديحهم فإن محتمل المديح في وجهه كمادح نفسه.
إن مالك لا يسع مريديه ولا يبلغ رضا طالبيه.
ولو أرضيتهم بإسخاط مثلهم لكان ذلك خسرانا مبيناً.
فكيف ومن يسخط أضعاف من يرضى وهجاء الساخط أضر من فقد مديح الراضي.
وعلى أنهم إذا اعتوروك بمشاقصهم وتداولوك بسهامهم لم تر ممن أرضيته بإشخاطهم أحداً يناضل عنك ولا يهاجي شاعراً دونك.
بل يخليك غرضاً لسهامهم ودريئة لنبالهم.
ثم يقول: وما كان عليه لو أرضاهم! فكيف يرضيهم ورضا الجميع شيء لا ينال إني أحذرك مصارع المخدوعين وأرفعك عن مضاجع المغبونين.
إنك لست كمن لم يزل يقاسي تعذر الأمور ويتجرع مرارة العيش ويتحمل ثقل الكد ويشرب بكأس الذل حتى كان يمرن على ذلك جلده ويسكن عليه قلبه.
وفقر مثلك مضاعف الألم وجزع من لم يعرف الألم أشد.
ومن لم يزل فقيراً فهو لا يعرف الشامتين ولا يدخله المكروه من سرور الحاسدين ولا يلام على فقره ولا يصير موعظة لغيره وحديثاً يبقى ذكره ويلعنه بعد الممات ولده.
ودعني من حكايات المستأكلين ورقي الخادعين فما زال الناس يحفظون أموالهم من مواقع السرف ويخبئونها من وجوه التبذير.
ودعني مما لا نراه إلا في الأشعار المتكلفة والأخبار المولدة والكتب الموضوعة.
فقد قال بعض أهل زماننا: ذهبت المكارم إلا من الكتب! فخذ فيما تعلم ودع نفسك مما لا تعلم.
هل رأيت أحداً قط أنفق ماله على قوم كان غناهم سبب فقره أنه سلم عليهم حين افتقر فردوا عليه - فضلاً على غير ذلك أولست قد رأيتهم بين محمق ومحتجب عنه وبين من يقول: فهلا أنزل حاجته بفلان الذي كان يفضله ويقدمه ويؤثره ويخصه - ثم لعل بعضهم أن يتجنى عليه ذنوباً ليجعلها عذراً في منعه وسبباً إلى حرمانه.
قال الله جل ذكره: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}.
فأنا القائم عليك بالموعظة والزجر والأمر والنهي وأنت سالم العقل والعرض وافر المال حسن الحال.
فاتق أن أقوم غداً على رأسك بالتقريع والتعبير والتوبيخ والتأنيب وأنت عليل القلب مختل العرض.
عديم من المال سيئ الحال.
ليس جهد البلاء مد الأعناق وانتظار وقع السيوف لأن الوقت قصير والحس مغمور.
ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلة وتطول المدة وتعجز الحيلة ثم لا تعدم صديقاً مؤنباً وابن عم شامتاً وجاراً حاسراً وولياً قد تحول عدواً وزوجة مختلعة وجارية مستبيعة وعبداً يحقرك وولداً ينتهرك.
فانظر أين موقع فوت الثناء من موقع ما عددنا عليك من البلاء على أن الثناء طعم ولعلك ألا تطعمه والحمد أرزاق ولعلك ألا تحرمه.
وما يضيع من إحسان الناس أكثر.
وعلى أن الحفظ قد ذهب بموت أهله.
ألا ترى أن الشعر لما كسد أفحم أهله ولما دخل النقص على كل شيء أخ الشعر منه بنصيبه ولما تحولت الدولة في العجم - والعجم لا تحوط الأنساب ولا تحفظ المقامات - لأن من كان في الريف والكفاية وكان مغموراً بسكر الغنى كثر نسيانه وقلت خواطره.
ومن احتاج تحركت همته وكثر تنقيره.
وعيب الغني أنه يورث البلادة وفضيلة الفقر أنه يبعث الفكر.
وإن أنت صحبت الغني بإهمال النفس أسكرك الغني.
وسكر الغني سبة المستأكلين وتهمة الخداعين.
وإن كنت لا ترضى بحظ النائم وبعيش البهائم وأحببت أن تجمع مع تمام نفس المثري ومع عز الغني وسرور القدرة فطنة المخف وخواطر المقل ومعرفة الهارب واستدلال الطالب - اقتصدت في الإنفاق وكنت معداً للحدثان ومحترساً من كل خداع.
لست تبلغ حيل لصوص النهار وحيل سراق الليل و حيل طراق البلدان وحيل أصحاب الكيمياء وحيل التجار في الأسواق والصناع في جميع الصناعات وحيل أصحاب الحروب وحيل المستأكلين والمتكسبين ولو جمعت الخبر والسحر والتمائم و السم لكانت حيلهم في الناس أشد تغلغلاً وأعرض وأسرى في عمق البدن وأدخل إلى سويداء القلب وإلى أم الدماغ وإلى صميم الكبد ولهي أدق مسلكاً وأبعد غاية من العرق الساري والشبه النازع ولو اتخذت الحيطان الرفيعة الثخينة والأقفال المحكمة الوثيقة ولو اتخذت الممارق والجواسق والأبواب الشداد والحرس المتناوبين بأغلظ المؤن وأشد الكلف وتركت التقدم فيما هو أحضر ضرراً وأدوم شراً ولا غرم عليك في الحراسة فيه ولا مشقة عليك في التحفظ منه.
إنك إن فتحت لهم على نفسك مثل سم الخياط جعلوا فيه نهجاً ولقي رحباً.
فأحكم بابك ولو جعلت الباب مبهماً والقفل مصمتاً لتسوروا عليك من فوقك.
ولو رفعت سمكة إلى العيوق لنقبوا عليك من تحتك.
قال أبو الدرداء: نعم صومعة المؤمن بيته.
وقال ابن سيرين: العزلة عبادة.
حلاوة حديثهم تدعو إلى الاستكثار منهم وتدعو إلى إحضار غرائب شهواتهم.
فمن ذلك قول بعضهم لبعض أصحابه: كل رخلة واشرب مشعلاً ثم تجشأ واحدة لو أن عليها رحى لطحنت! ومن ذلك قول الآخر حين دخل على قوم وهم يشربون وعندهم قيلن فقالوا: اقترح أي صوت شئت قال: أقترح نشيش مقلي! ومن ذلك قول المديني: من تصبح بسبع موزات وبقدح من لبن الأوراك تجشأ بخور الكعبة.
ومن ذلك قولهم لبعض هؤلاء وقدامهم خبيص: أيما أطيب هذا أو الفالوذج أواللوزينج قال: لا أقضي على غائب.
ومن ذلك كلام الجارود بن أبي سبرة لبلال بن أبي بردة حين قال له: صف لي عبد الأعلى وطعامه.
قال: يأتيه الخباز فيمثل بين يديه فيقول: ما عندك فيقول: عندي جدي كذا وعناق كذا وبطة كذا - حتى يأتي على جميع ما عنده.
قال: وما يدعوه إلى هذا قال: ليقتصر كل امرئ في الأكل حتى إذا أتي بالذي يشتهي بلغ منه حاجته.
قال: ثم ماذا قال: ثم يؤتى بالمائدة فيتضايقون حتى يخوي تخوية الظليم.
فيجدون ويهزل حتى إذا فتروا أكل أكل الجائع المقرور.
وقال آخر: أشتهي ثريدة دكناء من الفلفل ورقطاء من الحمص ذات جفافين من اللحم لها جناحان من العراق أضرب فيها ضرب اليتيم عند وصي السوء! وسئل بعضهم عن حظوظ البلدان في الطعام وما قسم لكل قوم منه فقال: ذهبت الروم بالجشيم والحشو وذهبت فارس بالبارد والحلو.
وقال عمر: لفارس الشفارج والحموض.
فقال دوسر المديني: لنا الهرائس والقلايا ولأهل البدو اللبأ والسلاء والجراد والكمأة والخبزة في الرائب والتمر بالزبد.
وقد قال الشاعر: ألا ليت خبزاً قد تسربل رائباً وخيلاً من البرني فرسانها الزبد ولهم البرمة والخلاصة والحيس والوطيئة.
وقال أعرابي: أتينا ببر كأفواه البعران فخبزنا منه خبزة زيت في النار فجعل الجمر يتحدر عنها تحدر الحشو عن البطان.
ثم ثردناها فجعل الثريد يجول في الإهالة جولان الضبعان في ونعت السويق بأنه من عدد المسافر وطعام العجلان وغذاء المبكر وبلغة المريض.
يشد فؤاد الحزين ويرد من نفس المحدود.
وحيد في السمين ومنعوت في الطيب.
قفاره يجلو البلغم ومسمونه يصفي الدم إن شئت كان ثريداً وإن شئت كان خبيصاً وإن شئت كان طعاماً وإن شئت كان شراباً.
وقيل لبعض هؤلاء اللعامظة والمستأكلين والسفافين المقفعين ورئي سميناً: ما أسمنك قال: أكلي الحار وشربي القار والاتكاء على شمالي وأكلي من غير مالي.
وقد قال الشاعر: وإن امتلأ البطن في حسب الفتى قليل الغناء وهو في الجسم صالح وقيل لآخر: ما أسمنك قال: قلة الفكرة وطول الدعة والنوم على الكظة.
وقال الحجاج للغضبان بن القبعثري: ما أسمنك قال: القيد والرتعة.
ومن كان في ضيافة الأمير سمن.
وقيل لآخر: إنك لحسن السمنة.
قال: آكل لباب البر وصغار المعز وأدهن بخام البنفسج وألبس الكتان.
والله لو كان من يسأل يعطى لما قام كرم العطية بلؤم المسألة.
ومدار الصواب على طيب المكسبة والاقتصاد في النفقة.
وقد قال بعض العرب: اللهم إني أعوذ بك من بعض الرزق حين رأى نافجة من ماله من صداق أمه.
وأي سائل كان ألحف مسألة من الخطيئة وألأم ومن ألأم من جرير بن الخطفي وأبخل ومن أمنع من كثير وأشح من ابن هرمة ومن كان يشق غبار ابن أبي حفصة ومن كان يصطلي بنار أبي العتاهية ومن كأبي نواس في بخله أو كان كأبي يعقوب الخريمي في دقة نظره وكثرة كسبه ومن كان أكثر نحراً لجزرة لم تخلق من ابن هرمة وأطعن برمح لم ينبت وأطعم لطعام لم يزرع من الخريمي فأين أنت عن ابن يسير وأين تذهب عن ابن أبي كريمة ولم تقصر في ذكر الرقاشي ولم تذكر سره إن الأعرابي شر من الحاضر سائل جبار وثابة ملاق إن مدح كذب وإن هجا كذب وإن سب كذب وإن طمع كذب.
لا يعرفه إلا نطف أو أحمق ولا يعطيه غلا من يحبه ولا يحبه غلا من هو في طباعه.
ما أبطأكم عن البذل في الحق! وأسرعكم إلى البذل في الباطل! فإن كنتم الشعراء تفضلون وإلى قولهم ترجعون فقد قال الشاعر: قليل المال تصلحه فيبقى ولا يبقى الكثير على الفساد وقد قال الشماخ بن ضرار: وقال أحيحة بن الجلاح: استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب من ابن عم ولا عم ولا خال إني أكب على الزوراء أعمرها إن الكريم على الأقوام ذو مال وقال أيضاً: استغن عن كل ذي قربى وذي رحم إن الغني من استغنى عن الناس والبس عدوك في رفق وفي دعة لباس ذي إربة للدهر لباس ولا يغرنك أضغان مزملة قد يضرب الدبر الدامي بأحلاس وقال سهل بن هارون: إذا امرؤ ضاق عني لم يضق خلقي من أن يراني غنياً عنه بالياس فلا يراني إذا لم يرع آصرتي مستمر يا درراً منه بإبساس لا أطلب المال كي أغني بفضلته ما كان مطلبه فقراً إلى الناس وقال أبو العتاهية: أنت ما استغنيت عن صا - حبك الدهر أخوه فلو أني أشاء نعمت بالاً وباكرني صبوح أو نشيل
ولاعبني على الأنماط لعس على أنيابهن الزنجبيل ولكني خلقت إزاء مال فأبخل بعد ذلك أو أنيل وقال آخر: أبا مصلح أصلح ولا تك مفسداً فإن صلاح المال خير من الفقر ألم تر أن المرء يزداد عزة على قومه أن يعلموا أنه مثري وقال عروة بن الورد: ذريني للغنى أسعى فإني رأيت الناس شرهم الفقير وأبعدهم وأهونهم عليهم وإن أمسى له نسب وخير ويقصى في الندى وتزدريه حليلته وينهره الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ذنبه والذنب جم ولكن الغني رب غفور وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: فلعلي أن يكثر المال عندي ويعرى من المغارم ظهري ويرى أعبد لنا وأواق ومناصيف من خوادم عشر وتجر الأذيال في نعمة زو ل تقولان: ضع عصاك لدهر وى كأن من يكن له نشب يح بب ومن يفتقر يعش عيش ضر ويجنب سر النجى ولكن أخا الفقر محضر كل شر وقال آخر: وللمال مني جانب لا أضيعه وللهو مني والبطالة جانب وقال الأخنس بن شهاب: وقد عشت دهراً والغواة صحابتي أولئك إخواني الذين أصاحب فأديت عني ما استعرت من الصبا وللمال مني اليوم راع وكاسب وقال ابن أذينة الثقفي: أطعت العرس في الشهوات حتى أعادتني عسيفاً عبد عبد إذا ما جئتها قد بعت عتقاً تعانق أو تقبل أو تفدى من يجمع المال ولا يثبه ويترك العام لعام جدبه يهن على الناس هوان كلبه وقد قيل في المثل: الكد قبل المد وقال لقيط: الغزو أدر للقاح وأحد للسلاح.
وقال أبو المعافى: وإن التواني أنكح العجز بنته وساق إليها حين زوجها مهراً فراشاً وطيئاً ثم قال لها: اتكي فقصركما - لابد - أن تلدا الفقرا وقال عثمان بن أبي العاص: ساعة لدنياك وساعة لآخرتك.
وقال رسول الله ﷺ: أنهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال.
وقال: خير الصدقة ما أبقى غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول.
وقال النبي ﷺ: ( الثلث. والثلث كثير إنك إن تدع ولدك أغنياء خير من أن يتكففوا الناس ).
وقال ابن عباس: وددت أن الناس غضوا من الثلث شيئاً لقول النبي عليه السلام: الثلث.
والثلث كثير.
وقال النبي ﷺ: كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت.
وأنتم ترون أن المجد والكرم أن أفقر نفسي بإغناء غيري وأن أحوط عيال غيري بإضاعة عيالي! كتاركة بيضها بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحا وقال آخر: كمفسد أدناه ومصلح غيره ولم يأتمر في ذاك أمر صلاح وقال آخر: كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بنيها ولم ترقع بذلك مرقعا وقال الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}.
وقال: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ}.
فأذن في العفو ولم يأذن في الجهد وأذن في الفضول ولم يأذن في الأصول.
وأراد كعب بن مالك أن يتصدق بماله.فقال له النبي ﷺ: أمسك عليك مالك.
فالنبي ﷺ يمنعه من إخراج ماله في الصدقة وأنتم تأمرونه بإخراجه في السرف والتبذير! وخرج غيلان بن سلمة من جميع ماله فأكرهه عمر على الرجوع فيه وقال: لو مت لرجمت قبرك كما يرجم قبر أبي رغال.
وقال الله جل وعز: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}.
وقال النبي ﷺ: يكفيك ما بلغك المحل.
وقال: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
وقال الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}.
وقال النبي ﷺ: إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
وقال الله جل ذكره: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}.
ولذلك قالوا: خير مالك ما نفعك وخير الأمور أواسطها وشر السير الحقحقة والحسنة بين السيئتين.
وقالوا: دين الله بين المقصر والغالي.
وقالوا حنيفة المثل: بينهما يرمى الرامي.
وقالوا: عليك بالسداد والاقتصاد ولا وكس ولا شطط.
وقالوا: بين الممخة والعجفاء.
وقالوا: لا تكن حلواً فتبتلع ولا مراً فتلفظ.
وقالوا في المثل: ليس الري عن التشاف.
وقالوا: يا عاد اذكر حلاً.
وقالوا: الرشف أنقع للظمآن.
وقالوا: القليل الدائم أكثر من الكثير المنقطع.
وقال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهة أن أحمل عليها من الحق ما ملها.
وقال الشاعر: وإني لحلو تعتريني مرارة وإني لصعب الرأس غير جموح وقالوا في عدل المصلح ولائمة المقتصد: الشحيح أعذر من الظالم.
وقالوا: ليس من العدل سرعة العذل.
وقالوا: لعل له عذراً وأنت تلوم.
وقالوا: رب لائم مليم.
وقال الأحنف: رب ملوم لا ذنب له.
وقال: إعطاء السائل تضرية وإعطاء الملحف مشاركة.
وقال النبي ﷺ: لا تصلح المسألة إلا في ثلاث: فقر مدقع وغرم مفظع ودم موجع.
وقال الشاعر: الحر يلحى والعصا للعبد وليس للملحف غير الرد وقالوا: إذا جد السؤال جد المنع.
وقالوا: احذر إعطاء المخدوعين وبذل المغبونين فإن المغبون لا محمود ولا مأجور.
ولذلك قالوا: لا تكن أدنى العيرين إلى السهم.
يقول: إذا أعطيت السائلين مالك صارت مقاتلك أظهر لأعدائك من مقاتلهم.
وقالوا: الفرار بقراب أكيس.
وقال أبو الأسود: ليس من العز أن تتعرض للذل ولا من الكرم أن تستدعي اللؤم.
ومن أخرج ماله من يده افتقر ومن افتقر فلا بد له من أن يضرع والضرع لؤم.
وإن كان الجود شقيق الكرم فالأنفة أولى بالكرم.
وقد قال الأول: اللهم لا تنزلي ماء سوء فأكون امرأ سوء.
وقد قال الشاعر: واخط مع الدهر إذا ما خطا واجر مع الدهر كما يجري وقد قال الآخر: يا ليت لي نعلين من جلد الضبع وشركاً من ثغرها لا تنقطع وقد صدق قول القائل: من احتاج اغتفر ومن اقتضى تجوز.
وقيل لريسيموس: تأكل في السوق قال: إن جاع ريسيموس في السوق أكل في السوق.
وقال: من أجدب انتجع ومن جاع جشع.
وقال: احذروا نفار النعمة فإنها نوار وليس كل شارد بمردود ولا كل ناد بمصروف وقال علي بن أبي طالب: قلما أدبر شيء فأقبل.
وقالوا: رب أكلة تمنع أكلات ورب عجلة تهب ريثاً.
وعابوا من قال: أكلة وموتة.
وقالوا: لا تطلب أثراً بعد عين.
وقالوا: لا تكن كمن تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن.
فانظر كيف تخرج الدرهم ولم تخرجه.
وقالوا: شر من المررئة سوء الخلف.
وقال الشاعر: إن يكن ما به أصبت جليلاً فذهاب العزاء فيه أجل ولأن تفتقر بجائحة نازلة خير لك من أن تفتقر بجناية مكتسبة.
ومن كان سبباً لذهاب وفره لم تعدمه الحسرة من نفسه واللائمة من غيره وقلة الرحمة وكثرة الشماتة مع الإثم الموبق والهوان على الصاحب.
وذكر عمر بن الخطاب فتيان قرش وسرفهم في الإنفاق ومسابقتهم في التبذير فقال: لخرقة أحدهم أشد علي من عيلته يقول: إن إغناء الفقير أهون علي من إصلاح الفاسد.
ولا تكن على نفسك أشأم من خوتعة وعلى أهلك أشأم من البسوس وعلى قومك أشأم من عطر مشم.
ومن سلط الشهوات على ماله وحكم الهوى في ذات يده فبقي حسيراً فلا يلومن إلا نفسه.
وطوبى لك يوم تقدر على قديم تنتفع به.
وقال بعض الشعراء: أرى كل قوم يمنعون حريمهم وليس لأصحاب النبيذ حريم أخوفهم إذا ما دارت الكأس بينهم وكلهم رث الوصال سئوم فهذا بياني لم أقل بجهالة ولكنني بالفاسقين عليم وقد كان هذا المعنى في أصحاب النبيذ أوجد.
فأما اليوم فقد استوى الناس.
قال الأضبط بن قريع لما انتقل في القبائل فأساءوا جواره بعد أن تأذى ببني سعد: بكل وا بنو سعد.
خذ بقولي ودع قول أبي العاص.
وخذ بقول من قال: عش ولا تغتر وبقول من قال: لا تطلب أثراً بعد عين وبقول من قال: املأ حبك من أول مطرة ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
أخوك من صدقك ومن أتاك من جهة عقلك ولم يأتك من جهة شهوتك.
وأخوك من احتمل ثقل نصيحتك في حظك ولم تأمن لائمته إياك في غدك.
إن أخاك الصدق من لن يخدعك ومن يضير نفسه لينفعك وقال عبيد بن الأبرص: واعلمن علماً يقيناً أنه ومن يرجى لك من ليس معك ولا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك وعين من عقلك على طباعك أو ما كان لك أخ نصيح ووزير شفيق.
والزوجة الصالحة عون صدق.
والسعيد من وعظ بغيرة.
فإن أنت لم ترزق من هذا الخصال صل واحدة فلابد لك من نكبة موجعة يبقى أثرها ويلوح لك ذكرها.
ولذلك قالوا: خير مالك ما نفعك.
ولذلك قالوا: لم يذهب من مالك ما وعظك.
إن المال محروص عليه ومطلوب في قعر البحار وفي رءوس الجبال وفي دغل الغياض ومطلوب في الوعورة ا يطلب في السهولة.
وسواء فيها بطون الأودية وظهور الطرق ومشارق الأرض ومغاربها.
فطلبت بالعز وطلبت بالذل وطلبت بالوفاء وطلبت بالغدر وطلبت بالنسك كما طلبت بالفتك وطلبت بالصدق كما طلبت بالكذب وطلبت بالبذاء وطلبت بالملق - فلم تترك فيها حيلة ولا رقية حتى طلبت بالكفر بالله كما طلبت بالإيمان.
وطلبت بالسخف كما طلبت بالنبل.
فقد نصبوا الفخاخ بكل موضع ونصبوا الشرك بكل ربع.
وقد طلبك من لا يقصر دون الظفر.
وحسدك من لا ينام دون الشفاء.
وقد يهدأ الطالب الطوائل والمطلوب بذات نفسه ولا يهدأ الحريص.
يقال إنه ليس في الأرض بلدة واسطة ولا بادية شاسعة ولا طرف من الأطراف إلا وأنت واجد بها المديني والبصري والحيري.
وقد ترى شنف الفقراء للأغنياء وتسرع الرغبة إلى الملوك وبغض الماشي للراكب وعموم الحسد في المتفاوتين.
وإن لم تستعمل الحذر وتأخذ بنصيبك من المداراة وتتعلم الحزم وتجالس أصحاب الاقتصاد وتعرف الدهور - ودهرك خاصة - وتمثل لنفسك الغير حتى تتوهم نفسك فقيراً ضائعاً وحتى تتهم شمالك على يمينك وسمعك على بصرك ولا يكون أحد أتهم عند نفسك من ثقتك ولا أولى بأخذ الحذر منه من أمينك - اختطفت اختطافاً واستلبت استلاباً وذوبوا مالك وتحيفوه وألزموه السل ولم يداووه.
وقد قالوا: بلي المال ربه وإن كان أحمق.
فلا تكونن دون ذلك الأحمق.
وقالوا: لا تعدم صناع ثلة.
فلا تكونن دون تلك الصناع.
وقد قال الأول في المال المضيع المسلط عليه شهوات العيال: ليس لها راع ولكن حلبة.
وليس مالك المال المعفى من الأضراس فيقال فيه: مرعىً ولا أكولة وعشب ولا بعير.
فقصاراك مع الإصلاح أن يقوم ببطنك وبحوائجك وبما ينوبك.
ولا بقاء للمال على قلة الرعي وكثرة الحلب.
فكس في أمرك وتقدم في حفظ مالك فإن من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين.
والأكرمان: الدين والعرض.
وقد قيل: للرمي يراش السهم وعند النطاح تغلب القرناء.
وإذا رأت العرب مستأكلاً وافق غمراً قالت: ليس عليك نسجه فاسحب وخرق.
وقد قال رسول الله ﷺ: (الناس كلهم سواء كأسنان المشط والمرء كثير بأخيه) ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك ما يرى لنفسه.
فتعرف شأن أصحابك ومعنى جلسائك.
فإن كانوا في هذه الصفة فاستعمل الحزم وإن كانوا في خلاف ذلك عملت على حسب ذلك.
إني لست أمرك إلا بما أمرك به القرآن.
ولست أوصيك إلا بما أوصاك به الرسول.
ولا أعظك إلا بما وعظ به الصالحون بعضهم بعضاً.
قال رسول الله ﷺ: (اعقلها وتوكل).
وقال مطرف بن الشخير: من نام تحت صدف مائل وهو ينوي التوكل فليرم بنفسه من طمار وهو ينوي التوكل! فأين التوقي الذي أمر الله به وأين التغرير الذي نهى عنه ومن طمع في السلامة من غير تسلم فقد وضع الطمع في موضع الأماني.
وإنما ينجز الله الطمع إذا كان فيما أمر به وإنما يحقق من الأمل ما كان هو المسبب له.
وفر عمر من الطاعون فقال له أبو عبيدة: أتفر من قدر الله قال نعم إلى قدر الله وقيل له: هل ينفع الحذر من القدر فقال: لو كان الحذر لا ينفع لكان الأمر به لغواً.
فإبلاء العذر هو التوكل.
وقال رسول الله ﷺ لرجل قال في خصومة: حسبي الله: أبل الله عذراً فإذا أعجزك أمر فقل: حسبي الله.
وقال الشاعر: ومن يك مثلي ذا عيال ومقتراً من المال يطرح نفسه كل مطرح ليبلي عذراً أو ليبلغ حاجة ومبلغ نفس عذرها مثل منجح وقال الآخر: فإن لم يكن القاضي قضى غير عادل فبعد أمور لا ألوم لها نفسي وقال زهير البابي: إن كان التوكل أن أكون متى أخرجت مالي أيقنت بالخلف وجعلت الخلف مالاً يرجع في كيسي ومتى ما لم أحفظه أيقنت بأنه محفوظ فإني أشهدكم أني لم أتوكل قط.
إنما التوكل أن تعلم أنك متى أخذت بأدب الله أنك تتقلب في الخير فتجزى بذلك إما عاجلاً وإما آجلاً - ثم قال: فلم تجر أبو بكر ولم تجر عمر ولم تجر عثمان ولم تجر الزبير ولم تجر عبد الرحمن ولم علم عمر الناس يتجرون وكيف يشترون ويبيعون ولم قال عمر: إذا اشتريت جملاً فاجعله ضخماً فإن لم يبعه الخبر باعه المنظر ولم قال عمر: فرقوا بين المنايا واجعلوا الرأس رأسين.
ولم قال عثمان حين سئل عن كثرة أرباحه قال: لم أرو من ربح قط.
ولم قيل: لا تشتر عيباً ولا شيباً وهل حجر علي بن أبي طالب على ابن أخيه عبد الله بن جعفر إلا في إخراج المال في غير حقه وإعطائه في هواه وهل كان ذلك إلا في طلب الذكر والتماس الشكر وهل قال أحد: إن إنفاقه كان في الخمور والقمار وفي الفسولة والفجور وهل كان إلا فيما تسمونه جوداً وتعدونه كرماً ومن رأى أن يحجر على الكرام لكرمهم رأى أن يحجر على الحلماء لحلمهم.
وأي إمام بعد أبي بكر تريدون وبأي سلف بعد علي تفتدون.
وكيف نرجو الوفاء والقيام بالحق والصبر على النائبة من عند لعموظ مستأكل وملاق مخادع ومنهوم بالطعام شره لا يبالي بأي شيء أخذ الدرهم ومن أي وجه أصاب الدينار ولا يكترث للمنة ولا يبالي أن يكون أبداً منهوماً منعوماً عليه وليس يبالي - إذا أكل - كيف كان ذلك الطعام وكيف كان سببه وما حكمه فإن كان مالك قليلاً فإنما هو قوام عيالك وإن كان كثيراً فاجعل الفاضل لعدة نوائبك.
ولا يأمن الأيام إلا المضلل ولا يغتر بالسلامة إلا المغفل.
فأحذر طوارق البلاء وخدع رجال الدهاء.
سمنك في أديمك وغثك خير من سمين غيرك لو وجدته فكيف ودونه أسل حداد وأبواب شداد قالت امرأة لبعض العرب: إن تزوجتني كفيتك فأنشأ يقول: وما خير مال ليس نافع أهله وليس لشيخ الحي في أمره أمر وقال المعلوط القريعي: أبا هانئ لا تسأل الناس والتمس بكفيك ستر الله فالله واسع فلو تسأل الناس التراب لأوشكوا إذا قلت: هاتوا أن يملوا فيمنعوا ثم رجع إلى أحاديث البخلاء وإلى طرف معانيهم وكلامهم.
قال ابن حسان: كان عندنا رجل مقل و كان له أخ مكثر وكان مفرط البخل شديد النفح فقال له يوماً أخوه: ويحك! أنا فقير معيل وأنت غني خفيف الظهر لا تعينني على الزمان و لا تواسيني ببعض مالك و لا تتفرج لي عن شيء! و الله ما رأيت قط ولا سمعت أنحل منك! قال: ويحك! ليس الأمر كما تظن ولا المال كما تحسب ولا أنا كما تقول في البخل ولا في اليسر والله لو ملكت ألف ألف درهم لوهبت لك خمسمائة ألف درهم.
يا هؤلاء فرجل يهب في ضربة واحدة خمسمائة الف درهم يقال له: بخيل! وأما صاحب الثريدة البلقاء فليس عجبي من بلقة ثريدته وسائر ما كان يظهر على خوانه كعجبي من شيء واحد وكيف ضبطه وحصره وقوي عليه مع كثرة أحاديثه وصنوف مذاهبه وذلك أني في كثرة ما جالسته وفي كثرة ما كان فيه يفنن من الأحاديث لم أره خبر أن رجلاً وهب لرجل درهماً واحداً! فقد كان يفنن في الحزم والعزم وفي الحلم والعلم وفي جميع المعاني إلا ذكر الجود فإني لم أسمع هذا الاسم منه قط: خرج هذا الباب من لسانه كما خرج من قلبه! ويؤكد ما قلت ما حدثني به طاهر الأسير فإنه قال: ومما يدل على أن الروم أبخل الأمم أنك لا تجد للجود في لغتهم اسماً.
يقول: إنما يسمى الناس ما يحتاجون إلى استعماله.
ومع الاستغناء يسقط التكلف.
وقد زعم ناس أن مما يدل على غش الفرس أنه ليس للنصيحة في لغتهم اسم واحد يجمع المعاني التي يقع عليها هذا الاسم.
وقول القائل: نصيحة ليس يراد به سلامة القلب فقد يكون أن يكون الرجل سليم الصدر ولم يحدث سبب من أجله يقصد إلى المشورة عليك بالذي هو أرد عليك - على حسب رأيه فيك - وجهاً لنفعك.
ففي لغتهم اسم للسلامة واسم لإرادة الخير وحسن المشورة وحملك بالرأي على الصواب.
فللنصيحة عندهم أسماء مختلفة إذا اجتمعت دلت على ما يدل عليه الاسم الواحد في لغة العرب.
فمن قضى عليهم بالغش من هذا الوجه فقد ظلم.
وحدثني إبراهيم بن عبد العزيز قال: تغديت مع راشد الأعور فأتونا بجام فيه بيان سبخي الذي يقال له الدراج فجعلت آخذ الواحدة فأقطع رأسها ثم أعزله ثم أشقها باثنين من قبل بطنها فآخذ شوكة الصلب والأضلاع فأعزلها وأرمي بما في بطنها وبطرف الذنب والجناح.
ثم أجمعها في لقمة واحدة وآكلها.
وكان راشد يأخذ البياحة فيقطعها قطعتين فيجعل قطعة في لقمة لا يلقي رأساً ولا ذنباً - فصبر لي على لقم عدة.
فلما بلغت المجهود منه قال: أي بني إذا أكلت الطعام فكل خيره بشره! قال: وكان يقول: لم أنتفع بأكل التمر إلا مع الزنج وأهل أصبهان.
فأما الزنجي فإنه لا يتخير وأنا أتخير.
وأما الأصبهاني فإنه يقبض القبضة ولا يأكل من غيرها ولا ينظر إلى ما بين يديه حتى يفرغ من القبضة. وهذا عدل. والتخير قرفة وجور. لا جرم أن الذي يبقى من التمر لا ينتفع به العيال إذا كان قدام من يتخير.
وكان يقول: ليس من الأدب أن تجول يدك في الطبق وإنما هو تمر وما أصاب.
وزعم سري بن مكرم وهو ابن أخي موسى بن جناح قال: كان موسى يأمرنا ألا نأكل ما دام أحد منا مشغولاً بشرب الماء وطلبه.
فلما رآنا لا نطاوعه دعا ليلة بالماء ثم خط بإصبعه خطاً وأحاديثه في صدر هذا الكتاب.
وهذا منها.
وقال المكي لبعض من كان يتعشى ويفطر عند الباسياني: ويحكم! كيف تسيغون طعامه وأنتم تسمعونه يقول: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا}.
ثم ترونه لا يقرؤها إلا وأنتم على العشاء ولا يقرأ غير هذه الآية.
أنتم والله ضد الذي قال: ألبان إبل تعلة بن مسافر ما دام يملكها على حرام وطعام عمران بن أوفى مثله ما دام يسلك في البطون طعام إن الذين يسوغ في أعناقهم زاد يمن عليهم للئام قال: فمتى تعجب أعجب من خمسين رجلاً من العرب فيهم أبو رافع الكلابي وهو شاعر ندى يفطرون عند أبي عثمان الأعور.
فإفطاري من طعام نصراني أشد من إفطاري من طعام مسلم يقرأ القرآن ويقول الحق.
وحدثني أبو المنجوف السدوسي قال: كنت مع أبي ومعنا شيخ من موالي الحي.
فمررنا بناطور على نهر الأبلة ونحن تعبون.
فجلسنا إليه.
فلم يلبث أن جاءنا بطبق عليه رطب سكر وجيسوان أسود فوضعه بين أيدينا.
فأكل الشيخ الذي كان معنا.
فلما رأيت أبي لا يأكل لم آكل وبي إلى ذلك حاجة.
فأقبل الناطور على أبي فقال: لم لا تأكل قال: والله إني لأشتهيه.
ولكن لا أظن صاحب الأرض أباح لك طعام الناس من الغريب.
فلو جئتنا بشيء من السهريز والبرني لأكلنا.
فقال مولانا وهو شيخ كبير السن: ولكني أنا لم أنظر في شيء من هذا قط.
قال المكي: دخل إسماعيل بن غزوان إلى بعض المساجد يصلي.
فوجد الصف تاماً فلم يستطع أن يقوم وحده.
فجذب ثوب شيخ في الصف ليتأخر فيقوم معه.
فلما تأخر الشيخ ورأى الفرج تقدم فقام في موضع الشيخ وترك الشيخ قائماً خلفه ينظر في قفاه ويدعو الله عليه.
وكان ثمامة يحتشم أن يقعد على خوانه من لا يأنس به.
ومن رأيه أن يأكل بعض غلمانه معه.
فحبس قاسم التمار يوماً على غدائه بعض من يحتشمه.
فاحتمل ذلك ثمامة في نفسه.
ثم عاد بعد ذلك إلى مثلها ففعل ذلك مراراً حتى ضج ثمامة واستفرغ صبره.
فأقبل عليه فقال: ما يدعوك إلى هذا لو أردتم لكان لساني مطلقاً وكان رسولي يؤدي عني.
فلم تحبس على طعامي من لا آنس به قال: إنما أريد أن اسخيك فأنفي عنك التبخيل وسوء الظن.
فلما أن كان بعد ذلك أراد بعضهم الانصراف قال له قاسم: أين تريد قال: قد تحرك بطني فأريد المنزل.
قال: فلم لا تتوضأ هاهنا فإن الكنيف خال نظيف والغلام فارغ نشيط وليس من أبي معن حشمة ومنزله منزل إخوانه! فدخل الرجل فتوضأ.
فلما كان بعد أيام حبس آخر.
فلما كان بعد ذلك حبس آخر! فاغتاظ ثمامة وبلغ في الغيظ مبلغاً لم يكن على مثله قط.
ثم قال: هذا يحبسهم على غدائي لأن يسخيني بحبسهم على أن يخرءوا عندي! لمه لأن من لم يخرأ الناس عنده فهو بخيل على الطعام! وقد سمعتهم يقولون: فلان يكره أن يؤكل عنده.
ولم أسمع أحداً قط قال: فلان يكره أن يخرأ عنده! وكان قاسم شديد الأكل شديد الخبط قذر المؤاكلة.
وكان أسخى الناس على طعام غيره وأبخل الناس على طعام نفسه.
وكان يعمل عمل رجل لم يسمع بالحشمة ولا بالتجمل قط.
فكان لا يرضى بسوء أدبه على طعام ثمامة حتى يجر معه ابنه إبراهيم.
وكان بينه وبين إبراهيم ابنه في القذر ما بينه وبين جميع العالمين! فكانا إذا تقابلا على خوان ثمامة لم يكن لأحد على أيمانهما وشمائلهما حظ في الطيبات! فأتوه يوماً بقصعة ضخمة فيها ثريدة كهيئة الصومعة مكللة بإكليل من عراق بأكثر ما يكون من العراق.
فأخذ قاسم الذي يستقبله ثم أخذ يمنة وأخذ ما بين يدي من كان بينه وبين ثمامة حتى لم يدع إلا عرقاً قدام ثمامة.
ثم مال على جانبه الأيسر فصنع مثل ذلك الصنيع.
وعارضه ابنه وحاكاه! فلما أن نظر ثمامة إلى الثريدة مكشوفة القناع مسلوبة عارية واللحم كله بين يديه وبين يدي ابنه إلا قطعة واحدة بين يديه تناولها فوضعها قدام إبراهيم ابنه ولم يدفعها.
واحتسب بها في الكرامة والبر.
فقال قاسم لما فرغ من غدائه: أما رأيتم إكرام ثمامة لابني وكيف خصه فلما حكى هذا لي قلت: ويلك! ما أظن أن في الأرض عرقاً أشام على عيالك منه! فلما حكى هذا لي قلت: ويلك! ما أظن أن في الأرض عرقاً أشأم على عيالك منه! هذا أحرجه الغيظ وهذا الغيظ لا يتركه حتى يتشفى منك.
فإن قدر لك على ذنب فقد والله هلكت.
وإن لم يقدر أقدره لك الغيظ.
وأبواب التجني كثيرة.
وليس أحد إلا وفيه ما إن شئت جعلته ذنباً.
فكيف وأنت ذنوب من قرنك إلى قدمك! وكان ثمامة يفطر أيام كان في أصحاب الفساطيط ناساً.
فكثروا عليه وأتوه بالرقاع والشفاعات.
وفي حشوة المتكلمين أخلاق قبيحة وفيهم على أهل الكلام وعلى أرباب الصناعات محنة عظيمة.
فلما رأى ثمامة ما قد دهمه أقبل عليهم وهم يتعشون فقال: إن الله عز وجل لا يستحيي من الحق.
كلكم واجب الحق.
ومن لم تجئنا شفاعته فأكرمه كمن تقدمت شفاعته.
كما أنا لو فكذلك أنتم إذا أعجزنا أو بدا لنا فليس بعضكم أحق بالحرمان من بعض أو بالحمل عليه أو بالاعتذار إليه من بعض.
ومتى قربتكم وفتحت بابي لكم وباعدت من هو أكثر منكم عدداً وأغلقت بابي دونهم لم يكن في إدخالي إياكم عذر لي ولا في منع الآخرين حجة.
فانصرفوا ولا تعودوا! قال أبو محمد العروضي: وقعت بين قوم عربدة فقام المغني يحجز بينهم وكان شيخاً معيلاً بخيلاً.
فمسك رجل بحلقه فعصره فصاح: معيشتي! معيشتي! فتبسم وتركه.
وحثني ابن كريمة قال: وهبوا للكناني المغني خابية فارغة.
فلما كان عند انصرافه وضعوها له على الباب.
ولم يكن عنده كراء حمالها.
وأدركه ما يدرك المغنين من التيه فلم يحملها.
فكان يركلها ركلة فتدحرج وتدور بمبلغ حمية الركلة.
ويقوم من ناحية كي لا يراه إنسان ويرى ما يصنع.
ثم يدنو منها ثم يركلها أخرى فتدحرج وتدور ويقف من ناحية.
فلم يزل يفعل ذلك إلى أن بلغ بها المنزل! قالوا: كان عبد النور كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن قد استخفى بالبصرة في عبد القيس من أمير المؤمنين أبي جعفر وعماله.
وكان في غرفة قدامها جناح.
وكان لا يطلع رأسه منها.
فلما سكن الطلب شيئاً وثبت عنده حسن جوار القوم صار يجلس في الجناح يرضى بأن يسمع الصوت ولا يرى الشخص لما في ذلك من الأنس عند طول الوحشة.
فلما طالت به الأيام ومرت أيام السلامة جعل في الجناح خرقاً بقدر عينه.
فلما طالت الأيام صار ينظر من شق باب كان مسموراً.
ثم ما زال يفتحه الأول فالأول إلى أن صار يخرج رأسه ويبدي وجهه.
فلما لم ير شيئاً يريبه قعد في الدهليز.
فلما زاد في الأنس جلس على باب الدار! ثم صلى معهم في مصلاهم ودخل.
ثم صلى بعد ذلك وجلس.
والقوم عرب.
وكانوا يفيضون في الحديث ويذكرون من الشعر الشاهد والمثل ومن الخبر الأيام والمقامات.
وهو في ذلك ساكت إذا أقبل عليه ذات يوم فتى منهم خرج عن أدبهم وأغفل بعض ما راضوه به من سيرتهم فقال له: يا شيخ إنا قوم نخوض في بعض ضروب فربما تكلمنا بالمثلبة وأنشدنا الهجاء.
فلوا أعلمتنا ممن أنت تجنبنا كل ما يسوءك.
ولو اجتنبنا أشعار الهجاء كلها وأخبار المثلب بأسرها لم نأمن أن يكون ثناؤنا ومديحنا لبعض العرب مما يسوءك.
فلو عرفتنا نسبك كفيناك سماع ما يسوءك من هجاء قومك ومن مديح عدوك.
فلطمه شيخ منهم وقال: لا أم لك! محنة كمحنة الخوارج وتنقير كتنقير العيابين ولم لا تدع ما يريبك إلى مالا يريبك فتسكت إلا عما توقن بأنه يسره.
قال: وقال عبد النور: ثم إن موضعي نبا بي لبعض الأمر.
فتحولت إلى شق بني تميم فنزلت برجل فأخذته بالثقة وأكمنت نفسي إلى أن أعرف سبيل القوم.
وكان للرجل كنيف إلى جانب داره يشرع في طريق لا ينفذ.
إلا أن من مر في ذلك الشارع رأى مسقط الغائط من خلاء ذلك الجناح.
وكان صاحب الدار ضيق العيش فاتسع بنزولي عليه.
فكان القوم إذا مروا به ينظرون إلى موضع الزبل والغائط فلا يذهب قلبي إلى شيء مما كانوا يذهبون إليه.
فبينا أنا جالس ذات يوم إذا أنا بأصوات ملتفة على الباب وإذا صاحبي ينتفي ويعتذر وإذا الجيران قد اجتمعوا إليه وقالوا: ما هذا الثلط الذي يسقط من جناحك بعد أن كنا لا نرى إلا شيئاً كالبعر من يبس الكعك وهذا ثلط يعبر عن أكل غض! ولولا أنك انتجعت على بعض من تستر وتواري لأظهرته.
وقد قال الأول: الستر دون الفاحشات ولا يلقاك دون الخير من ستر ولولا أن هذا طلبة السلطان لما توارى.
فلسنا نأمن من أن يجر على الحي بلية.
ولست تبالي - إذا حسنت حالك في عاجل أيامك - إلام يفضي بك الحال وما تلقى عشيرتك.
فإما أن تخرجه إلينا وإما أن تخرجه عنا.
قال عبد النور: فقلت: هذه والله القيافة ولا قيافة بني مدلج! إنا لله! خرجت من الجنة إلى النار! وقلت: هذا وعيد. وقد اعذر من انذر.
فلم أظن أن اللؤم يبلغ ما رأيت من هؤلاء ولا ظننت أن الكرم يبلغ ما رأيت من أولئك! شهدت الأصمعي يوماً وأقبل على جلسائه يسألهم عن عيشهم وعما يأكلون ويشربون.
فأقبل على الذي عن يمينه فقال: أبا فلان ما أدمك قال: اللحم.
قال: أكل يوم لحم قال: نعم.
قال: وفيه الصفراء والبيضاء والحمراء والكدراء والحامضة والحلوة والمرة قال: نعم.
قال: بئس العيش هذا! ليس هذا عيش آل الخطاب.
كان عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ورضوانه يضرب على هذا.
وكان يقول: مد من اللحم كمد من الخمر.
ثم سأل الذي يليه قال: أبا فلان ما أدمك قال: الآدام الكثير والألوان الطيبة.
قال: أفي آدامك سمن قال: نعم.
قال فتجمع السمن والسمين على مائدة قال: نعم.
قال: ليس هذا عيش آل الخطاب.
كان ابن الخطاب رحمة الله عله ورضوانه يضرب على هذا.
وكان إذا وجد القدور المختلفة الطعوم كدرها في قدر واحدة وقال: إن العرب لو أكلت هذا لقتل بعضها بعضاً.
ثم يقبل على الآخر فيقول: أبا فلان ما أدمك قال: اللحم السمين والجداء الرضع.
قال: فتأكله بالحوارى قال: نعم.
قال: ليس هذا عيش آل الخطاب.
كان ابن الخطاب يضرب على هذا.
أو ما سمعته يقول: أتروني لا أعرف الطعام الطيب لباب البر بصغار المعزى.
ألا تراه كيف ينتفي من أكله وينتحل معرفته ثم يقبل على الذي يليه فيقول: أبا فلان ما أدمك فيقول: أكثر ما نأكل لحوم الجزور ونتخذ منها هذه القلايا ونجعل بعضها شواء.
قال: أفتأكل من أكبادها وأسمنتها وتتخذ لك الصباغ قال: نعم.
قال: ليس هذا عيش آل الخطاب.
كان ابن الخطاب يضرب على هذا.
أو ما سمعته يقول: أتروني لا أقدر أتخذ أكباداً وأفلاذاً وصلائق وصناباً ألا تراه كيف ينكر أكله ويستحسن معرفته ثم يقول للذي يليه: أبا فلان ما أدمك فيقول: الشبارقات والأخبصة والفالوذجات.
قال: طعام العجم وعيش كسرى ولباب البر بلعاب النحل بخالص السمن - حتى أتى على آخرهم.
كل ذلك يقول: بئس العيش هذا! ليس هذا عيش آل الخطاب.
كان ابن الخطاب يضرب على هذا.
فلما انقضى كلامه أقبل عليه بعضهم فقال: يا أبا سعيد ما أدمك قال: يوماً لبن ويوماً زيت ويوماً سمن ويوماً تمر ويوماً جبن ويوماً قفار ويوماً لحم.
عيش آل الخطاب.
ثم قال: قال أبو الأشهب: كان الحسن يشتري لأهله كل يوم بنصف درهم لحماً.
فإن غلا فبدرهم.
فلما حبس عطاؤه كانت مرقته بشحم.
ونبئت عن رجل من قريش أنه كان يقول: من لم يحسن يمنع لم يحسن يعطى وأنه قال لابنه: أي بني إنك إن أعطيت في غير موضع الإعطاء أوشك أن تستعطي الناس فلا تعطي.
ثم أقبل علينا فقال: هل علمتم أن اليأس أقل من القناعة وأعز.
إن الطمع لا يزال طمعاً وصاحب الطمع لا ينتظر الأسباب ولا يعرف الطمع الكاذب من الصادق.
والعيال عيالان: شهوة مفسدة وضرس طحون.
وأكل الشهوة أثقل من أكل الضرس.
وقد زعموا أن العيال سوس المال وأنه لا مال لذي عيال.
وأنا أقول: إن الشهوة تبلغ ما لا يبلغ السوس وتأتي على ما يقصر دونه العيال.
وقد قال الحسن: ما عال أحد قط عن قصد.
وقيل ليشخ من أهل البصرة: مالك لا ينمي لك مال قال: " لأني اتخذت العيال قبل المال واتخذ الناس المال قبل العيال ".
وقد رأيت من تقدم عياله ماله فجبره الإصلاح ورفده الاقتصاد وأعانه حسن التدبير.
وقال: أر لشهواني تدبيراً ولا لشره صبراً.
وقال إياس بن معاوية: إن الرجل يكون عليه ألف فينفق ألفاً فيصلح فتصلح له الغلة.
ويكون عليه ألفان فينفق ألفين فيصلح فتصلح له الغلة.
ويكون عليه ألفان فينفق ثلاثة آلاف فيتبع العقار في فضل النفقة.
وذكر الحديث عن أبي لينة قال: كنت أرى زياداً وهو أمير يمر بنا على بغلة في عنقها حبل من ليف مدرج على عنقها.
وكان سلم بن قتيبة يركب بغلة وحده ومعه أربعة آلاف رابطة.
ورآه الفضل بن عيسى على حمار وهو أمير فقال: بذلة نبي وقعود جبار! ولو شاء أبو سيارة أن يدفع بالعرب على جمل مهري أو فرس عتيق لفعل.
ولكنه أراد هدى الصالحين.
وحمل عمر على برذون فهملج تحته.
فنزل عنه.
فقال لأصحابه: جنبوني هذا الشيطان.
ثم قال لأصحابه: لا تطلبوا العز بغير ما أعزكم الله به.
قد كنت أعجب من بعض السلف حيث قال: ما أعرف شيئاً مما كان الناس عليه إلا الأذان.
وأنا أقول ذلك.
ولم يزل الناس في هبوط ما ترفعوا بالإسراف وما رفعوا البنيان للمطاولة.
وإن من أعجب ما رأيت في هذا الزمان أو سمعت مفاخرة مويس بن عمران لأبي عبيد الله بن سليمان في أيهما كان أسبق إلى ركوب البراذين! وما للتاجر وللبرذون وما ركوب التاجر للبراذين إلا كركوب العرب للبقر! ولو كانوا إذا جلسوا في الخيوش واتخذوا الحمامات في الدور وأقاموا وظائف الثلج والريحان واتخذوا القيان والخصيان استرد الناس ودائعهم واسترجعت القضاة أموال الأيتام والحشرية منهم لعادوا إلى دينهم وعيشهم واقتصادهم.
وإذا رآهم أصحاب الغلات وأهل الشرف والبيوتات أنفوا أن يكونوا دونهم في البزة والهيئة.
فهلكوا وأهلكوا.
زعم أبو يعقوب الخريمي أن جعفر بن يحيى أراد يوماً حاجة كان طريقه إليها على باب الأصمعي وأنه دفع إلى خادم له كيساً فيه ألف دينار وقال له: سأنزل في رجعتي إلى الأصمعي.
وسيحدثني ويضحكني.
فإذا رأيتني قد ضحكت فضع الكيس بين يديه.
فلما دخل فرأى حباً مقطوع الرأس وجرة مكسورة العروة وقصعة مشعبة وجفنة أعشاراً ورآه على مصلى بال وعليه بركان أجرد - غمز غلامه بعينه ألا يضع الكيس بين يديه ولا يدفع إليه شيئاً.
فلم يدع الأصمعي شيئاً مما يضحك الثكلان والغضبان إلا أورده عليه فما تبسم فقال له إنسان: ما أدري من أي أمر يك أعجب أمن صبرك على الضحك وقد أورد عليك ما لا يصبر على مثله أم من تركك إعطاءه وقد كنت عزمت على إعطائه وهذا خلاف ما أعرفك به! قال: ويلك! من استرعى الذئب فقد ظلم. ومن زرع سبخة حصد الفقر.
إني والله لو علمت أنه يكتم المعروف بالفعل لما ارتفقت بنشره له باللسان.
وأين يقع مديح اللسان من مديح آثار الغنى على الإنسان فاللسان قد يكذب والحال لا تكذب.
لله در نصيب حيث يقول: فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب أعلمت أن ناووس أبرويز أمدح له من شعر زهير لآل سنان بن أبي حارثة لأن الشاعر يكذب ويصدق وبنيان لا يكذب مرة ويصدق مرة.
فلست بعائد إلى هذا بمعروف أبداً.
كان الأصمعي يتعوذ بالله من الاستقراض والاستقراض.
فأنعم الله عليه حتى صار هو المستقرض منه والمستفرض ما عنده.
فاتفق أن أتاه في يوم واحد رجلان.
وكان أحدهما يطلب الفرض والآخر يطلب القرض.
هجما عليه معاً فأثقله ذلك وملأ صدره! ثم أقبل على صاحب السلف فقال: " تتبدل الأفعال بتبدل الحال.
ولكل زمان تدبير ولكل شيء مقدار والله في كل يوم في شأن.
كان الفقيه يمر باللقطة فيتجاوزها ولا يتناولها كي يمتحن بحفظها سواه إذ كان جل الناس في ذلك الدهر يريدون الأمانة ويحوطون اللقطة.
فلما تبدلوا وفسدوا وجب على الفقيه إحرازها والحفظ لها وأن يصبر على ما نابه من المحنة واختبر به من الكلفة ".
" وقد بلغني أن رجلاً أتي صديقاً له يستقرض منه مالاً فتركه بالباب ثم خرج إليه مؤتزراً.
فقال له: مالك قال: جئت للقتال والطام والخصومة والصخب.
قال: ولم قال: لأنك في أخذ مالي بين حالين: إما أن تذهب به.
وإما أن تمطلني به.
فلو أخذته على طريق البر والصلة لاعتددت عليك بحق ولوجب عليك به شكر.
وإذا أخذته من طريق السلف كانت العادة في الديون والسيرة في الأسلاف الرد أو التقاضي.
وإذا تقاضيتك أغضبتك وإذا أغضبتك أسمعتني ما أكره فتجمع على المطل وسوء اللفظ والوحشة وإفساد اليد في الأسلاف وأنت أظلم فأغضب كما غضبت.
فإذا نقلتني إلى حالك فعلت فعلك وصرت أنا وأنت كما قال العربي: أنا تئق وصاحبي مئق - فما ظنك بمئق من الغيظ مملوء من الغضب لاقى متأقاً من الموق مملوءاً من الكفران - ولكني أدخل إلى المنزل فأخرج إليك مؤتزراً فأعجل لك اليوم ما أخرته إلى غد.
وقد علمت أن ضرب الموعظة دون ضرب الحقد والسخيمة فتربح صرف ما بين الألمين وفضل ما بين الشتمين ".
" وبعد فأنا أضن بصداقتي لك وأشح على نصيبي منك من أن أعرضه للفساد وأن أعينك على القطيعة.
فلا تلمني على أن كنت عندي واحداً من أهل عصرك.
فإن كنت عند نفسك فوقهم وبعيداً من مذهبهم فلا تكلف الناس علم الغيب فتظلمهم ".
ثم قال: " وما زالت العارية مؤداة والوديعة محفوظة.
فلما قالوا: أحق الخيل بالركض المعار بعد أم كان يقال: أحق الخيل بالصون المعار وبعد المؤمنين قيل لبعضهم: ارفق به قال: إنه عارية وقال الآخر: فاقتل! - فسدت العارية واستد هذا الباب.
ولما قالوا: واخفض جناحك إن مشيت تخشعاً حتى تصيب وديعة ليتيم " " وحين أكلت الأمانات الأمناء والأوصياء ورتع فيها المعدلون والصارفون وجب حفظها ودفنها وكان أكل الأرض لها خيراً من أكل الخئون الفاجر واللئيم الغادر.
وهذا مع قول أكثم بن صيفي في ذلك الدهر: لو سئلت العارية: أين تذهبين قالت: أكسب أهلي ذماً ".
" وأنا اليوم أنهي عن العارية والوديعة وعن القرض والفرض وأكره أن يخالف قولي فعلي.
أما القرض فما أنبأتك وأما الفرض فليس يسعه إلا بيت المال.
ولو وهبت لك درهماً واحداً لفتحت على مالي باباً لا تسده الجبال والرمال ولو استطعت أن أجعل دونه ردماً كردم ياجوج ومأجوج ".
" إن الناس فاغرة أفواههم نحوه من عنده دراهم فليس يمنعهم من النهس إلا اليأس.
وإن طعموا لم تبق راغية ولا ثاغية ولا سبد ولا لبد ولا صامت ولا ناطق إلا ابتلعوه والتهموه! أتدري ما تريد بشيخك إنما تريد أن تفقره.
فإذا أفقرته فقد قتلته.
وقد تعلم ما جاء في قتل النفس المؤمنة "! فلم أشبه قول الأصمعي لهذا الرجل حين قال: " أنا أضن بك وأشح على نصيبي منك من أن أعرضه للفساد " إلا بقول ثمامة حين قال لابن سافري: " بالنظر مني أقول لك والشفقة مني أسبك ".
وذلك أنه ندم فرأى أن هذا القول يجعل ذلك منه يداً ونعمة.
وشهدت ثمامة وقد أتاه رجل قال: لي إليك حاجة فقال ثمامة: ولي إليك أيضاً حاجة.
قال: وما حاجتك قال: لست أذكرها لك حتى تضمن لي قضاءها.
قال: نعم.
قال: فحاجتي ألا تسألني هذه الحاجة.
قال: إنك لا تدري ما هي قال: بلى قد دريت.
قال: فما هي قال: هي حاجة.
وليس يكون الشيء حاجة إلا وهي تخرج إلى شيء من الكلفة.
قال: فقد رجعت عما أعطيتك.
قال: لكني لا أرد ما أخذت.
فأقبل عليه آخر فقال: لي حاجة إلى منصور بن النعمان.
قال: قل.
لي حاجة إلى ثمامة بن أشرس لأني أنا الذي أقضي لك الحاجة ومنصور يقضيها لي.
فالحاجة أنا أقضيها لك وغيري يقضيها لي.
ثم قال: فأنا لا أتكلم في الولايات ولا أتكلم في الدراهم لأن الدراهم من قلوب الناس ولأن الحوائج تنقض.
فمن سألته اليوم أن يعطيك سألني غداً أن أعطي غيرك.
فتعجيلي تلك العطية لك أروح لي.
ليس عندي دراهم ولو كان عندي دراهم لكانت نوائبي القائمة الساعة تستغرقها.
ولكن أؤنب لكم من شئتم.
علي لكم من التأنيب كل ما تريدون! قلت له فإذا أتيت رجلاً في أمر لم تتقدم فيه بمسألة كيف يكون جوابه لك فضحك حتى وجاء مرة أبو همام المسوط يكلمه في مرمة داره التي تطوع ببنائها في رباط عبادان فقال: ذكرتني الطعن وكنت ناسياً.
قد كنت عزمت على هدمها حين بلغني أن الجبرية قد نزلتها.
قال: سبحان الله! تهدم مكرمة وداراً قد وقفتها للسبيل قال: فتعجب من ذا قد أردت أن أهدم المسجد الذي كنت بنيته ليزيد بن هاشم حين ترك أن يبنيه في الشارع وبناه في الرائغ وحين بلغني أنه يخلط في الكلام ويعين البشرية على المعتزلة.
فلو أراده أبو همام وجد من ثمامة مربداً جميع مساحة الأرض! وكان حين يسوي لك اللفظ لا ينظر في صلاح المعاني من فسادها.
وتمشى رجل إلى الغاضري قال: إن صديقك القادمي قد قطع عليه الطريق.
قال: فأي شيء تريد قال: أن تخلف عليه.
قال: فليس عليه قطع الطريق بل على قطع! وأتى ابن سكاب الصيرفي صديق له يستلف منه مالاً فقال: لو شئت أن أقول لقلت وأن أعتل اعتللت وأن أستعير بعض كلام من يستلف منه إخوانه فعلت.
وليس أرى شيئاً خيراً من التصحيح وقشر العصا وليس أفعل.
فإن التمست لي عذراً فهو أروح لقلبك وإن لم تفعل فهو شر لك.
وضاق الفيض بن يزيد ضيقاً شديداً فقال: والله ما عندنا من شيء نعول عليه وقد بلغ السكين العظم.
والبيع لا يكون إلا مع طول المدة.
والرأي أن ننزل هذه النائبة بمحمد بن عباد فإنه يعرف الحال وصحة المعاملة وحسن القضاء وما لنا من السبب المنتظر فلو كتبت إليه كتاباً لسره ذلك ولسد منا هذه الخلة القائمة الساعة.
فتناول القلم والقرطاس ليكتب إليه كتاب الواثق المدل لا يشك أنه سيتلقى حاجته بمثل ما كان هو المتلقي لها منه - ومضى بعض من كان في المجلس إلى محمد بن عباد ليبشره بسرعة ورود حاجة الفيض إليه.
فأتاه أمر لا يقوم به.
فأمر بالكتابة إليه ليشغله بحاجته إليه عن حاجته إليه.
فكتب إليه: مالي يضعف والدخل قليل والعيال كثير والسعر غال.
وأرزاقنا من الديوان قد احتبست.
وقد تفتحت علينا من أبواب النوائب في هذه الأيام ما لم يكن لنا في حساب.
فإن رأيت أن تبعث إلي بما أمكنك فعجل به فإن بنا إليه أعظم الحاجة فورد الكتاب على الفيض قبل نفوذ كتابه إليه.
فلما قرأه استرجع وكتب إليه: يا أخي تضاعفت على المصيبة حتى جمعت خلة عيالك إلى خلة عيالي.
وقد كنت على الاحتيال لهم.
وسأضطرب في وجوه الحيل غير هذا الاضطراب.
وسأتحرك في بيع ما عندي ولو ببعض الطرح.
فلما رجع الكتاب على ابن عباد سكن وألقي صاحبه في أشد الحركة وأتعب التعب.
وكان رجل من أبناء الحربية له سخاء وأريحية.
وكان يكثر استزارة ابن عباد ويتلف عليه من الأموال من طريق الرغبة في الأدباء وفي مشايخ الظرفاء.
وكان يظن بكرمه أن زيارته ابن عباد في منزله زيادة في المؤانسة.
وقد كان بلغه إمساكه ولكنه لم يظن أنه لا حيلة في سببه.
فأتاه يوماً متطرئاً قال: جئتك من غير دعاء.
وقد رضيت بما حضر.
قال: فليس يحضر شيء.
وقولك: بما حضر لا بد من أن يقع على شيء! قال: فقطعة مالح قال: وقطعه مالح ليس هي شيء قال بلى فنحن نشرب على الريق قال: لو كان عندنا نبيذ كنا في عرس.
قال: فأنا أبعث إلى نبيذ.
قال: فإذا صرت إلى تحويل النبيذ فحول أيضاً ما يصلح للنبيذ! قال: ليس يمنعني من ذلك ومن إحضار النقل والريحان إلا أن أحتسب لك هذه الزورة بدعوة.
وليس يجوز ذلك إلا بأن يكون لك فيها أثر.
فقال محمد: فقد انفتح لي باب لكم فيه صلاح وليس على فيه فساد: في هذه النخلة زوج ورشان.
ولهما فرخان مدركان.
فإن نحن وجدنا إنساناً يصعدها - فإنها سحيقة منجردة - ولم يطيرا - فإنهما قد صارا ناهضين - جعلنا الواحد طباهجة والآخر جردناجاً فإنه يوم فطلبوا في الجيران إنساناً يصعد تلك النخلة فلم يقدروا عليه.
فدلوهم على أكار لبعض أهل الحربية.
فما زال الرسول يطلبه حتى وقع عليه.
فلما جاء ونظر إلى النخلة قال: هذه لا تصعد ولا يرتقي عليها إلا بالتبليا والبربند.
فكيف أرومها أنا بلا سبب فسألوه أن يلتمس لهم ذلك.
فذهب فغبر ملياً.
ثم أتاهم به.
فلما صار في أعلاها طار أحدهما وأنزل الآخر.
فكان هو الطباهج والجردناج وهو الغداء وهو العشاء! وكتب إبراهيم بن سيابة إلى صديق له يساويه في الأدب ويرتفع عليه في الحال - وكان كثير المال كثير الصامت - يستسلف منه بعض ما يرتفق به إلى أن يأتيه بعض ما يؤمل.
فكتب إليه صديقه هذا يعتذر ويقول: إن المال مكذوب له وعليه.
والناس يضيفون إلى الناس في هذا الباب ما ليس عندهم.
وأنا اليوم مضيق وليست الحال كما نحب.
وأحق من عذر الصديق العاقل.
فلما ورد كتابه على ابن سبابة كتب إليه: إن كنت كاذباً فجعلك الله صادقاً وإن كنت ملوماً فجعلك الله معذوراً.
قال عمرو الجاحظ: احتجنا عند التطويل وحين صار طويلاً كبيراً إلى أن يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم وما يتمادحون به وما يتهاجون به شيء وإن قل ليكون الكتاب قد انتظم جمل هذا الباب.
ولولا أن يخرج من مقدار شهوة الناس لكان الخبر عن العرب والأعراب أكثر من جميع هذا الكتاب.
الطعام ضروب.
والدعوة اسم جامع.
وكذلك الزلة.
ثم منه العرس والخرس والإعذار والوكيرة والنقيعة.
والمأدبة اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعات.
قال الشاعر: نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر وجاء في الحديث: القرآن مأدبة الله.
وقد زعم ناس أن العرس هو الوليمة لقول النبي ﷺ لعبد الرحمن: أولم ولو بشاة.
وكان ابن عوف والأصمعي من بعده يذمان عمرو بن عبيد ويقولون: لا يجيب الولائم يجعلان طعام الإملاك والأعراس والسبوع والختان وليمة.
والعرس معروف.
إلا أن المفضل الضبي زعم أن هذا الاسم مأخوذ من قولهم: لا عطر بعد عروس.
وكان الأصمعي يجعل العروس رجلاً بعينه كان بنى على أهله فلم تتعطر له.
فسمى بعد ذلك كل بان على أهله بذلك الاسم.
ومثل هذا لا يثبت إلا بأن يستفيض في الشعر ويظهر في الخبر.
وأما الخرس فالطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال والنساء.
وزعموا أن أصل ذلك مأخوذ من الخرسة.
والخرسة طعام النفساء.
قالت جارية ولدت حين لم يكن لها من يخدمها ويمارس لها ما يمارس للنفساء: تخرسي لا مخرسة لك.
وفي الخرسة يقول مساور الوراق: إذا أسدية ولدت غلاماً فبشرها بلؤم في الغلام تخرسها نساء بني دبير بأخبث ما يجدن من الطعام وقال ابن قميئة: شركم حاضر وخيركم د ر خروس من الأرانب بكر فالخروس هي صاحبة الخرسة.
والأعذار طعام الختان.
يقال: صبي معذور وصبي معذر جميعاً.
وقال بعض أصحاب النبي ﷺ وهو يريد تقاربهم في الأسنان: كنا إعذار عام واحد.
وقال النابغة: فنكحن أبكاراً وهن بإمة أعجلنهن مظنة الإعذار فزعموا أنهم سموا طعام الإعذار بالإعذار للملابسة والمجاورة.
كان الأصمعي يقول: قد كان للعرب كلام على معان.
فإذا ابتدلت تلك المعاني لم تتكلم بذلك الكلام.
فمن ذلك قول الناس اليوم: ساق إليها صداقها.
وإنما كان هذا يقال حين كان الصداق إبلا وغنماً.
وفي قياس قول الأصمعي أن أصحاب التمر الذين كان التمر دياتهم ومهورهم كانوا لا يقولون: ساق فلان صداقه.
قال: ومن ذلك قول الناس اليوم: " قد بنى فلان البارحة على أهله ".
وإنما كان هذا القول لمن كان يضرب على أهله في تلك الليلة قبته وخيمته.
وذلك هو بناؤه.
ولذلك قال الأول: لو نزل الغيث أبنين امرأً كانت له قبة سحق بجاد وكان الأصمعي يعد من هذا أشياء ليس لذكرها هاهنا وجه.
ومن طعامهم الوكيرة.
وهو طعام البناء.
كان الرجل يطعم من يبني له.
وإذا فرغ من بنائه تبرك بإطعام أصحابه ودعائهم.
ولذلك قال قائلهم: خير طعام شهد العشيرة العرس والإعذار والوكيرة ويسمون ما ينحرون من الإبل والجزر من عرض المغنم النقيعة.
قال الشاعر: والعقيقة دعوة على لحم الكبش الذي يعق عن الصبي.
والعقيقة اسم للشعر نفسه.
والأشعار هي العقائق.
وقولهم: عقوا عنه أي احلقوا عقيقته.
ويقولون: عق عنه وعق عليه.
فسمى الكبش - لقرب الجوار وسبب المتلبس - عقيقة.
ثم سموا ذلك الطعام باسم الكبش.
وكان الأصمعي يقول: لا يقولن أحدكم: أكلت ملة بل يقول: أكلت خبزة وإنما الملة موضع الخبزة.
وكذلك يقول في الراوية والمزادة يقول: الراوية هو الجمل.
وزعموا أنهم اشتقوا الراوية للشعر من ذلك.
فأما الدعاء إلى هذه الأصناف فمنه المذموم ومنه الممدوح.
فالمذموم النقرى والممدوح الجفلى.
وذلك أن صاحب المأدبة وولى الدعوة إذا جاء رسوله والقوم في أحويتهم وأنديتهم فقالوا: أجيبوا إلى طعام فلان.
فجعلهم جفلة واحدة وهي الجفالة.
فذلك هو المحمود.
وإذا انتقر فقال: قم أنت يا فلان وقم أنت يا فلان فدعا بعضاً وترك بعضاً فقد انتقر.
قال الهذلي: وليلة يصطلى بالفرث جازرها يخص بالنقرى المثرين داعيها يقول: لا يدعوا فيها أصحاب الثروة وأهل المكافأة.
وهذا قبيح.
وقال في ذلك بعض ظرفائنا: لو كان مكوكان في كفه من خردل ما سقطت واحدة وقال طرفة بن العبد: نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر ولما غزا بسطام بن قيس الشيباني مالك بن المنتفق الضبي وأثبته عاصم بن خليفة الضبي شد عليه فطعنه وهو يقول: وهذا وفي الجفلة لا يدعوني ويروى: في الحفلة لا يدعوني.
كأنه حقد عليه حين كان يدعو أهل المجلس ويدعه.
والطعام المذموم عندهم ضربان: أحدهما طعام المجاوع والحطمات والضرائك والسباريت واللئام والجبناء والفقراء والضعفاء.
من ذلك: الفث والدعاع والهبيد والقرامة والقرة والعسوم ومنقع البرم والقصيد والقد والحيات.
فأما الفظ فإنه وإن كان شراباً كريهاً فليس يدخل في هذا الباب.
وكذلك المجدوح.
فأما الفظ فإنه عصارة الفرث إذا أصابهم العطش في المفارز.
وأما المجدوح فإنهم إذا بلغ العطش منهم المجهود نحروا الإبل وتلقوا ألبابها بالجفان كي لا يضيع من دمائها شيء.
فإذا برد الدم ضربوه بأيديهم وجدحوه بالعيدان جدحاً حتى ينقطع فينعزل ماؤه من ثقله كما يخلص الزبد وقال الشاعر: لم تأكل الفث والدعاع ولم تجن هبيداً بجنبة مهتبد وقال أمية بن أبي الصلت: ولا يتنازعون عنان شرك ولا أقوات أهلهم العسوم ولا قرن يقزز من طعام ولا نصب ولا مولى عديم وقال معاوية بن أبي ربيعة الجرمي في الفترة وهو يعير بني أسد وناسا من هوازن وهما ابنا القملية: ألم تر جرماً أمجدت وأبوكم مع الشعر في قص الملبد شارع إذا قرة جاءت يقول: أصيب بها سوى القمل إني من هوازن ضارع والقرامة نحاتة القرون والأظلاف والمناسم وبرادتها.
والعلهز القردان ترض وتعجن بالدم.
والقرة الدقيق المختلط بالشعر.
كان الرجل منهم لا يحلق رأسه إلا وعلى رأسه قبضة من دقيق للأكل.
فهو معيب.
وفي أكل الحيات بقوله ابن مناذر: فإياكم والريف لا يقربنه فإن لديه الحيف والموت قاضيا وقال القطامي في أكلهم القد: تضيفت في طل وريح تلفني وفي طرمساء غير ذات كواكب إلى حيزبون توقد النار بعد ما تلفعت الظلماء من كل جانب فسلمت والتسليم ليس يسرها ولكنه حق على كل جائب فلما تنازعنا الحديث سألتها من الحي قالت: معشر من محارب ومن المشتوين القد في كل شتوة وإن كان ريف الناس ليس بناضب وقال الراعي: بكى منذر من أن يضاف وطارق يشد من الجوع والإزار على الحشا إلى ضوء نار يشتوي القد أهلها وقد تكرم الأضياف والقد يشتوي وقد يضيقون في شراب غير المجدوح والفظ في المغازي والأسفار فيمدحون من آثر صاحبه ولا يذمون من أخذ حقه منه.
وهو ماء المصافنة.
والمصافنة مقاسمة هذا الماء بعينه.
وذلك أن الماء إذا نقص عن الري اقتسموه بالسواء.
ولم يكن للرئيس ولا لصاحب المرباع والصفي وفضول المقاسم فضل على أخس القوم.
وهذا خلق عام ومكرمة عامة في الرؤساء.
قال الفرزدق: على ساعة لو أن في القوم حاتماً على جوده ضننت به نفس حاتم وبذلك المذهب من الأثرة مدح الشاعر كعب بن يمامة حين آثر بنصيبه رفيقه النمري فقال: ما كان من سوقة أسقى على ظمإ خمراً بماء إذا ناجودها بردا من ابن مامة كعب ثم عي به زو المنية إلا حرة وقدى أو في على الماء كعب ثم قيل له: رد كعب إنك وراد فما وردا وفي المصافنة يقول الأسدي: كأن أطيطا يا بنة القوم لم ينخ قلائص يحكيها الحني المنقح ولم يسق قوماً فارسي على الحصى صباب الأداوي والمطيات جنح ويزعمون أن الحصاة التي إن غمرها الماء في الإناء كانت نصيب احدهم تسمى المقلة.
وهذا الحرف سمعته من البغداديين.
ولم أسمعه من أصحابنا.
وقد برئت إليك منه.
وقال ابن جحوش في المصافنة: ولما تعاورنا الإداوة أجهشت إلى الماء نفس العنبري الجراضم وآثرته لما رأيت الذي به على النفس أخشى لاحقات الملاوم وقد يصيب القوم في باديتهم ومواضعهم من الجهد ما لم يسمع به في أمة من الأمم ولا في ناحية من النواحي.
وإن أحدهم ليجوع حتى يشد على بطنه الحجارة وحتى يعتصم بشده معاقد الإزار وينزع عمامته من رأسه فيشد بها بطنه وإنما عمامته تاجه.
والأعرابي يجد في رأسه من البرد إذا كان حاسراً ما لا يجده أحد لطول ملازمته العمامة ولكثرة طيها وتضاعف أثنائها.
ولربما اعتم بعمامتين.
ولربما كانت على قلنسوة حدرية.
وقال مصعب بن عمير الليثي: سيروا فقد جن الظلام عليكم فباست امرئ يرجو القرى عند عاصم دفعنا إليه وهو كالذيخ خاطيا نشد على أكبادنا بالعمائم وقال الراعي في ذلك: يشب لركب منهم من ورائهم فكلهم أمسى إلى ضوئها سرى إلى ضوء نار يشتوي القد أهلها وقد تكرم الأضياف والقد يشتوى فلما أناخوا واشتكينا إليهم بكوا وكلا الخصمين مما به بكى بكى منذر من أن يضاف وطارق يشد من الجوع الإزار على الحشا ومما يدل على ما هم فيه من الجهد وعلى امتداحهم بالأثرة قول الغنوي: إذا الماء بعد اليوم يمذق بعضه ببعض ويبلى شح نفس وجودها وأنا مقار حين يبتكر الغضى إذا الأرض أمست وهي جدب جنودها وقال في ذلك العجير السلولي: من النهديات الماء بالماء بعد ما رمى بالمقاري كل قار ومعتم وقال آخر في مثل هذا: لنا إبل يروين يوماً عيالنا ثلاث فإن يكثرن يوماً فأربع يمدهم بالماء لا من هوانهم ولكن إذا ما قل شيء يوسع على أنها يغشى أولئك بيتها على اللحم حتى يذهب الشر أجمع وقال أبو سعيد الخدري: أخذت حجراً فعصبته على بطني من الجوع وأتيت النبي ﷺ أسأله.
فلما سمعته وهو يخطب: من يستعف يعفه الله ومن يستعن يعنه الله رجعت ولم أسأله.
قال أعرابي: جعت حتى سمعت من مسامعي دوياً.
فخرجت أريغ الصبد فإذا بمغارة وإذا هو جرو ذئب.
فذبحته وأكلته وادهنت واحتذيت.
ولما قدم المغيرة القادسية على سعد بسبعين من الظهر وعند سعد ضيق شديد من الحال وذكر الأصمعي عن عثمان الشحام عن أبي رجاء العطاردي قال: لما بلغنا أن النبي ﷺ قد أخذ في القتل هربنا فاشتوينا فخذ أرنب دفيناً وألقينا عليها جمالنا.
فلا أنسى تلك الأكلة! وكان الأصمعي إذا حدث بهذا الحديث قال: نعم الإدام الجوع ونعم شعار المسلمين التخفيف.
وذكروا عن عبد الملك بن عمير عن رجل من بني عذرة قال: خرجت زائراً لأخوال لي بهجر.
فإذا هم في برث أحمر بأقصى هجر في طلوع القمر.
فذكروا أن أتاناً تعتاد نخلة فترفع يديها وتعطو بفيها وتأخذ الحلقان والمنسبتة والمنصفة والمعوة.
فتنكبت قوسي وتقلدت جفيري.
فإذا قد أقبلت.
فرميتها فخرت لفيها.
فأدركت فقورت سرتها ومعرفتها.
فقدحت ناري وجمعت حطي ثم دفنتها.
ثم أدركني ما يدرك الشباب من النوم.
فما استيقظت إلا بحر الشمس في ظهري.
ثم كشفت عنها.
فإذا لها غطيط من الودك كتداعي طيء وغطيف وغطفان.
ثم قمت إلى الرطب وقد ضربه برد السحر.
فجنيت المعوة والحلقان.
فجعلت أضع الشحمة بين الرطبتين والرطبة بين الشحمتين فأظن الشحمة سمنة ثم سلاءة وأحسبها من حلاوتها شهدة أحدرها من الطور.
وأنا أتهم هذا الحديث لأن فيه ما لا يجوز أن يتكلم به عربي يعرف مذاهب العرب.
وهو من وقال مديني لأعرابي أي شيء تدعون وأي شيء تأكلون قال: نأكل ما دب ودرج إلا أم حبين.
فقال المديني: لتهن أم حبين العافية.
وقال الأصمعي: تعرق أعرابي عظماً.
فلما أراد أن يلقيه - وله بنون ثلاثة - قال له أحدهم: أعطينه.
قال: وما تصنع به قال: أتعرقه حتى لا تجد فيه ذرة مقيلاً.
قال: ما قلت شيئاً! قال الثاني: أعطينه.
قال: وما تصنع به قال أتعرقه حتى لا تدري ألعامه ذلك هو أم للعام الذي قبله.
قال: ما قلت شيئاً! قال الثالث: أعطينه.
قال: وما تصنع به قال أجعله مخة إدام.
قال: أنت له! وقال الآخر: فإنك لم تشبه لقيطا وفعله وإن كنت أطعمت الأرز مع التمر وقال الآخر: إذا انغاص منها بعضها لم تجد لها دوياً لما قد كان منها مدانيا وإن حاولوا أن يشبعوها رأيتها على الشعب لا تزداد إلا تداعيا معوذة الإرحال لم توف مرقباً ولم تمتط الجون الثلاث الأثافيا ولا اجترعت من نحو مكة سقة إلينا ولا جازت بها العيس واديا أتتنا تزيجها الجاذيف نحونا وتعقب فيما بين ذاك المراديا فقلت: لمن هذي القدور التي أرى تهيل عليها الريح ترباً وسافيا فقالوا: وهل يخفى على كل ناظر قدور رقاش إن تأمل رائيا فقلت: متى باللحم عهد قدوركم فقالوا: إذا ما لم يكن عواريا من أضحى إلى الأضحى وإلا فإنها تكون بنسج العنكبوت كما هيا فلما استبان الجهد لي في وجوههم وشكواهم أدخلتهم في عياليا فكنت إذا ما استشرفوني مقبلا أشاروا جميعاً لجة وتداعيا ومما قالوا في صفة قدورهم وجفانهم وطعامهم مما أنا كاتبه لك.
وهم وإن كانوا في بلاد جدب فإنهم أحسن الناس حالاً في الخصب.
فلا تظنن أن كل ما يصفون به قدورهم وجفانهم وثريدهم وحيسهم باطل.
وحثني الأصمعي قال: سألت المنتجع بن نبهان عن خصب البادية فقال: ربما رأيت الكلب يتخطى الخلاصة - وهي له معرضة - شبعاً.
وقال الأفوه الأودي: تهنا لثعلبة بن قيس جفنة يأوي إليها في الشتاء الجوع وكأنما فيها المذانب حلقة ودم الدلاء على دلوج ينزع وقال معن بن أوس وهو يذكر قدر سعيد بن العاص في بعض ما يمدحه: أخو شتوات لا تزال قدوره تحل على أرجائها ثم ترحل إذا ما امتطاها الموقدون رأيتها لو شك قراها وهي بالجزل تشعل سمعت لها لغطاً إذا ما تغطمطت كهدر الجمال رزما حين تجفل ترى البازل الكوماء فيها بأسرها مقبضة في قعرها ما تجلجل كأن الكهول الشهب في حجراتها تغطرش في تيارها حين يحفل إذا التطمت أمواجها فكأنها غوائب دهم في المحلة قبل إذا احتدمت أمواجها فكأنما يزعزعها من شدة الغل أفكل تظل رواسيها ركوداً مقيمة لمن نابه فيها معاش ومأكل وضاف الفرزدق أبا السحماء سحيم بن عامر أحد بني عمرو بن مرثد فأحمده وذكر في إحماده قدره فقال: سألنا عن أبي السحماء حتى أتينا خير مطروق لسارى وقام إلى سلافة مسلحب رثيم الأنف مربوب بقار تدور عليهم والقدر تغلي بأبيض من سديف الكوم وارى كأن تطلع الترعيب فيها عذارى يطلعن إلى عذارى وقال الكميت في صفة القدر: إوز تغمس في لجة تغيب مراراً وتطفو مرارا كأن الغطامط من غليها أراجيز أسلم تهجو غفارا وأما ما ذكروا من صفات القدور من تعير بعضهم بعضاً فهو كما أنشدني محمد بن يسير قال: لما قال الأول: إن لنا قدراً ذراعان عرضها وللطول منها أذرع وشبار قال الآخر: وما هذه أخزى اله هذه قدراً! ولكني أقول: بوأت للورى فوضعتها برابية من بين ميث وأجرع جعلت لها هضب الرجام وطخفة وغولاً أثافي دونها لم تنزع بقدر كأن الليل شحنة قعرها ترى الفيل طافياً لم يقطع وقدر كحيزوم النعامة أحمشت بأجذال خشب زال عنها هشيمها قال ميسرة أبو الدرداء: وما حيزوم النعامة والله ما تشبع هذه الفرزدق.
ولكني أقول: وقدر كجوف الليل أحمشت غليها ترى الفيل طافياً لم يفصل وقال عبد الله بن الزبير يمدح أسماء بن خارجة: ألم تر أن المجد أرسل يبتغي حليف صفاء قابلاً لا يزايله تخير أسماء بن حصن فبطنت بفعل العلا أيمانه وشمائله ومما يجوز في هذا الباب وإن لم يكن فيه صفة قدر قول الفرزدق في العذافر ابن زيد أحد بني تميم اللات بن ثعلبة: لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها بأكثر خيراً من خوان العذافر ولو ضافه الدجال يلتمس القرى وحل على خبازه بالعساكر بعدة يأجوج ومأجوج جوعاً لأشبعهم شهراً غداء العذافر وقال ابن عبدل في بشر بن مروان بن الحكم: ولو شاء بشر كان من دون بابه طماطم سود أو صقالبة حمر ولكن بشراً أسهل الباب للتي يكون لبشر عندها الحمد والأجر وقالوا في مناقضات أشعارهم في القدور قال الرقاشي: لنا من عطاء الله دهماء جونة تناول بعد الأقربين الأقاصيا جعلنا ألالاً والرجام وطففة لها فاستقلت فوقهن أثافيا مؤدية عنا حقوق محمد إذا ما أتانا بائس الحال طاويا أتى ابن يسير كي ينفس كربه إذا لم يرح وافي مع الصبح غاديا فأجابه ابن يسير فقال: وثرماء ثلماء النواحي ولا يرى بها أحد عيباً سوى ذاك باديا ينادي ببعض بعضهم عند طلعتي ألا أبشروا هذا اليسيري جائيا وقال ابن يسير في ذلك: قدر الرقاشي لم تنقر بمنقار مثل القدور ولم تفتض من غار لكن قدر أبي حفض إذا نسبت يوماً ربيبة آجام وأنهار فاعترض بينهما أبو نواس الحسن بن هانئ الحكمي يذكر قدر الرقاشي بالهجاء أيضاً فقال: ودهماء تثفيها رقاش إذا شتت مركبة الآذان أم عيال يغص بحيزوم البعوضة صدرها وتنزلها عفواً بغير جعال هي القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ربيع اليتامى عام كل هزال وقال فيها أيضاً: رأيت قدور الناس سوداً من الصلى وقدر الرقاشيين زهراء كالبدر ولو جئتها ملأى عبيطاً مجزلاً لأخرجت ما فيها على طرف الظفر يثبتها للمعتفي بفنائهم ثلاث كحظ الثاء من نقط الحبر تبين في محراثها أن عوده سليم صحيح لم يصبه أذى الجمر تروح على حي الرباب ودارم وسعد وتعروها قراضبة الفزر وللحي عمرو نفحة من سجالها وتغلب والبيض اللهاميم من بكر إذا ما تنادوا بالرحيل سعى بها أمامهم الحولى من ولد الذر وقال بعض التميميين وهو بهجو ابن جبار: لو أن قدراً بكت من طول ما حبست على الحفوف بكت قدر ابن جبار ما مسها دسم مذ فض معدنها ولا رأت بعد نار القين من نار والشعوبية والآزاد مردية المبغضون لآل النبي ﷺ وأصحابه ممن فتح الفتوح ورفاغة عيشهم.
وهم أحسن الأمم حالاً مع الغيث وأسوئهم حالاً إذا خفت السحاب.
حتى ربما طبق الغث الأرض باكلإ والماء.
فعند ذلك يقول المصرم والمقتر: مرعى ولا أكولة وعشب ولا بعير وكلاً تيجع له كبد المصرم.
ولذلك قال شاعرهم: فجنبك الجيوش أبا زنيب وجاد على مسارحك السحاب وإذا نظرت في أشعارهم علمت أنهم قد أكلوا الطيب وعرفوه لأن الناعم من الطعام لا يكون إلا عند أهل الثراء وأصحاب العيش.
فقال زياد بن فياض يذكر الدرمك وهو الحواري: ولا قد فتى قيس بن عيلان ماجداً إذا الحرب هرتها الكماة الفوارس فقام إلى البرك الهجان بسيفه وطارت حذار السيف دهم قناعس فصادف حد السيف قباء جلعداً فكاست وفيها ذو غرارين نايس فأطعمها شحماً ولحماً ودرمكاً ولم يثننا عنه النسيم الحنادس وقال: تظل في درمك وفاكهة وفي شواء ما شئت أو مرقه وقال جرير: وقال النمر بن تولب: لها ما تشتهي عسل مصفى وإن شاءت فحواري بسمن ومن أشرف ما عرفوه من الطعام - ولم يطعم الناس أحد منهم ذلك الطعام إلا عبد الله بن جدعان - وهو الفالوذق.
مدحه بذلك أمية بن أبي الصلت فقال: إلى ردح من الشيزى عليها لباب البر يلبك بالشهادة ولهم الثريد.
وهو في أشرافهم عام.
وغلب على هاشم حين هشم الخبز لقومه.
وقد مدح به في شعر مشهور وهو قوله: عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف ومن الطعام الممدوح الحيس.
وتزعم مخزوم أن أول من حارس الحيس سويد بن هرمى.
وقال الشاعر: وإذا تكون شديدة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب والخبز عندهم ممدوح.
وكان عبد الله بن حبيب العنبري أحد بني سمرة يقال له آكل الخبز لأنه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن.
وكان سيد بني العنبر في زمانه.
وهم إذا فخروا قالوا: منا آكل الخبز ومنا مجير الطير يعني ثوب بن شحمة العنبري.
قرتني عبيد تمرها وقريتها سنام مصراة قليل ركوبها فهل يستوي شحم السنام إذا شتا وتمر جواثي حين يلقى عسيبها وليس يكون فوق عقر الإبل وإطعام السنام شيء.
والعقر هو النجدة واللبن هو الرسل.
قال الهذلي: لو أن عندي من قريم رجلاً لمنعوني نجدة ورسلا وقال الهزلي: ألا إن خير الناس رسلاً ونجدة وقال المرار بن سعيد الفقعسي: لهم إبل لا من ديات ولم تكن مهوراً ولا من مكسب غير طائل ولكن حماها من شماطيط غارة خلال العوالي فارس غير مائل مخيسه في كل رسل ونجدة ومعروفة ألوانها في المعاقب وقد وصفوا الثريد فقال الراعي: فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع على أيدى الرجل جمودها وقال آخر: وقال ابن هرم: إلى أن أتاهم بشيزية تعد كواكبها الشبك وقال كامل بن عكرمة: فقرب بينهم خبزاً ركودا كساها الشحم ينهمر إنهمارا يدف بها غلاماه جميعاً تردهما إلى الأرض انهصارا فأصبح سورهم فيها وعلمن لو أن العلم صنفها شيارا فهذا في صفة الثريد.
وقال بشر بن أبي خازم: ترى ودك السديف على لحاهم كلون الرار لبده الصقيع وقال الآخر: جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه وطيب الدهان رأسه فهو أنزع إذا النفر السود اليمانون حاولوا له حوك برديه أرقوا وأوسعوا وقال الزبير بن عبد المطلب: فإنا قد خلقنا إذ خلقنا لنا الحبراة والمسك الفتيت ثيابهم شمال أو عباء بها دنس كما دنس الحميت فميز - كما ترى بين لباس الأشراف وأهل الثروة وغيرهم.
وقال الأعشى: والمشرف العود فأكنافه ما بين حمران فينصوب خير لها إن خشيت جحرة من ربها زيد بن أيوب متكئاً تقرع أبوابه يسعى عليه العبد بالكوب وقال أبو الصلت بن ربيعة: اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً في رأس غمدان داراً منك محلالا وليس هذا من باب الإفراط كقول جران العود حين وصف نفسه وعشيقته فقال: فأصبح في حيث التقينا غنيمةً سوار وخلخال ومرط ومطرف ومنقطعات من عقود تركنها كجمر الغضى في بعض ما تتخطرف ومن ذلك قول عدي بن زيد: يا لبينى أوقدي النار إن من تهوين قد حارا رب نار بت أرقبها تقضم الهندي والغاران أرى في الهوى ناراً لظبية أوقدت يشب ويذكى بعد وهن وقودها تشب بعيدان اليلنجوج موهناً وبالرند أحيناً فذاك وقودها قد ذكرنا الطعام الممدوح ما هو وذكرنا أحد صنفي الطعام المذموم.
والصنف الآخر الجزيرة التي تعاب مجاشع بن درام وكنحو السخينة التي تعاب بها قريش.
قال خداش بن زهير: يا شدةً ما شددنا غير كاذبة على سخينة لولا الليل والحرم وقال عبد الله بن همام: إذاً لضربتهم حتى يعودوا بمكة يلعقون بها السخينا وقال جرير: وضع الخزير فقيل: أين مجاشع فشحا جحافله هجف هبلع والخزير لم يكن من طعامهم.
وله حديث.
والسخينة كانت من طعام قريش.
وتهجى الأنصار وعبد القيس وعذرة وكل من كان يقرب النخل - بأكل التمر.
فقال الفرزدق: لست بسعد على فيه حبرة ولست بعبد حقيبته التمر وتهجا أسد بأكل الكلاب وبأكل لحوم الناس.
والعرب إذا وجدت رجلاً من القبيلة قد أتى قبيحاً ألزمت ذلك القبيلة كلها.
كما تمدح القبيلة بفعل جميل وإن لم يكن ذلك إلا بواحد منها: فتهجوا قريشاً بالسخينة وعبد القيس بالتمر وذلك عام في الحيين جميعاً.
وهما من صالح الأغذية والأقوات.
كما تهجو بأكل الكلاب والناس وإن كان ذلك إنما كان من رجل واحد فلعلك إذا أردت التحصيل تجده معذوراً.
قال الشاعر: يا فقعسي لما أكلته لمه لو خافك الله عليه حرمه فما أكلت لحمه ولا دمه وقال في ذلك مساور بن هند: إذا أسدية ولدت غلاماً فبشرها بلؤم في الغلام تخرسها نساء بني دبير بأخبث ما يجدن من الطعام ترى أظفار أعقد ملقات براثنها على وضم الثمام وقال: بني أسد عن يمحل العام فقعس فهذا إذاً دهر الكلاب وعامها إذا أسدى جاع يوماً ببلدة وكان سمينا كلبه فهو آكله وتهجى أسد وهذيل والعنبر وبأهلة بأكل لحوم الناس.
قال الشاعر في هذيل: وأنتم أكلتم سحفة ابن مخدم زماناً فما يأمنكم أحد بعد تداعوا له من بين خمس وأربع وقد نصل الأظفار وانسبأ الجلد وقال حسان فيهم: إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له فأت الرجيع وسل عن دار لحيان قوم تواصوا بأكل الجار بينهم فالشاة والكلب والإنسان سيان وهجا شاعر بلعنبر وهو يريد ثوب بن شحمة.
وفيه حديث: عجلتم ما صدكم علاجي من العنوق ومن النعاج حتى أكلتم طفلة كالعاج ولما عير ثوب بن شحمة بأكل الفتى العنبري لحم المرأة سكت إلى أن نزل هو من الجبل فقال: يا بنت عمى ما أدراك ما حسبي إذ لا تجن خبيث الزاد أضلاع إني لذو مرة تخشى بوادره عند الصباح بنصل السيف قراع فهجا ثوب بن شحمة بأكل لحوم المرأة.
وكان ثوب هذا أكرم نفساً عندهم من أن يطعم طعاماً خبيثاً ولو مات عندهم جوعاً.
وله قصص.
ولقد أسر حاتماً الطائي وظل عنده زماناً.
وقال الشاعر يهجوا بأهلة بمثل ذلك: إن عفاقا أكلته باهله تمششوا عظامه وكاهله وأصبحت أم عفاق ثاكله وهجيت بذلك أسد جميعاً بسبب رملة بنت فائد بن حبيب بن خالد بن نضلة حين أكلها زوجها وأخوها أبو أرب.
وقد زعموا أن ذاك إنما كان منهما من طريق الغيظ والغيرة.
فقال ابن دارة ينعى ذلك عليهم: أفي أن رويتم واحتلبتم شكيكم فخرتم وفيم الفقعسي من الفخر ورملة كانت زوجة لفريقكم وأخت فريق وهي مخزية الذكر أبا أرب كيف القرابة بينكم وإخوانكم من لحم أكفالها العجر وقال: عدمت نساء بعد رملة فائد - بني فقعس - تأتيكم بأمان وباتت عروسا ثم أصبح لحمها جلا في قدور بينكم وجفان يا صلت إن محل بيتك منتن فارحل فإن العود غير صليب وإذا دعاك إلى المعاقل فائد فاذكر مكان صدارها المسلوب والآن فادع أبا رجال إنها شنعاء لاحقة بأم حبيب وأبو رجال هذا عمها.
وقال في ذلك معروف الدبيري: إذا ما ضفت ليلا قفعسيا فلا تطعم له أبداً طعاما فإن اللحم إنسان فدعه وخير الزاد ما منع الحراما وهذا الباب يكثر ويطول.
وفيما ذكرنا دليل على ما قصدنا إليه من تصنيف الحالات.
فإن أردته مجموعاً فاطلبه في كتاب الشعوبية فإنه هناك مستقصىً.
والأعرابي إذا أراد القرى ولم ير ناراً نبح فيجاوبه الكلب فيتبع صوته.
ولذلك قال الشاعر: ومسنتنبح أهل الثرا يطلب القرى إلينا وممساه من الأرض نازح وقال الآخر: عوى حدس والليل مستحلس الندى لمستنبح بين الرميثة والحصر وعاو عوى والليل مستحلس الندى وقد زحفت للغور تالية النجم فمنهم من يبرز كلبه ليجيب ومنهم من يمنعه ذلك.
قال زياد الأعجم وهو يهجو بني عجل: وتكلم كلب الحي من خشية القرى وقدرك كالعذراء من دونها ستر وقال آخر: نزلنا بعمار فأشلي كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل فقلت لأصحابي أسر إليهم: إذا اليوم أم يوم القيامة أطول وقال آخر: أعددت للضيفان كلباً ضارياً عندي وفضل هراوة من أرزن وقال أعشى بن تغلب: إذا حلت معاوية بن عمرو على الأطواء خنقت الكلابا وأنشدني ابن الأعرابي وزعم أنه من قول المجنون: ونار قد رفعت لغير خير رجاه لمن تأوبني الرعا تأوبني طويل الشخص منهم يجر ثقاله يرجو العشا فكان عشاءه عندي خزير بتمر مهينة فيه النوى أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل وقال المرار الحماني في كلبه: ألف الناس فما ينبحهم من أسيف يبتغي الخير وحر وقال عمران بن عصام: لعبد العزيز على قومه وغيرهم منن غامره فبابك ألين أبوابهم ودارك مأهولة عامرة وكلبك آنس بالمعتفين من الأم بابنتها الزائره وكفك حين ترى السائلي ن أندى من الليلة الماطرة وفي أنس الكلاب بالناس لطول الرؤية لهم شعر كثير.
وقال الشاعر: يا أم عمرو أنجزي الموعودا وارعي بذاك أمانة وعهودا ولقد طرقت كلاب أهلك بالضحا حتى تركت عقورهن رقودا رأتني كلاب الحي حتى ألفني ومدت نسوج العنكبوت على رحلي وقال الآخر: بات الحويرث والكلاب تشمه وسرت بأبيض كالهلال على الطوى هذا البيت يدخل في هذا الباب.
وقال الآخر: لو كنت أحمل خمراً يوم زرتكم لم ينكر الكلب أني صاحب الدار لكن أتيت وريح المسك تفغمني والعنبر الورد أذكيه على النار فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني وكان يعرف ريح الزق والقار وقال هلال بن خثعم: إني لعف عن زيارة جارتي وإني لمشنوء إلى اغتيابها إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها زءوراً ولم تأنس إلى كلابها وما أنا بالداري أحاديث بيتها ولا عالم في أي حوك ثيابها وقال ابن هرمة في فرح الكلب بالضيف لعادة النحر: وفرحة من كلاب الحي يتبعها محض يزف به الراعي وترعيب وقال ابن هرة: فجاء خفي الشخص قد رامه الطوى بضربة مسنون الغرارين قاضب فرحبت واستبشرت حين رأيته وتلك التي ألقى بها كل ثائب وفي منع الكلب من النباح يقول الراعي في الحطيئة: إلا قبح الله الحطيئة إنه على كل ضيف ضافه فهو سالح دفعت إليه وهو يخنق كلبه ألا كل كلب - لا أبا لك! نابح بكيت على مذق خبيث قريته ألا كل عبسي على الزاد نائح وقد قالوا في صفة أبواب أهل المقدرة والثروة إذا كانوا يقومون بحق النعمة.
قال الرجز: إن الندى حيث ترى الضغاطا وقال الآخر: يزدحم الناس على بابه والشرع السهل كثير الزحام وقال الآخر: وإذا افتقرت رأيت بابك خالياً وترى الغني يهدي لك الزوارا وليس هذا من الأول إنما هذا مثل قوله: ألم تر بيت الفقر يهجر أهله وبيت الغني يهدي له ويزار إذا ما قل مالك كنت فرداً وأي الناس زوار المقل والعرب تفضل الرجل الكسوب والغر الطلوب ويذمون المقيم الفشل والدثر والكسلان.
ولذلك قال شاعرهم وهو يمدح رجلاً: شتى مطالبه بعيد همه جواب أودية برود المضجع ومدح آخر نفسه فقال: فإن تأتيني في الشتاء وتلمسا مكان فراشي فهو بالليل بارد وقال آخر: إلى ملك لا ينقض النأي عزمه خروج تروك للفراش الممهد وقال الآخر: فذاك قصير الهم يملأ عزمه من النوم إذ ملقى فراشك بارد وقال الآخر: أبيض بسام برود مضجعه اللقمة الفرد مراراً تشبعه وهم يمدحون أصحاب النيران ويذمون أصحاب الإخماد.
قال الشاعر: وما إن كان أكثرهم سواماً ولكن كان أرحبهم ذراعا وقال مزرد بن ضرار: فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت بعلياء نشر للعيون النواظر جعلها شقراء ليكون أضوء لها.
وكذلك النار إذا كان حطبها يابساً كان أشد لحمرة ناره.
وإذا كثر دخانه قل ضوءه.
وقال الآخر: ونار كسجر العود يرفع ضوءها مع الليل هبات الرياح الصوارد وكلماكان موضع النار أشد ارتفاعاً كان صاحبها أجود وأمجد لكثرة من يراها من البعد.
ألا ترى النابغة الجعدي حين يقول: منع الغدر فلم أهمم به وأخو الغدر إذا هم فعل خشية الله وأني رجل إنما ذكرى كنار بقبل وقالت الخنساء السلمية: وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار وليس يمنعني من تفسير كل ما يمر إلا اتكالي على معرفتك.
وليس هذا الكتاب نفعه إلا لمن ومما يدل على كرم القوم أيمانهم الكريمة وأقسامهم الشريفة.
قال معدان بن جواس الكندي: إن كان ما بلغت عني فلامني صديقي وحزت من يدي الأنامل وكفنت وحدي منذراً في ردائه وصادف حوطاً من أعادي قاتل وقال الأشتر مالك بن الحارث في مثل ذلك أيضاً: بقيت وحدي وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس إن لم أشن على ابن حرب غارة لم تخل يوماً من نهاب نفوس خيلاً كأمثال السعالي شذباً تغدو ببيض في الكريهة شوس حمى الحديد عليهم فكانت لمعان برق أو شعاع شموس وقال ابن سيحان: حرام كنتي مني بسوء وأذكر صاحبي أبداً بذام لقد أحرمت ود بني مطيع حرام الدهن للرجل الحرام وحرهم الذي قد ستروه ومجلسهم بمعتلج الظلام وإن جنف الزمان مددت حبلاً متيناً من حبال بني هشام وريق عودهم أبداً رطيب إذا ما أغبر عيدان اللئام
=======
البيان والتبيين
البيان والتبيين
الجاحظ

نزل
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم وسلم عونك اللهم وتيسيرك
اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن ونعوذ بك من السلاطة والهذر كما نعوذ بك من العي والحصر وقديما تعوذوا بالله من شرهما وتضرعوا الى الله في السلامة منهما وقد قال النمر بن تولب أعذني رب من حصر وعي ومن نفس أعالجها علاجا وقال الهذلي ولا حصر بخطبته اذا ما عزت الخطب وقال مكي بن سوادة حصر مسهب جري جبان خير عي الرجال عي سكوت وقال الاخر مليء ببهر والتفات وسعلة ومسحة عثنون وفتل الأصابع ومما ذموا به العي قوله وما بي من عي ولا أنطق الخنا إذا جمع الأقوام في الخطب محفل وقال الراجز وهو يمتدح بدلوه علقت يا حارث عند الورد بجابى ء لا رفل التردي ولا عيي بابتناء المجد وهذا كقول بشار الاعمى وعي الفعال كعي المقال وفي الصمت عي كعي الكلم وهذا المذهب شبيه بما ذهب اليه شتيم بن خويلد في قوله
ولا يشعبون الصدع بعد تفاقم وفي رفق أيديكم لذي الصدع شاعب
وهذا كقول زبان بن سيار
ولسنا كأقوام أجدوا رياسة يرى مالها أولا يحس فعالها
يريغون في الخصب الأمور ونفعهم قليل إذ الأموال طال هزالها
وقلنا بلا عي وسسنا بطاقة إذ النار نار الحرب طال اشتعالها لانهم يجعلون العجز والعي من الخرق كانا في الجوارح أو في الألسنة وقال ابن أحمر الباهلي لو كنت ذا علم علمت وكيف لي بالعلم بعد تدبر الأمر وقالوا في الصمت كقولهم في النطق قال أحيحة بن الجلاح
والصمت أحسن بالفتى ما لم يكن عي يشينه
والقول ذو خطل اذا ما لم يكن لب يعينه
وقال محرز بن علقمة
لقد وارى المقابر من شريك كثير تحلم وقليل عاب
صموتا في المجالس غير عي جديرا حين ينطق بالصواب
وقال مكي بن سوادة
تسلم بالسكوت من العيوب فكان السكت أجلب للعيوب
ويرتجل الكلام وليس فيه سوى الهذيان من حشد الخطيب
وقال آخر
جمعت صنوف العي من كل وجهة وكنت حريا بالبلاغة من كثب
أبوك معم في الكلام ومخول وخالك وثاب الجراثيم في الخطب
وقال حميد بن ثور الهلالي أتانا ولم يعدله سحبان وائل بيانا وعلما بالذي هو قائل فما زال عنه اللقم حتى كأنه من العي لما أن تكلم باقل سحبان مثل في البيان وباقل مثل في العي ولهما أخبار وقال آخر ماذا رزئنا منك أم الأسود من رحب الصدر وعقل متلد وهي صناع باللسان واليد وقال اخر
لو صحبت شهرين دأبا لم تمل وجعلت تكثر قول لا و بل حبك للباطل قدما قد شغل كسبك عن عيالنا قلت أجل تضجرا مني وعيا بالحيل قال وقيل لبزرجمهر بن البختكان الفارسي أي شيء أستر للعي قال عقل يجمله قالوا فان لم يكن له عقل قال فمال يستره قالوا فان لم يكن له مال قال فاخوان يعبرون عنه قالوا فان لم يكن له اخوان يعبرون عنه قال فيكون ذا صمت قالوا فان لم يكن ذا صمت قال فموت وحي خير له من ان يكون في دار الحياة وسأل الله موسى ص حين بعثه الى فرعون بابلاغ رسالته والابانه عن حجته والافصاح عن أدلته فقال حين ذكر العقدة التي كانت في لسانه والحبسة التي كانت في بيانه واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي وأنبأنا الله تبارك وتعالى عن تعلق فرعون بكل سبب واستراحته الى كل شغب ونبهنا بذلك على مذهب كل جاحد معاند وعلى كل مختال مكايد حين خبرنا بقوله أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين وقال موسى عليه السلام وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فارسله معي رداء يصدقني وقال ويضيق صدري ولا ينطلق لساني رغبة منه في غاية الافصاح بالحجة والمبالغة في وضوح الدلالة لتكون الاعناق اليه أسرع وان كان قد يأتى من وراء الحاجة ويبلغ افهامهم على بعض المشقة ولله عز وجل ان يمتحن عباده بما يشاء من التخفيف والتثقيل ويبلو أخبارهم كيف أحب من المكروه والمحبوب ولكل زمان ضرب من المصلحة ونوع من المحنة وشكل من العبادة ومن الدليل على ان الله عز وجل حل تلك العقدة وأطلق ذلك التعقيد والحبسة قوله رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري الى قوله قد أوتيت سؤالك يا موسى فلم تقع الاستجابة على شيء من دعائه دون شيء لعموم الخبر وذكر الله تعالى جميل بلائه في تعليم البيان وعظيم نعمته في تقويم اللسان فقال الرحمن علم القران خلق الانسان علمه البيان وقال هذا بيان للناس ومدح القرآن بالبيان والافصاح وبحسن التفصيل والايضاح وبجودة الافهام وحكمة الابلاغ وسماه فرقانا وقال عربي مبين وقال وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وقال ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وقال وكل شيء فصلناه تفصيلا وذكر الله تعالى لنبيه حال قريش في بلاغة المنطق ورجاحة الأحلام وصحة العقول وذكر العرب وما فيها من الدهاء والنكراء والمكر ومن بلاغة الالسنة واللدد عند الخصومة فقال اذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد وقال لتنذر به قوما لدا وقال ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وقال أالهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ثم ذكر خلابة ألسنتهم واستمالتهم الاسماع بحسن منطقهم فقال وإن يقولوا تسمع لقولهم ثم قال ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا مع قوله وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل وقال الشاعر في قوم يحسنون في القول ويسيئون في العمل قال ابو حفص أنشدني الاصمعي للمكعبر الضبي كسالى اذا لاقيتهم غير منطق يلهى به المحروب وهو عناء وقيل لذوهمان ما تقول في خزاعة قال جوع وأحاديث وفي شبيه بهذا المعنى قال أفنون بن صريم التغلبي لو أنني كنت من عاد ومن إرم غذي قيل ولقمان وذي جدن لما وقوا بأخيهم من مهولة أخا السكون ولا حادوا عن السنن أنى جزوا عامرا سوءا بفعلهم أم كيف يجزونني السوأى من الحسن أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به رئمان أنف أذا ما ضن باللبن ورئمان أصله الرقة والرحمة والرؤم أرق من الرؤف فقال رئمان أنف كأنها تبر ولدها بأنفها وتمنعه اللبن ولأن العرب تجعل الحديث والبسط والتأنيس والتلقي بالبشر من حقوق القرى ومن تمام الأكرام وقالوا تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة واطالة الحديث عند المؤاكلة وقال شاعرهم وهو حاتم الطائي
سلي الجائع الغرثان يا أم منذر اذا ما أتاني بين ناري ومجزري
هل أبسط وجهي انه أول القرى وأبذل معروفي له دون منكري
وقال الاخر
إنك يا ابن جعفر خير فتى وخيرهم لطارق اذا أتى
ورب نضو طرق الحي سرى صادف زادا وحديثا ما اشتهى
إن الحديث جانب من القرى
وقال الآخر لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ولم يلهني عنه غزال مقنع أحدثه ان الحديث من القرى وتعلم نفسي انه سوف يهجع ولذلك قال عمرو بن الاهتم فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا فهذا مبيت صالح وصديق وقال الاخر أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمحل جديب و ما الخصب للأضياف ان يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب ثم قال الله تبارك وتعالى في باب اخر من صفة قريش والعرب أم تأمرهم أحلامهم بهذا وقال فاعتبروا يا أولي الالباب وقال أنظر كيف ضربوا لك الأمثال وقال وان كان مكرهم لتزول منه الجبال وعلى هذا المذهب قال وان يكادوا الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم وقد قال الشاعر يتقارضون اذا التقوا في موقف نظرا يزيل مواقع الأقدام وقال تبارك وتعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم لان مدار الامر على البيان والتبيين وعلى الافهام والتفهيم وكلما كان اللسان أبين كان أحمد كما انه كلما كان القلب أشد استبانة كان أحمد والمفهم لك والمتفهم عنك شريكان في الفضل إلا أن المفهم افضل من المتفهم وكذلك المعلم والمتعلم هكذا ظاهر هذه القضية وجمهور هذه الحكومة إلا في الخاص الذي لا يذكر والقليل الذي لا يشهر وضرب الله مثلا لعي اللسان ورداءة البيان حين شبه أهله بالنساء والولدان
وقال تعالى أومن ينشؤ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ولذلك قال النمر بن تولب وكل خليل عليه الرعاث والحبلات ضعيف ملق وليس حفظك الله مضرة سلاطة اللسان عند المنازعة وسقطات الخطل يوم اطالة الخطبة بأعظم مما يحدث عن العي من اختلال الحجة وعن الحصر من فوت درك الحاجة والناس لا يعيرون الخرس ولا يلومون من استولى على بيانه العجز وهم يذمون الحصر ويؤنيون العي فان تكلفا مع ذلك مقامات الخطباء وتعاطيا مناظرة البلغاء تضاعف عليهما الذم وترادف عليهما التأنيب ومماتنة العي الحصر للبليغ المصقع في سبيل مماتنة المنقطع المفحم للشاعر المفلق وأحدهما ألوم من صاحبة والالسنة اليه أسرع وليس اللجلاج والتمتام الالثغ والفأفاء وذو الحبسة والحكلة والرتة وذو اللفف والعجلة في سبيل الحصر في خطبته والعي في مناضلة خصومه كما ان سبيل المفحم عند الشعراء والبكى ء عند الخطباء خلاف سبيل المسهب الثرثار والخطل المكثار ثم اعلم ابقاك الله ان صاحب التشديق والتقعير والتقعيب من الخطباء والبلغاء مع سماحة التكلف وشنعة التزيد أعذر من عي يتكلف الخطابة ومن حصر يتعرض لاهل الاعتياد والدربة ومدار اللائمة ومستقر المذمة حيث رأيت بلاغة يخالطها التكلف وبيانا يمازحه التزيد الا ان تعاطي الحصر المنقوص مقام الدرب التام اقبح من تعاطي البليغ الخطيب ومن تشادق الاعرابي القح وانتحال المعروف ببعض الغزارة في المعاني والالفاظ وفي التحبير والارتجال انه البحر الذي لا ينزح والغمر الذي لا يسبر أيسر من انتحال الحصر المنخوب أنه في مسلاخ التام الموفر والجامع المحكك وان كان رسول الله قد قال أياي والتشادق وقال أبغضكم الي الثرثارون المتفيهقون وقال من بدا جفا وعاب الفدادين والمتزيدين في جهارة الصوت وانتحال سعة الاشداق ورحب الغلاصم وهدل الشفاه وأعلمنا ان ذلك في أهل الوبر أكثر وفي اهل المدر أقل فاذا عاب المدري بأكثر مما عاب به الوبري فما ظنك بالمولد القروي والمتكلف البلدي فالحصر المتكلف والعي المتزيد ألوم من البليغ المتكلف لاكثر مما عنده وهو أعذر لان الشبهة الداخلة عليه اقوى فمن أسوأ حالا أبقاك الله ممن يكون ألوم من المتشدقين ومن الثرثارين المتفيهقين وممن ذكره النبي نصا وجعل النهي عن مذهبه مفسرا وذكر مقته له وبغضه اياه ولما علم واصل بن عطاء انه ألثغ فاحش اللثغ وأن مخرج ذلك منه شنيع وأنه اذ كان داعية مقالة ورئيس نحلة وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل وأنه لابد من مقارعة الابطال ومن الخطب الطوال وان البيان يحتاج الى تمييز وسياسة والى ترتيب ورياضة والى تمام الالة وإحكام الصنعة والى سهولة المخرج وجهارة المنطق وتكميل الحروف واقامة الوزن وان حاجة المنطق الى الطلاوة والحلاوة كحاجته الى الجلالة والفخامة وان ذلك من اكبر ما تستمال به القلوب وتنثني اليه الاعناق وتزين به المعاني وعلم واصل انه ليس معه ما ينوب عن البيان التام واللسان المتمكن والقوة المتصرفة كنحو ما أعطى الله نبيه موسى صلوات الله عليه من التوفيق والتسديد مع لباس التقوى وطابع النبوة ومع المحبة والاتساع في المعرفة ومع هدي النبيين وسمت المرسلين وما يغشيهم الله به من القبول والمهابة ولذلك قال بعض شعراء النبي لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بداهته تنبيك بالخبر ومع ما أعطى الله موسى عليه السلام من الحجة البالغة ومن العلامات الظاهرة والبرهانات الواضحة الى ان حل الله تلك العقدة ورفع تلك الحبسة وأسقط تلك المحنة ومن اجل الحاجة الى حسن البيان وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه وإخراجها من حروف منطقة فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه ويناضله ويساجله ويتأنى لستره والراحة من هجنته حتى انتظم له ما حاول واتسق له ما أمل ولولا استفاضة هذا الخبر وظهور هذه الحال حتى صار لغرابته مثلا ولظرافته معلما لما استجزنا الاقرار به والتأكيد له ولست اعني خطبه المحفوظة ورسائله المخلدة لان ذلك يحتمل الصنعة وإنما عنيت محاجة الخصوم ومناقلة الاكفاء ومفاوضة الاخوان
واللثغة في الراء تكون بالغين والذال والياء والغين أقلها قبحا وأوجدها في كبار الناس وبلغائهم وأشرافهم وعلمائهم وكانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم بالغين فاذا حمل على نفسه وقوم لسانه أخرج الراء وقد ذكر ذلك أبو الطروق الضبي فقال عليم بابدال الحروف وقامع لكل خطيب يقلب الحق باطله وكان واصل بن عطاء قبيح اللثغة شنيعها وكان طويل العنق جدا وفيه قال بشار الاعمى مالي أشايع غزالا له عنق كنقنق الدو إن ولى وان مثلا عنق الزرافة ما بالي وبالكم أتكفرون رجالا أكفروا رجلا فلما هجا واصلا وصوب رأي إبليس في تقديم النار على الطين وقال الارض مظلمة والنار مشرقة والنار معبودة مذ كانت النار وكان واصل بن عطاء غزالا وزعم ان جميع المسلمين كفروا بعد وفاة رسول الله فقيل له وعلي أيضا فأنشد وما شر الثلاثة أم عمرو بصاحبك الذى لا تصحبينا قال واصل بن عطاء عند ذلك أما لهذا الملحد الاعمى المشنف المتكنى بأبي معاذ من يقتله أما والله لولا ان الغيلة سجية من سجايا الغالية لبعثت اليه من يبعج بطنه على مضجعه ويقتله في جوف منزله وفي يوم حفله ثم كان لا يتولى ذلك منه إلى عقيلي أو سدوسي قال اسمعيل بن محمد الانصاري وعبد الكريم بن روح الغفاري قال أبو حفص عمر بن أبي عثمان الشمري الا تريان كيف تجنب الراء في كلامه هذا وأنتما للذي تريان من سلامته وقلة ظهور التكلف فيه لا تظنان به التكلف مع امتناعه من حرف كثير الدوران في الكلام ألا تريان انه حين لم يستطع ان يقول بشار وابن برد والمرعث جعل المشنف بدلا من المرعث والملحد بدلا من الكافر وقال إن الغيلة سجية من سجايا الغالية ولم يذكر المنصورية ولا المغيرية لمكان الراء وقال لبعثت اليه من يبعج بطنه ولم يقل لأرسلت اليه وقال على مضجعه ولم يقل على فراشه وكان اذا أراد ان يذكر البر قال القمح والحنطة والحنطة لغة كوفية والقمح لغة شامية هذا وهو يعلم أن لغة من قال بر أفصح من قال قمح أو حنطة قال المتنخل الهذلي لا در دري ان أطعمت نازلهم قرف الحني وعندي البر مكنون وقال أمية بن أبي الصلت في مديح عبد الله بن جدعان له داع بمكة مشمعل واخر فوق دارته ينادي الى ردح من الشيزى عليها لباب البر يلبك بالشهاد وقال بعض القرشيين يذكر قيس بن معد يكرب ومقدمه مكة في كلمة له قيس أبو الاشعث بطريق اليمن لا يسأل السائل عنه ابن من أشبع آل الله من بر عدن وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أترون اني لا اعرف رقيق العيش لباب البر بصغار المعزى وسمع الحسن رجلا يعيب الفالوذق فقال لباب البر بلعاب النحل بخالص السمن ما عاب هذا مسلم وقالت عائشة رضي الله عنها ما شبع رسول الله من هذه البرة السمراء حتى فارق الدنيا وأهل الامصار انما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب ولذلك تجد الاختلاف في ألفاظ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر حدثني أبو سعيد عبد الكريم بن روح قال قال أهل مكة لمحمد بن المناذر الشاعر ليست لكم معاشر اهل البصرة لغة فصيحة انما الفصاحة لنا أهل مكة فقال ابن المناذر أما ألفاظنا فأحكى الالفاظ للقران وأكثرها له موافقه فضعوا القران بعد هذا حيث شئتم أنتم تسمون القدر برمة وتجمعون البرمة على برام ونحن نقول قدر ونجمعها على قدور وقال الله عز وجل وجفان كالجواب وقدور راسيات وأنتم تسمون البيت اذا كان فوق البيت علية وتجمعون هذا الاسم على علالي ونحن نسميه غرفة ونجمعها على غرفات وغرف وقال الله تبارك وتعالى غرف من فوقها غرف مبنية وقال وهم في الغرفات امنون وأنتم تسمون الطلع الكافور والاغريض ونحن نسميه الطلع وقال الله عز وجل ونخل طلعها هضيم فعد عشر كلمات لم أحفظ أنا منها الا هذا الا ترى ان أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم ولذلك يسمون البطيخ الخربز ويسمون السميط الروذق ويسمون المصوص المزوز ويسمون الشطرنج الاشترنج الى غير ذلك من الاسماء وكذا أهل الكوفة فانهم يسمون المسحاة بال وبال بالفارسية ولو علق ذلك لغة اهل البصرة اذ نزلوا بأدنى بلاد فارس وأقصى بلاد العرب كان ذلك أشبه اذ كان اهل الكوفة قد نزلوا بأدنى بلاط النبط وأقصى بلاد العرب ويسمي أهل الكوفة الحوك باذروج والباذروج بالفارسية والحوك كلمة عربية وأهل البصرة إذا التقت أربع طرق يسمونها مربعة ويسميها أهل الكوفة الجهار سو والجهار سو بالفارسية ويسمون السوق أو السويقة وازار والوازار بالفارسية ويسمون القثاء خيارا والخيار فارسية ويسمون المجذوم ويذي بالفارسية وقد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها ألا ترى ان الله تبارك وتعالى لم يذكر في القران الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة وكذلك ذكر المطر لانك لا تجد القرآن يلفظ به الا في موضع الانتقام والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث ولفظ القرآن الذي عليه نزل انه اذا ذكر الابصار لم يقل الاسماع واذا ذكر سبع سموات لم يقل الارضين الا تراه لا يجمع الارض أرضين ولا السمع أسماعا والجاري على أفواه العامة غير ذلك لا يتفقدون من الالفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال وقد زعم بعض القراء انه لم يجد ذكر لفظ النكاح في القرآن إلا في موضع التزويج والعامة ربما استخفت أقل اللغتين وأضعفهما وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالا وتدع ما هو اظهر واكثر ولذلك صرنا نجد البيت من الشعر قد سار ولم يسر ما هو أجود منه وكذلك المثل السائر وقد يبلغ الفارس والجواد الغاية في الشهرة ولا يرزق ذلك الذكر والتنويه بعض من هو أولى بذلك منه ألا ترى ان العامة ابن القرية أشهر عندها في الخطابة من سحبان وائل وعبيد الله ابن الحر أذكر عندهم في الفروسية من زهير بن ذؤيب وكذلك مذهبهم في عنترة بن شداد وعتيبة بن الحارث بن شهاب وهم يضربون المثل بعمرو بن معد يكرب ولا يعرفون بسطام بن قيس وفي القران معان لا تكاد تفترق مثل الصلاة والزكاة والجوع والخوف والجنة والنار والرغبة والرهبة والمهاجرين والانصار والجن والانس قال قطرب أنشدني ضرار بن عمرو قول الشاعر في واصل ويجعل البر قمحا في تصرفه وجانب الراء حتى احتال للشعر ولم يطق مطرا والقول يعجله فعاد بالغيث اشفاقا من المطر قال وسألت عثمان البري كيف كان واصل يصنع في العدد وكيف كان يصنع بعشرة وعشرين وأربعين وكيف كان يصنع بالقمر والبدر ويوم الاربعاء وشهر رمضان وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الآخرة ورجب فقال مالي فيه قول الا ما قال صفوان ملقن ملهمم فيما يحاوله جم خواطره جواب آفاق وأنشدني ديسم قال أنشدني ابو محمد اليزيدي وخلة اللفظ في اليا آت إن فقدت كخلة اللفظ اللامات والألف وخصلة الراء فيها غير خافية فاعرف مواقعها في القول والصحف يزعم ان هذه الحروف اكثر تردادا من غيرها والحاجة اليها أشد واعتبر ذلك بأن تأخذ عدة رسائل وعدة خطب من جملة خطب الناس ورسائلهم فانك متى حصلت جميع حروفها وعددت كل شكل على حدة علمت ان هذه الحروف الحاجة اليها أشد ذكر ما جاء في تلقيب واصل بالغزال ومن نفي ذلك عنه قال ابو عثمان فمن ذلك ما أخبرنا به الاصمعي قال أنشدني المعتمر بن سليمان لاسحق بن سويد العدوي برئت من الخوارج لست منهم من الغزال منهم وابن باب ومن قوم اذا ذكروا عليا يردون السلام على السحاب ولكني أحب بكل قلبي وأعلم أن ذاك من الصواب رسول الله والصديق حبا به أرجو غدا حسن الماب وفي ذلك قال بشار
ما لي أشايع غزالا له عنق كنقيق الدو إن ولى وإن مثلا ومن ذلك قول معدان السميطى يوم تشفى النفوس من يعصر اللؤم م ويثنى بسامة الرحال وعدي وتيمها وثقيف وأمي وتغلب وهلال لا حرور ولا النوائب تنجو لا ولا صحب واصل الغزال وكان بشار كثير المديح لواصل بن عطاء قبل ان يدين بالرجعة ويكفر جميع الامة وكان قد قال في تفضيله على خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة والفضل ابن عيسى يوم خطبوا عند عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي العراق أبا حذيفة قد أوتيت معجبة من خطبة بدهت من غير تقدير وإن قولا يروق الخالدين معا لمسكت مخرس عن كل تجبير لأنه كان مع ارتجاله الخطبة التي نزع منها الراء كانت مع ذلك أطول من خطبهم وقال بشار تكلفوا القول والاقوام قد حفلوا وحبروا خطبا ناهيك من خطب فقام مرتجلا تغلي بداهته كمرجل القين لما حف باللهب وجانب الراء لم يشعر به أحد قبل التصفح والإغراق في الطلب وقال في كلمة له يعني تلك الخطبة فهذا بديه لا كتحبير قائل اذا ما أراد القول زوره شهرا فلما انقلب عليهم بشار ومقاتله لهم بادية هجوه ونفوه فما زال غائبا حتى مات عمرو بن عبيد وقال صفوان الانصاري متى كان غزال له يا ابن حوشب غلام كعمرو أو كعيسى بن حاضر أما كان عثمان الطويل بن خالد أو القرم حفص نهية للمخاطر له خلف شعب الصين في كل ثغرة الى سوسها الاقصى وخلف البرابر رجال دعاة لا يفل عزيمهم تهكم جبار ولا كيد ماكر إذا قال مروا في الشتاء تطاوعوا وإن كان صيفا لم يخف شهر ناجر بهجرة أوطان وبذل وكلفة وشدة أخطار وكد المسافر فأنجح مسعاهم وأثقب زندهم وأورى بفلج للمخاصم قاهر وأوتاد أرض الله في كل بلدة وموضع فتياها وعلم التشاجر
وما كان سحبان يشق غبارهم ولا الشدق من حيي هلال بن عامر ولا الناطق النخار والشيخ دغفل إذا وصلوا أيمانهم بالمخاصر ولا القالة الأعلون رهط مكحل اذا نطقوا في الصلح بين العشائر بجمع من الجفين راض وساخط وقد زحفت براؤهم للمحاضر تلقب بالغزال واحد عصره فمن لليتامى والقبيل المكاثر ومن لحرري وآخر رافض وآخر مرجي وآخر حائر وأمر بمعروف وانكار منكر وتحصين دين الله من كل كافر يصيبون فصل القول في كل منطق كما طبقت في العظم مدية جازر تراهم كأن الطير فوق رؤوسهم على عمة معروفة في المعاشر وسيماهم معروفة في وجوههم وفي المشي حجاجا وفوق الاباعر وفي ركعة تأتي على الليل كله وظاهر قول في مثال الضمائر وفي قص هداب وإحفاء شارب وكور على شيب يضيء لناظر وعنفقه مصلومة ولنعله قبالان في ردن رحيب الخواطر فتلك علامات تحيط بوصفهم وليس جهول القوم في جرم خابر وفي واصل يقول صفوان فما مس دينارا ولا صر درهما ولا عرف الثوب الذي هو قاطعة وفيه يقول اسباط بن واصل الشيباني وأشهد ان الله سماك واصلا وأنك ميمون النقيبة والشيم ولما قام بشار يعذر ابليس في ان النار خير من الارض وذكر واصلا بما ذكره قال صفوان زعمت بأن النار أكرم عنصرا وفي الارض تحيا بالحجارة والزند ويخلق في أرحامها وأرومها أعاجيب لا تحصى بخط ولا عقد وفي القعر من لج البحار منافع من اللؤلؤ المكنون والعنبر الورد كذلك سر الارض في البحر كله وفي الغيضة الغناء والجبل الصلد ولا بد من أرض لكل مطهر وكل سبوح في الغمائر من جد كذاك وما ينساح في الارض ماشيا على بطنه مشي المجانب للقصد ويسري على جلد يقيم حزوزه تعمج ماء السيل في صبب حرد
وفي قلل الاجبال خلف مقطم زبرجد أملاك الورى ساعة الحشد وفي الحرة الرجلاء تلقى معادنا لهن مغارات تبجس بالنقد من الذهب الإبريز والفضة التي تروق وتصبي ذا القناعة والزهد وكل فلز من نحاس وآنك ومن زئبق حي ونوشادر يسدي وفيها زرانيخ ومكر ومرتك ومن مرقشيشا غير كاب ولا مكدي وفيها ضروب القار والشب والنهى وأصناف كبريت مطاولة الوقد ترى العرق منها في المقاطع لائحا كما قدت الحسناء حاشية البرد ومن إثمد جون وكلس وفضة ومن توتياء في معادنه هندي وفي كل أغوار البلاد معادن وفي ظاهر البيداء من مستوى نجد وكل يواقيت الانام وحليها من الارض والاحجار فاخرة المجد وفيها مقام الخل والركن والصفا ومستلم الحجاج من جنة الخلد وفي صخرة الخضر التي عند حوتها وفي الحجر المهمى لموسى على عمد وفي الصخرة الصماء تصدع آية لأم فصيل ذي رغاء وذي وجد مفاخر للطين الذى كان أصلنا ونحن بنوه غير شك ولا جحد فذلك تدبير ونفع وحكمة وأوضح برهان على الواحد الفرد أتجعل عمرا والنطاسي واصلا كأتباع ديصان وهم قمش المد وتفخر بالميلاد والعلج عاصم وتضحك من جيد الرئيس أبي جعد وتحكي لدى الأقوام شنعة رأيه لتصرف أهواء النفوس الى الرد وسميته الغزال في الشعر مطنبا ومولاك عند الظلم قصته مردى يقول ان مولاك ملاح لان الملاحين اذا تظلموا رفعوا المرادى فيا ابن حليف الطين واللؤم والعمى وأبعد خلق الله من طرق الرشد أتهجوا أبا بكر وتخلع بعده عليا وتعزو كل ذاك الى برد كأنك غضبان على الدين كله وطالب ذحل لا يبيت على حقد رجعت الى الامصار من بعد واصل وكنت شريدا في التهائم والنجد أتجعل ليلى الناعطية نحلة وكل عريق في التناسخ والرد عليك بدعد والصدوف وفرتني وحاضنتي كسف وزاملتي هند تواثب أقمارا وأنت مشوة وأقرب خلق الله من شبه القرد
ولذلك قال فيه حماد عجرد بعد ذلك ويا أقبح من قرد اذا ما عمى القرد ويقال انه لم يجزع من شيء قط جزعه من هذا البيت وذكره الشاعر وذكر أخويه لامه فقال لقد ولدت أم الأكيمة أعرجا واخر مقطوع القفا ناقص العضد وكانوا ثلاثة مختلفي الاباء والأم واحدة وكلهم ولد زمنا ولذلك قال بعض من يهجوه اذا دعاه الخال أقعى ونكص وهجنة الإقراف فيه بالخصص وقال الشاعر لا تشهدن بخارجي مطرف حتى ترى من نجله أفراسا وقال صفوان الانصاري في بشار وأخويه وكان يخاطب أمهم ولدت خلدا وذيخا في تشتمه وبعده خزرا يشتد في العضد ثلاثة من ثلاث فرقوا فرقا فاعرف بذلك عرق الخال من ولد وقال بعد ذلك سليمان الاعمى أخو مسلم بن الوليد الانصاري الشاعر في اعتذار بشار لابليس وهو يخبر عن كرم خصال الارض لابد للأرض ان طابت وان خبثت من ان تحيل اليها كل مغروس وتربة الأرض ان جيدت وان قحطت فحملها أبدا في إثر منفوس وبطنها بفلز الارض ذو خبر بكل جوهرة في الارض مرموس وكل آنية عمت مرافقها وكل منتقد فيها وملبوس وكل ماعونها كالملح مرفقة وكلها مضحك من قول ابليس وقال بعض خلفاء بغداد عجبت من ابليس في كبره وخبث ما أبداه من نيته تاه على ادم في سجدة وصار قوادا لذريته وذكره بهذا المعنى سليمان أخو مسلم الانصاري فقال يأبى السجود له من فرط نخوته وقد تحول في مسلاخ قواد وقال صفوان في شأن واصل وبشار وفي شأن النار والطين في كلمة له وفي جوفها للعبد أستر منزل وفي ظهرها يقضي فرائضه العبد
تمج لفاظ الملح مجا وتصطفي سبائك لا تصدى وان قدم العهد وليس بمحص كنه ما في بطونها حساب ولا خط و ان بلغ الجهد فسائل بعبد الله في يوم حفله وذاك مقام لا يشاهده وغد أقام شبيبا وابن صفوان قبله بقول خطيب لا يجانبه القصد وقام ابن عيسى ثم قفاه واصل فأبدع قولا ما له في الورى ند فما نقصته الراء اذ كان قادرا على تركها واللفظ مطرد سرد ففضل عبد الله خطبة واصل وضوعف في قسم الصلات له الشكد فأقنع كل القوم شكر حبائهم وقلل ذاك الضعف في عينه الزهد وقد كتبنا احتجاج من زعم ان واصل بن عطاء كان غزالا واحتجاج من دفع ذلك عنه ويزعم هؤلاء أن قول الناس واصل الغزال كما يقال خالد الحذاء وكما يقولون هشام الدستواني وانما قيل ذلك لان الاباضية كانت تبعث اليه من صدقاتها بثياب دستوانية فكان يكسوها الاعراب الذين يكونون بالحباب فأجابوه الى وقول الاباضية وكانوا قبل ذلك لا يزوجون الهجناء فأجابوه الى التسوية وزوجوا هجينا فقال الهجين في ذلك إنا وجدنا دستوانينا الصائمين المتبعدينا أفضل منكم حسبا ودينا أخزى الاله المتكبرينا أفيكم من ينكح الهجينا وإنما قيل ذلك لواصل لكثرة جلوسه في سوق الغزالين الى أبي عبد الله مولى قطن الهلالي وكذلك كانت حال خالد الحذاء الفقيه وكما قالوا أبو مسعود البدري لانه كان نازلا على ذلك الماء وكما قالوا أبو مالك السدي لانه كان يبيع الخمر في سدة المسجد وهذا الباب مستقصى في كتاب الاسماء والكنى وقد ذكرنا جملة منه في أنباء السرارى والمهيرات قال أبو عثمان ذكر الحروف التي تدخلها اللثغة وما يحضرني منها وهي أربعة أحرف القاف والسين واللام والراء فأما التي هي على الشين المعجمة فذلك شيء لا يصورة الخط لانه ليس من الحروف المعروفة
وانما هو مخرج من المخارج والمخارج لا تحصى ولايوقف عليها وكذلك القول في حروف كثيرة من حروف لغات العجم وليس ذلك في شيء اكثر منها في لغة الخوز وفي سواحل البحر من أسياف فارس ناس كثير كلامهم شبيه بالصفير فمن يستطيع ان يصور كثيرا من حروف الزمزمة وهي الحروف التي تظهر من فم المجوسي اذا ترك الافصاح عن معانيه واخذ في باب الكناية وهو على الطعام فاللثغة التي تعرض للسين تكون ثاء كقوله لابي يكسوم أبي يكثوم وكما يقولون بثرة اذا أرادوا بسرة وباثم الله إذا أرادوا بسم الله والثانية اللثغة التي تعرض للقاف فان صاحبها يجعل القاف طاء فاذا اراد أن يقول قلت له قال طلت له وأراد أن يقول قال لي قال طال لي وأما اللثغة التي تقع في اللام فان من أهلها من يجعل اللام ياء فيقول بدل قوله اعتللت اعتييت وبدل جمل جمي وآخرون يجعلون اللام كافا كالذي عرض لعمر أخى هلال فانه كان اذا اراد ان يقول ما العلة في هذا قال ما اكعكة في هذا فاما اللثغة التي تقع في الراء فان عددها يضعف على عدد لثغة اللام لان الذي يعرض لها أربعة أحرف فمنهم من اذا أراد ان يقول عمرو قال عمي فيجعل الراء ياء ومنهم من اذا أراد ان يقول عمرو قال عمغ فيجعل الراء غينا ومنهم من اذا أراد ان يقول عمرو قال عمذ فيجعل الراء ذالا واذا أنشد قول الشاعر وأستبدت مرة واحدة إنما العاجز من لا يستبد قال واستبدت مذة واحدة إنما العاجز من لا يستبد فمن هؤلاء علي بن جنيد بن فريدى ومنهم من يجعل الراء ظاء معجمة فيقول اذا أنشد هذا البيت واستبدت مرة واحدة انما العاجز من لا يستبد قال واستبدت مظة واحدة انما العاجز من لا يستبد ومنهم من يجعل الراء غينا معجمة فاذا اراد ان ينشد هذا البيت
واستبدت مرة واحدة انما العاجز من لا يستبد قال واستبدت مغة واحدة انما العاجز من لا يستبد كما أن الذي لثغته بالياء اذا اراد ان يقول واستبدت مرة واحدة قال واستبدت مية واحدى وأما اللثغة الخامسة التي كانت تعرض لواصل بن عطاء وسليمان بن يزيد العدوي الشاعر فليس الى تصويرها سبيل وكذلك اللثغة التي تعرض في الشين كنحو ما كان لمحمد بن الحجاج كاتب داود بن محمد كاتب أم جعفر فان تلك ايضا ليس لها صورة في الخط ترى بالعين وانما يصورها اللسان وتتأدى الى السمع وربما اجتمعت في الواحد لثغتان في حرفين كنحو لثغة شوشي صاحب عبد الله بن خالد الاموي فانه كان يجعل اللام ياء والراء ياء قال مرة موياي ويي ايي يريد مولاي ولي الري واللثغة في الراء اذا كانت بالياء فهي أحقرهن وأوضعهن لذي المروءة ثم التي على الظاء ثم التي على الذال فأما التي على الغين فهي أيسرهن ويقال ان صاحبها لو جهد نفسه جهده وأخذ لسانه وتكلف مخرج الراء على حقها والافصاح بها لم يكن بعيدا من ان تجيبه الطبيعة ويؤثر فيها ذلك التعهد أثرا حسنا وقد كانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم بالغين وكان اذا شاء ان يقول عمر ولعمري وما أشبه ذلك على الصحة قاله ولكنه كان يستثقل التكلف والتهيؤ لذلك فقلت له اذا لم يكن المانع إلا هذا العذر فلست أشك أنك لو احتملت هذا التكلف والتتبع شهرا واحدا ان لسانك كان يستقيم أما من يعتريه اللثغ في الضاد ربما اعتراه أيضا في الصاد والراء حتى اذا أراد ان يقول مضر قال مضى فهذا وأشباهه لاحقون بشوشي وزعم ناس من العوام أن موسى صلوات الله وسلامه عليه كان ألثغ ولم يقفوا من الحروف التي كانت تعرض له في شيء بعينه فمنهم من جعل ذلك خلقة ومنهم من زعم أنه انما اعتراه حين قالت اسية بنت مراحم امرأة فرعون لفرعون لا تقتل طفلا لا يفرق الجمر من التمر فلما دعا له فرعون بهما جميعا تناول جمرة فأهوى بها الى فيه فاعتراه من ذلك ما اعتراه وأما اللثغة في الراء فتكون في الياء والذال والغين وهي اقلها قبحا
وأوجدها في ذي الشرف وكبار الناس وبلغائهم وأشرافهم وعلمائهم وكانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم بالغين فاذا حمل على نفسه وقوم لسانه اخرج الراء على الصحة فتأتى له ذلك وكان يدع ذلك استثقالا أنا سمعت ذلك منه قال وكان الواقدي يروي عن بعض رجاله ان لسان موسى عليه السلام كانت عليه شامة فيها شعرات وليس يدل القران على شيء مما قالوا لانه ليس في قوله واحلل عقدة من لساني دليل على شيء دون شيء قال الاصمعي اذا تتعتع اللسان في التاء فهو تمتام واذا تتعتع في الفاء فهو فأفاء وانشد لرؤبة بن العاج ياحمد ذاك المنطق التمتام كأن وسواسك في اللمام حديث شيطان بني همام وبعضهم ينشد يا حمد ذات المنطق النمنام وليس ذاك بشيء وانما ذلك كما قاله ابو الزحف لست بفأفاء ولا تمتام ولا كثير الهجر في المنام وانشد أيضا للخولاني في كلمة له إن السياط تركن لاستك منطقا كمقالة التمتام ليس بمعرب فجعل الخولاني التمتام غير معرب عن معناه ولا مفصح بحاجته وقال أبو عبيدة اذا أدخل الرجل بعض كلامه في بعض فهو ألف وقيل بلسانه لفف وأنشدني لابي الزحف الراجز كأن فيه لففا اذا نطق من طول تحبيس وهم وأرق كأنه لما جلس وحده ولم يكن له من يسلمه وطال عليه ذلك أصابه لفف في لسانه وكان يزيد بن جابر قاضي الازارقة بعد المقعطل يقال له الصموت لانه لما طال صمته ثقل عليه الكلام فكان لسانه يلتوي ولا يكاد يبين وأخبرني محمد بن الجهم أن مثل هذا اعتراه أيام محاربة الزط من طول التفكر ولزوم الصمت قال وأنشدني الاصمعي حديث بني زط اذا ما لقيتهم كنزو الدبى في العرفج المتقارب قال ذلك حين كان في كلامهم عجلة وقال سلمة بن عياش كأن بني رالان اذا جاء جمعهم فراريج يلقى بينهن سويق
فقال ذلك لرقة أصواتهم وعجلة كلامهم وقال اللهبي في اللجلاج ليس خطيب القوم باللجلاج ولا الذي يزحل كالهلباج ورب بيداء وليل داج هتكته بالنص والإدلاج وقال محمد بن سلام الجمحي كان عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه اذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه قال خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد ويقال في لسانه حبسة اذا كان الكلام يثقل عليه ولم يبلغ حد الفأفاء والتمتام ويقال في لسانه لكنة اذا أدخل بعض حروف العجم في حروف العرب وجذبت لسانه العادة الاولى الى المخرج الاول فاذا قالوا في لسانه حكله فانما يذهبون الى نقصان الة المنطق وعجز أداة اللفظ حتى لا تعرف معانيه الا بالاستدلال وقال رؤية بن العجاج لو أنني أوتيت علم الحكل علم سليمان كلام النمل وقال محمد بن ذؤيب في مديح عبد الملك بن صالح ويفهم قول الحكل لو أن ذرة تساود أخرى لم يفته سوادها وقال التيمي في هجائه لبني تغلب ولكن حكلا لا تبين ودينها عبادة أعلاج عليها البرانس قال سحيم بن حفص في الخطيب الذى تعرض له النحنحة والسعلة وذلك اذا انتفخ سحره وكبا زنده ونبا حده فقال نعوذ بالله من الإهمال ومن كلال الغرب في المقال ومن خطيب دائم السعال وأنشدني الاعرابي إن زيادا ليس بالبكي ولا بهياب كثير العي وأنشدني بعض أصحابنا ناديت هيذان والابواب مغلقة ومثل هيذان سني فتحة الباب كالهندواني لم يفلل مضاربه وجه جميل وقلب غير وجاب وقال الآخر اذا الله سني عقد شيء تيسرا وقال بشر بن معمر في مثل ذلك
ومن الكبائر مقول متتعتع جم التنحنح متعب ميهور وذلك أنه شهد ريسان أبا بجير بن ريسان يخطب وقد شهدت انا هذه الخطبة ولم أر جبانا قط أجرأ منه ولا جريئا قط أجبن منه وقال الاشل الازرقي من بعض اخوال عمران بن حطان الصفري القعدي في زيد بن جندب الايادي خطيب الازارقة واجتمعا في بعض المحافل فقال بعد ذلك الاشل البكري نحنح زيد وسعل لما رأى وقع الأسل ويل امه اذا ارتجل ثم أطال واحتفل وقد ذكر الشاعر زيد بن جندب الايادي الخطيب الازرقي في مرثيته لابي داود بن جرير الايادي حيث ذكره بالخطابة وضرب المثل بخطباء إياد فقال كقس أياد أو لقيط بن معبد وعذرة والمنطيق زيد بن جندب وزيد بن جندب هو الذي يقول في الاختلاف الذي وقع بين الازارقة قل للمحلين قدقرت عيونكم بفرقة القوم والبغضاء والهرب كنا اناسا على دين ففرقنا فرع الكلام وخلط الجد باللعب ما كان أغنى رجالا ضل سعيهم عن الجدال وأغناهم عن الخطب إني لأهونكم في الارض مضطربا مالي سوى فرسي والرمح من نشب وأما عذرة المذكور في البيت الاول فهو عذرة بن حجرة الخطيب الايادي ويدل على قدرة فيهم وعلى قدرة في اللسن والخطب قول شاعرهم وأي فتى صبر على الأين والظما اذا اعتصروا بلوح ماء فظاظها إذا ضرجوها ساعة بدمائها وحل عن الكوماء عقد شظاظها فانك ضحاك الى كل صاحب وأنطق من قس غداة عكاظها إذا شعب المولى مشاعب معشر فعذرة فيها اخذ بكظاظها فلم يضرب هذا الشاعر الايادي المثل لهذا الخطيب الايادي الا برجل من خطباء إياد وهو قس بن ساعدة ولم يضرب صاحب مرثية أبي داود بن جرير الايادي المثل الا بخطباء اياد فقط ولم يفتقر الى غيرهم حيث قال في عذرة بن حجرة كقس إياد أو لقيط بن معبد وعذرة والمنطيق زيد بن جندب
واول هذه المرثية قوله نعى ابن جرير جاهل بمصابه فعم نزارا بالبكا والتحوب نعاه لنا كالليث يحمي عرينه وكالبدر يغشى ضوؤه كل كوكب وأصبر من عود وأهدى اذاسرى من النجم في داج من الليل غيهب واضرب من حد السنان لسانه وأمضى من السيف الحسام المشطب زعيم نزار كلها وخطيبها اذا قال طأطا رأسه كل مشغب سليل قروم سادة ثم قالة يبزون يوم الجمع أهل المحصب كقس إياد أو لقيط بن معبد وعذرة والمنطيق زيد بن جندب في كلمة له طويلة وإياهم غنى الشاعر بقوله يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء قال أخبرني محمد بن عباد بن كاسب كاتب زهير ومولى بجيلة من سبى دابق وكان شاعرا راوية وطلابة للعلم علامة قال سمعت ابا دواد بن جرير يقول وقد جرى شيء من ذكر الخطب وتحبير الكلام واقتضابه وصعوبة ذلك المقام وأهواله فقال تخليص المعاني رفق والاستعانة بالغريب عجز والتشادق من غير أهل البادية بغض والنظر في عيون الناس عي ومس اللحية هلك والخروج مما بني عليه اول الكلام اسهاب وسمعته يقول رأس الخطابة الطبع وعمودها الدربة وجناحاها رواية الكلام وحليها الاعراب وبهاؤها تخير اللفظ والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه وانشداني بيتا له في صفة خطباء اياد وهو قوله يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء فذكر المبسوط في موضعه والمحذوف في موضعه والموجز والكناية والوحي باللحظ ودلالة الاشارة وأنشدني له الثقة في كلمة له معروفة الجود أخشن مسا يا بني مطر من أن تبز كموه كف مستلب ما أعلم الناس أن الجود مدفعة للذم لكنه يأتي على النشب قال ثم لم يحفل بها فادعاها مسلم بن الوليد الانصاري أو ادعيت له وكان احد من يجيد قريض الشعر وتحبير الكلام وفي الخطباء من يكون شاعرا ويكون إذا تحدث أو وصف أو احتج بليغا مفوها بينا وربما كان خطيبا فقط وشاعرا فقط وبين اللسان فقط ومن الشعراء الخطباء الأبيناء الحكماء قس ين ساعدة الأيادي والخطباء كثير والشعراء اكثر منهم ومن يجمع الخطابة والشعر قليل ومنهم عمرو بن الاهتم المنقري وهو المكحل قالوا كأن شعره في مجالس الملوك حلل منشرة قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه قيل للاوسية اي منظر احسن قالت قصور بيض في حدائق خضر فأنشد عند ذلك عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه بيت عدي بن زيد العبادي كدمى العاج في المحاريب أو كالبيض في الروض زهره مستنير قال فقال قسامة بن زهير كلام عمرو بن الاهتم انق وشعره احسن هذا وقسامة أحد أبيناء العرب ومن الخطباء الشعراء البعيث المجاشعي واسمه خداش بن بشر بن لبيد ومن الخطباء الشعراء الكميت بن زيد الاسدي وكنيته ابو المستهل ومن الخطباء الشعراء الطرماح بن حكيم الطائي وكنيته ابو نفر قال القاسم بن معن قال محمد بن سهل راوية الكميت أنشدت الكميت قول الطرماح اذا قبضت نفس الطرماح أخلقت عرى المجد واسترخى عنان القصائد فقال الكميت إي والله وعنان الخطابة والرواية قال ابو عثمان الجاحظ ولم ير الناس اعجب حالا من الكميت والطرماح وكان الكميت عدنانيا عصبيا وكان الطرماح قحطانيا عصبيا وكان الكميت شيعيا من الغالية وكان الطرماح خارجيا من الصفرية وكان الكميت يتعصب لأهل الكوفة وكان الطرماح لأهل الشام وبينهما مع ذلك من الخاصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط ثم لم يجر بينهما صرم ولا جفوة ولا إعراض ولا شيء مما تدعو هذه الخصال اليه ولم ير الناس مثلهما إلا ما ذكروا من حال عبد الله بن زيد الاباضي وهشام بن الحكم الرافضي فانهما صارا الى المشاركة بعد الخلطة والمصاحبة وقد كانت الحال بين خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة الحال التي تدعو الى المفارقة بعد المناقشة والمحاسدة للذي اجتمع فيهما من اتفاق الصناعة والقرابة والمجاورة فكان يقال لولا أنهما أحلم تميم لتباينا تباين النمر والأسد وكذلك كانت حال هشام بن حكم الرافضي وعبد الله بن زيد الاباضي إلا انهما فضلا على سائر المتضادين بما صارا اليه من الشركة في جميع تجارتهما وذكر خالد بن صفوان شبيب بن شيبة فقال ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية فلم يعارضه شبيب وتدل كلمة خالد هذه على أنه يحسن ان يسب سب الاشراف ومن الخطباء الشعراء عمران بن حطان وكنيته ابو شهاب احد بني عمرو بن شيبان اخوة سدوس فمن بني عمرو بن شيبان مع قلتهم من العلماء والخطباء والشعراء عمران بن حطان رئيس القعدة من الصفرية وصاحب فتياهم ومقرعهم عند اختلافهم ومنهم دغفل بن حنظلة النسابة الخطيب العلامة ومنهم القعقاع بن شور وسنذكر شأنهم اذا انتهينا الى موضع ذكرهم ان شاء الله تعالى ومن الخطباء الشعراء نصر بن سيار أحد بني ليث بن بكر صاحب خراسان وهو يعد في أصحاب الولايات وفي الحروب وفي التدبير وفي العقل وشدة الرأي ومن الخطباء الشعراء زيد بن جندب الأيادي وقد ذكرنا شأنه ومن الخطباء الشعراء عجلان بن سحبان الباهلي وسحبان هذا هو سحبان وائل وهو خطيب العرب ومن الخطباء الشعراء العلماء وممن قد تنافر اليه الاشراف أعشى همدان ومن الشعراء الخطباء عمران بن عصام العرني وهو الذي أشار على عبد الملك بخلع أخيه عبد العزيز والبيعة للوليد بن عبد الملك في خطبته المشهورة وقصيدته المذكورة وهو الذي لما بلغ عبد الملك بن مروان قتل الحجاج له قال ولم قتله ويله هلا رعى قوله فيه وبعثت من ولد الاغر معتب صقر يلوذ حمامه بالعرفج فاذا طبخت بناره أنضجتها وإذا طبخت بغيرها لم ينضج وهو الهزبر إذا أراد فريسة لم ينجها منه صياح الهجهج
ومن خطباء الامصار وشعرائهم والمولدين منهم بشار الأعمى وهو بشار ابن برد وكنيته ابو معاذ كان من احد موالي بني عقيل فان كان مولى أم ظباء على ما يقول بنو سدوس وما ذكره حماد عجرد فهو من موالي بني سدوس ويقال انه من أهل خراسان نازلا في بني عقيل وله مديح كثير في فرسان أهل خراسان ورجالاتهم وهو الذي يقول من خراسان وبيتي في الذرى ولدى المسعاة فرعي قد سبق ويقول وإني لمن قوم خراسان دارهم كرام وفرعي فيهم ناضر بسق وكان شاعرا راجزا سجاعا خطيبا صاحب منثور ومزدوج وله رسائل معروفة وأنشد عقبة بن رؤبة عقبة بن سلم رجزا يمتدحه فيه وبشار حاضر فأظهر بشار استحسان الارجوزة فقال عقبة بن رؤبة هذا طراز يا أبا معاذ لا تحسنه فقال بشارألمثلي يقال هذا الكلام أنا والله أرجز منك ومن أبيك ومن جدك ثم غدا على عقبة بن سلم بأرجوزته التي أولها يا طلل الحي بذات الصمد بالله خبر كيف كنت بعدي وهي التي يقول فيها إسلم وحييت أبا الملد لله أيامك في معد وفيها يقول الحر يلحى والعصا للعبد وليس للملحف مثل الرد ويقول فيها وصاحب كالدمل الممد حملته في رقعة من جلدي وما وراء رغبتي من زهدي أي لم أره زهدا فيه ولا رغبة ذهب الى قول الشاعر لقد كنت في قوم عليك أشحة بنفسك لولا أن من طاح طائح يودون لو خاطوا عليك جلودهم ولا تدفع الموت النفوس الشحائح والمطبوعات على الشعر من المولدين بشار العقيلي والسيد الحميري وأبو العتاهية وابن ابي عيينة وقد ذكر الناس في هذا الباب يحيى بن نوفل وسلما الخاسر وخلف بن خليفة وأبان بن عبد الحميد اللاحقي أولى بالطبع من هؤلاء وبشار أطبعهم كلهم
ومن الخطباء الشعراء وممن يؤلف الجيد ويصنع المناقلات الحسان ويؤلف الشعر والقصائد الشريفة مع بيان عجيب ورواية كثيرة وحسن دل وإشارة عيسى بن يزيد بن دأب احد بني ليث بن بكر وكنيته ابو الوليد ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن كلثوم بن عمرو العتابي وكنيته ابو عمرو وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله في البديع يقول جميع من يتكلف مثل ذلك من شعراء المولدين كنحو منصور النمري ومسلم بن الوليد الانصاري وأشباههما وكان العتابي يحتذي حذو بشار في البديع ولم يكن في المولدين أصوب بديعا من بشار وابن هرمة والعتابي من ولد عمرو بن كلثوم ولذلك قال إني امرؤ هدم الإقتار مأثرتي واجتاح ما بنت الايام من خطري أيام عمرو بن كلثوم يسوده حيا ربيعة والأفناء من مضر أرومة عطلتني من مكارمها كالقوس عطلها الرامي من الوتر ودل في هذه القصيدة على انه كان قصيرا قوله نهى ظراف الغواني عن مواصلتي ما يفجأ العين من شيبي ومن قصري ومن الخطباء الشعراء الذين جمعوا الشعر والخطب والرسائل الطوال والقصار والكتب الكبار المجلدة والسير الحسان المولدة والاخبار المدونة سهل بن هرون بن راهيبوني الكاتب صاحب كتاب ثعلة وعفرة في معارضة كتاب كليلة ودمنة وكتاب الأخوان وكتاب المسائل وكتاب المخزومي والهذلية وغير ذلك من الكتب ومن الخطباء الشعراء على بن ابرهيم بن جبلة بن مخرمة ولا أعلمه يكنى الا أبا الحسن وسنذكر كلام قس بن ساعدة وشأن لقيط بن معبد وهند بنت الخس وجمعة بنت حابس وخطباء إياد اذا صرنا الى ذكر خطباء القبائل ان شاء الله ولإياد وتميم في الخطب خصلة ليست لأحد من العرب لأن رسول الله هو الذي روى كلام قس بن ساعدة وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته وهو الذي رواه لقريش والعرب وهو الذي عجب من حسنه وأظهر من تصويبه وهذا إسناد تعجز عنه الاماني وتنقطع دونه الامال وإنما وفق الله ذلك الكلام لقس ين ساعدة لاحتجاجه للتوحيد ولاظهاره معنى الاخلاص وإيمانه بالبعث ولذلك كان خطيب العرب قاطبة وكذلك ليس لأحد في ذلك مثل الذي لبني تميم لأن رسول الله لما سأل عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر قال مانع لحوزته مطاع في أذينه فقال الزبرقان أما إنه قد علم أكثر مما قال لكنه حسدني شرفي فقال عمرو أما لئن قال ما قال فوالله ما علمته إلا ضيق الصدر زمر المروءة لئيم الخال حديث الغنى فلما رأى انه خالف قوله الاخر قوله الاول ورأى الانكار في عين رسول الله قال يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت وغضبت فقلت أقبح ما علمت وما كذبت في الاولى ولقد صدقت في الاخرة فقال النبي عند ذلك إن من البيان لسحرا فهاتان الخصلتان خصت بهما إياد وتميم دون سائر القبائل ودخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبى سفيان فأشار له الى الوساد فقال له اجلس فجلس على الارض فقال معاوية ما منعك يا احنف من الجلوس على الوساد فقال يا أمير المؤمنين إن فيما أوصى به قيس بن عاصم المنقري ولده أن قال لا تغش السلطان حتى يملك ولا تقطعه حتى ينساك ولا تجلس له على فراش ولا وساد واجعل بينك وبينه مجلس رجل أو رجلين فانه عسى ان يأتي من هو أولى بذلك المجلس منك فتقام له فيكون قيامك زيادة له ونقصا عليك حسبي بهذا المجلس يا أمير المؤمنين لعله ان يأتي من هو أولى بذلك المجلس مني فقال معاوية لقد أوتيت تميم الحكمة مع رقة حواشي الكلام وأنشأ يقول ياأيها السائل عما مضى وعلم هذا الزمن العائب ان كنت تبغي العلم أو أهله أو شاهدا يخبر عن غائب فاعتبر الارض بسكانها واعتبر الصاحب بالصاحب وذهب الشاعر في مرثية أبي دؤاو في قوله وأصبر من عود وأهدى اذا سرى من النجم في داج من الليل غيهب
هذا شبيه بقول جبار بن سليمان بن مالك بن حعفر بن كلاب حين وقف على قبر عامر بن الطفيل فقال كان والله لا يضل حتى يضل النجم ولا يعطش حتى يعطش البعير ولا يهاب حتى يهاب السيل وكان والله خير ما يكون حين لا تظن نفس بنفس خيرا وكان زيد بن جندب أشغى أقلح ولولا ذلك لكان أخطب العرب قاطبة وقال عبيدة بن هلال اليشكري في هجائه له أشغى عفنباة وناب ذوعصل وقلح باد وسن قد نصل وقال عبيدة أيضا فيه ولفوك أشنع حين تنطق فاغرا من في قريح قد أصاب بريرا وقال الكميت تشبه بالهمام اثارها مشافر قرحا أكلن البريرا وقال أخو النمر بن تولب في شنعة أشداق الجمل كم ضربة لك تحكي فاقراسية من المصاعب في أشداقه شنع وفي الخطباء من كان أشغى ومن كان أروق ومن كان أشدق ومن كان أضجم ومن كان أفقم القراسية بعير أضجم والضجم اعوجاج في الفم والفقم مثله والروق ركوب السن الشفة وفي كل ذلك روينا الشاهد والمثل وروى الهيثم بن عدي عن أبي يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير قال قدم علينا الاحنف الكوفة مع مصعب بن الزبير فما رأيت خصلة تذم في رجل إلا وقد رأيتها فيه كان أصلع الرأس أحجن الانف أغضف الاذن متراكب الاسنان أشدق مائل الذقن ناتى ء الوجنة باخق العين خفيف العارضين أحنف الرجلين ولكنه اذا تكلم جلى عن نفسه ولو استطاع الهيثم ان يمنعه البيان أيضا لمنعه ولولا انه لم يجد بدا من ان يجعل له شيئا على حال لما أقر بأنه اذا تكلم جلى عن نفسه وقولنا في كلمته هذه كقول هند بنت عتبة حين أتاها نعي يزيد بن أبي سفيان وقال لها بعض المعزين إنا لنرجو ان يكون في معاوية خلف من يزيد فقالت هند ومثل معاوية لا يكون خلفا من أحد فوالله لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمى به فيها لخرج من أي أعراضها شاء ولكنا نقول المثل الاحنف يقال إلا انه اذا تكلم جلى عن نفسه ثم رجع بنا القول الى الكلام الاول فيما يعتري اللسان من ضروب الآفات قال ابن الاعرابي طلق أبو رمادة امرأته حين وجدها لثغاء وخاف ان تجيئه بولد ألثغ فقال لثغاء تأتي بحيفس ألثغ تميس في الموشي والمصبغ وأنشد ابن الاعرابي كلمة جامعة لكثير من هذه المعاني وهو قول الشاعر أسكت ولا تنطق فأنت حبحاب كلك ذو عيب وأنت عياب إن صدق القوم فأنت كذاب أو نطق القوم فأنت هياب أو سكت القوم فأنت قبقاب أو أقدموا يوما فأنت وجاب وأنشدني ولست يزميجة في الفراش وجابة يحتمي أن يجيبا ولا ذي قلازم عند الحياض اذا ما الشريب اراب الشريبا وأنشدني رب غريب ناصح الجيب وابن أب متهم الغيب ورب عياب له منظر مشتمل الثوب على العيب وأنشد وأجرا من رأيت بظهر غيب على عيب الرجال ذوو العيوب وقال سهل بن هرون لو عرف الزنجي فرط حاجته الى ثناياه في اقامة الحروف وتكميل جميل البيان لما نزع ثناياه وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سهيل بن عمرو الخطيب يا رسول الله إنزع ثنيتيه السفليين حتى يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا أبدا وانما قال ذلك لأن سهيلا كان أعلم من شفته السفلى وقال خلاد بن يزيد الارقط خطب الجمحي خطبة نكاح أصاب فيها معانى الكلام وكان في كلامه صفير يخرج من موضع ثناياه المنزوعة فأجابه زيد بن على بن الحسين بكلام في جودة كلامه الا انه فضله بحسن المخرج والسلامة من الصفير فذكر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر سلامة لفظ زيد بسلامة أسنانه فقال في كلمة له قلت قوادحها وتم عديدها فله بذاك مزية لا تنكر ويروى صحت مخارجها وتم حروفها وزعم يحيى بن نجيم بن معاوية بن زمعة احد رواة أهل البصرة قال قال يونس بن حبيب في تأويل قول الاحنف بن قيس أنا ابن الزافرية أرضعتني بثدي لا أجد ولا وخيم أتمتني فلم تنقص عظامي ولا صوني اذا اصطك الخصوم قال انما عنى بقوله عظامي أسنانه التي في فمه وهي التي اذا تمت تمت الحروف وقال يونس وكيف يقول مثله أتمتني فلم تنقص عظامي وهو يريد بالعظام عظام اليدين والرجلين وهو أحنف من رجليه جميعا مع قول الحتات له والله لانك ضئيل وان أمك لورهاء وكان أعرف بمواقع العيوب وأبصر بدقيقها وجليلها وكيف يقول ذلك وهو نصب عيون الاعداء والشعراء والاكفاء وهو أنف مضر الذي تعطس عنه وأبين العرب والعجم قاطبة قالوا ولم يتكلم معاوية على منبر جماعة مذ سقطت ثناياه في الطست قال أبو الحسن وغيره لما شق على معاوية سقوط مقادم فمه قال له يزيد بن معن السلمي واية ما بلغ أحد سنك الا أبغض بعضه بعضا ففوك أهون علينا من سمعك وبصرك فطابت نفسه وقال أبو الحسن المدايني لما شد عبد الملك اسنانه بالذهب قال لولا المنابر والنساء ما باليت متى سقطت قال وسألت مباركا الزنجي الفاشكار ولا أعلم زنجيا بلغ في الفشكرة مبلغه فقلت له لم ينزع الزنجي ثناياه ولم يحدد ناس منهم أسنانهم فقال أما أصحاب التحديد فللقتال والنهش ولانهم يأكلون لحوم الناس ومتى حارب ملك ملكا فأخذه قتيلا أو اسيرا أكله وكذلك اذا حارب بعضهم بعضا أكل الغالب منهم المغلوب وأما أصحاب القلع فانهم قالوا نظرنا الى مقادم أفواه الغنم فكر هنا ان تشبه مقادم أفواهنا مقادم أفواه الغنم فكم تظنهم حفظك الله فقدوا من المنافع العظام بفقد تلك الثنايا
وفي هذا كلام يقع في كتاب الحيوان وقال أبو الهندى في اللثغ سقيت أبا المطرح إذا تأنى وذو الرعثات منتصب يصيح شرابا يهرب الذبان عنه ويلثغ حين يشربه الفصيح وقال محمد بن الرومي مولى أمير المؤمنين قد صحت التجربة وقامت العبرة على ان سقوط جميع الاسنان أصلح في الابانة عن الحروف منه اذا سقط اكثرها وخالف احد شطريها الشطر الاخر وقد رأينا تصديق ذلك في أفواه قوم شاهدهم الناس بعد ان سقط جميع اسنانهم وبعد ان بقي منها الثلث أو الربع فممن سقط جميع اسنانه وكان معنى كلامه مفهوما الوليد بن هشام القحذمي صاحب الاخبار ومنهم ابو سفيان والعلاء بن لبيد التغلبي وكان ذا بيان ولسن وكان عبيد الله بن ابي غسان ظريفا يصرف لسانه كيف أحب وكان الالحاح على القيس قد برد اسنانه حتى كان لايرى احد منها شيئا الا ان تطلع في لحم اللثة وفي أصول منابت الاسنان وكان سفيان بن الابرد الكلي كثيرا ما يجمع بين القار والحار فتساقطت اسنانه جميعا وكان مع ذلك خطيبا بينا وقال اهل التجربة اذا كان في اللحم الذي فيه مغارز الاسنان تشمير وقصر سمك ذهبت الحروف وفسد البيان واذا وجد اللسان من جميع جهاته شيئا يقرعه ويصكه ولم يمر في هواء واسع المجال وكان لسانه يملأ جوبة فمه لم يضره سقوط اسنانه الا بالمقدار المغتفر والجزء المحتمل ويؤكد ذلك قول صاحب المنطق فانه زعم في كتاب الحيوان أن الطائر والسبع والبهيمة كلما كان لسانه الواحد منها اعرض كان أفصح وأبين وأحكى لم يلفن ولما يسمع كنحو الببغاء والغداف وغراب البين وما أشبه ذلك وكالذي يتهيأ من أفواه السنانير اذا تجاوبت من الحروف المقطعة المشاركة لمخارج حروف الناس فاما الغنم فليس يمكنها ان تقول الا ماء والميم والباء أول ما يتهيأ في افواه الاطفال كقولهم ماما وبابا لانهما خارجان من عمل اللسان وانهما يظهران بالتقاء الشفتين وليس شيء من الحروف أدخل في باب النقص والعجز من فم الاهتم من الفاء والسين اذا كانا في وسط الكلمة فاما الصاد فليس تخرج الا من الشدق الايمن الا ان يكون المتكلم أعسر يسرا مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يخرج الضاد من اي شدقيه شاء فأما الايمن والاعسر والاضبط فليس يمكنهم ذلك الا بالاستكراه الشديد وكذلك الانفاس مقسومة المنخرين فحالا يكون الاسترواح ودفع البخار من الجوف من الشق الايمن وحالا يكون من الشق الايسر ولا يجتمعان على ذلك في وقت الا ان يستكره ذلك مستكره أو يتكلفه متكلف فاما اذا ترك أنفاسه على سجيتها لم يكن الا كما قالوا وقالوا الدليل على ان من سقط جميع أسنانه ان عظم اللسان نافع له قول كعب بن جعيل ليزيد بن معاوية حين أمره بهجاء الانصار فقال أر ادي انت الى الكفر بعد الايمان لا أهجو قوما نصروا رسول الله وآووه ولكني سأدلك على غلام في الحي كافر كان لسانه لسان ثور يعني الاخطل وجاء في الحديث أن الله تبارك وتعالى يبغض الرجل يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلى بلسانها قالوا ويدل على ذلك قول حسان بن ثابت حين قال له النبي مابقي من لسانك فاخرج لسانه حتى قرع بطرفه طرف أرنبته ثم قال والله إني لو وضعته على صخر لفلقه أو على شعر لحلقه وما يسرني به مقول من معد وأبوالسمط مروان بن أبي الجنوب بن مروان بن ابي حفصة وأبوه وابنه في نسق واحد يقرعون باطراف ألسنتهم اطراف انفهم وتقول الهند لولا ان الفيل مقلوب اللسان لكان أنطق من كل طائر يتهيأ في لسانه كثير من الحروف المقطعة المعروفة وقد ضرب الذين يزعمون أن ذهاب جميع الاسنان أصلح في الابانة عن الحروف من ذهاب الشطر أو الثلثين في ذلك مثلا فقالوا الحمام المقصوص جناحاه جميعا اجدر ان يطير من الذي يكون احدهما وافرا والاخر مقصوصا قالوا وعلة ذلك التعديل والاستواء واذا لم يكن كذلك ارتفع احد شقيه وانخفض الاخر فلم يجذف ولم يطر والقطا من الطير قد يتهيأ من أفواهها ان تقول قطا قطا وبذلك سميت ويتهيأ من أفواه الكلاب العينات والفا ات والواوات كنحو قولها وو وو وكنحو قولها عف عف قال الهيثم بن عدي قيل لصبي من أبوك قال وو وو لان أباه كان يسمى كلبا ولكل لغة حروف تدور في أكثر كلامها كنحو استعمال الروم للسين واستعمال الجرامقة للعين قال الاصمعي ليس للروم ضاد ولا للفرس ثاء ولا للسريان دال ومن ألفاظ العرب ألفاظ تنافر وإن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها الا ببعض استكراه فمن ذلك قول الشاعر وقبر حرب بمكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر ولما رأى من لا علم له أن أحدا لا يستطيع ان ينشد هذين البيتين ثلاث مرات في نسق واحد فلا يتتعتع ولا يتلجلج وقيل لهم ان ذلك انما اعتراه اذ كان من أشعار الجن صدقوا بذلك ومن ذلك قول ابن بشير في أحمد بن يوسف حين أستبطأه هل معين على البكا والعويل أم معز على المصاب الجليل ميت مات وهو في ورق العيش مقيم به وظل ظليل في عداد الموتى وفي غامر الدنيا أبو جعفر أخي وخليلي لم يمت ميتة الوفاة ولكن مات من كل صالح وجميل لا أذيل الآمال بعدك إني بعدها الآمال حق بخيل كم لها موقفا بباب صديق رجعت من نداه بالتعطيل ثم قال لم يضرها والحمد لله شيء وانثنت نحو عرف نفس زهول فتفقد النصف الاخير من هذا البيت فانك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض وأنشدني أبو العاصي قال أنشدني خلف الاحمر في هذا المعنى وبعض قريض القوم أولاد علة يكد لسان الناطق المتحفظ وقال ابو العاصي أنشدني في ذلك ابو البيداء الرياحي وشعر كبعر الكبش فرق بينه لسان دعي في القريض دخيل أما قول خلف وبعض قريض القوم أولاد علة فانه يقول اذ كان الشعر مستكرها وكانت الفاظ البيت من الشعر لا يقع بعضها مماثلا لبعض كان بينها من التنافر ما بين أولاد العلات واذا كانت الكلمة ليس موقعها الى جنب أختها مرضيا موافقا كان اللسان عند إنشاء ذلك الشعر مؤونة واجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج فيعلم بذلك أنه أفرغ إفراغا جيدا وسبك سبكا واحدا فهو يجري على اللسان كما يحري على الدهان وأما قوله كبعر الكبش فانما ذهب إلى ان بعر الكبش يقع متفرقا غير مؤتلف ولا متجاور وكذلك حروف الكلام وأجزاء الشعر من البيت تراها متفقة لمسا ولينة المعاطف سهلة وتراها مختلفة متباينة ومتنافرة مستكرهة تشق على اللسان وتكده والاخرى تراها سهلة لينة ورطبة مؤاتية سلسة النظام خفيفة على اللسان حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد قال سحيم بن حفص قالت بنت الحطيئة للحطيئة تركت قوما كراما ونزلت في بني كليب بعر الكبش فعابتهم بتفرق بيوتهم فقيل لهم فأنشدونا بعض ما لا تتنافر أجزاؤه ولا تتباين ألفاظه فقالوا قال الثقفي من كان ذا عضد يدرك ظلامته إن الذليل الذي ليست له عضد تنبو يداه اذا ما قل ناصره ويأنف الضيم إن أثرى له عدد وأنشدوا رمتني وستر الله بيني وبينها عشية أرام الكناس رميم رميم التي قالت لجارات بيتها ضمنت لكم أن لا يزال يهيم ألا رب يوم لو رمتني رميتها ولكن عهدي بالنضال قديم وأنشدوا ولست بزميجة في الفراش وجابة يحتمي ان يجيبا ولا ذي قلازم عند الحياض اذا ما الشريب أراب الشريبا قال نوفل بن سالم لرؤبة بن العجاج يا أبا الجحاف مت متى شئت قال وكيف ذلك قال رأيت عقبة بن رؤبة ينشد رجزا أعجبني قال إنه يقول لو كان لقوله قران وقال الشاعر مهاربة مناجبة قران منادبة كأنهم الأسود وأنشد ابن الاعرابي وبات يدرس شعرا لا قران له قد كان ثقفه حولا فما زادا وقال بشار فهذا بديه لا كتحبير قائل اذا ما أراد القول زوره شهرا
فهذا في افتراق الالفاظ فاما افتراق الحروف فان الجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا تأخير والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال بتقديم ولا تأخير وهذا باب كثير وقد يكتفى بذكر القليل حتى يستدل به على الغاية التي اليها يجري وقد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية المعروفة ويكون لفظه متخيرا فاخرا ومعناه شريفا كريما ويعلم مع ذلك السامع لكلامه ومخارج حروفه أنه نبطي وكذلك اذا تكلم الخراساني على هذه الصفة فانك تعرف مع اعرابه وتخير ألفاظه في مخرج كلامه أنه خراساني وكذلك إن كان من كتاب الأهواز ومع هذا إنا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم لا يغادر من ذلك شيئا وكذلك تكون حكايته للخراساني والاهوازي والزنجي والسندي والحبشي وغير ذلك نعم حتى نجده كأنه اطبع منهم فأما اذا حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جمعت كل اطرافه في كل فأفاء في الارض في لسان واحد كما أنك تجده يحكي الأعمى بصور ينشئها لوجهه وعينه وأعضائه لا تكاد تجد من ألف اعمى واحدا يجمع ذلك كله فكأنه قد جمع جميع طرف حركات العميان في أعمى واحد ولقد كان أبو دبوبة الزنجي مولى آل زياد يقف بباب الكوخ بحضرة المكارين فينهق فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير ولا متعب بهير إلا نهق وقبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة فلا تنبعث لذلك ولا يتحرك منها متحرك حتى كان ابو دبوبة يحركه وكأنه قد جمع جميع الصور التي تجمع نهيق الحمار فجعلها في نهيق واحد وكذلك في نباح الكلاب ولذلك زعمت الاوائل ان الانسان انما قيل له العالم الصغير سليل العالم الكبير لانه يصور بيده كل صورة ويحكي بفمه كل حكاية ولانه يأكل النبات كما تأكل البهائم ويأكل الحيوان كما تأكل السباع وان فيه من أخلاق جميع اجناس الحيوان أشكالا وانما تهيأ وأمكن الحاكية بجميع مخارج الامم لما أعطى الله الانسان من الاستطاعة والتمكن وحين فضله على جميع الحيوان بالمنطق والعقل والاستطاعة فبطول استعمال التكلف ذلت لذلك جوارحه ومتى ترك شمائله ولسانه على سجيتها كان مقصورا بعادة المنشأ على الشكل الذي لم يزل فيه وهذه القضية مقصورة على هذه الجملة من مخارج الالفاظ وصور الحركات والسكون فاما حروف الكلام فان حكمها اذا تمكنت في الالسنة خلاف هذا الحكم ألا ترى ان السندي اذا جلب كبيرا فانه لا يستطيع الا أن يجعل الجيم زايا ولو أقام في عليا تميم وسفلى قيس وبين عجز هوازن خمسين عاما وكذلك النبطي القح خلاف المغلاق الذي نشأ في بلاد النبط لان النبطي القح يجعل الزاي سينا فاذا أراد ان يقول زورق قال سورق ويجعل العين همزة فاذا أراد ان يقول مشمعل قال مشمئل والنخاس يمتحن لسان الجارية اذا ظن أنها رومية وأهلها يزعمون أنها مولدة بان تقول ناعمة وتقول شمس ثلاث مرات متواليات والذي يعتري اللسان مما يمنع من البيان أمور منها اللثغة التي تعتري الصبيان الى ان ينشأوا وهو خلاف ما يعتري الشيخ الهرم الماج المسترخي الحنك المرتفع اللثة وخلاف ما يعتري أصحاب اللكن من العجم ومن نشأ من العرف مع العجم فمن اللكن ممن كان خطيبا أو شاعرا أو كاتبا داهيا زياد بن سلمى ابو امامة وهو زياد الاعجم قال ابو عبيدة كان ينشد قوله فتى زاده السلطان في الود رفعة إذا غير السلطان كل خليل قال كان يجعل السين شينا والطاء تاء فيقول فتى زاده الشلتان في الود رفعة ومنهم سحيم عبد بني الحسحاس قال له عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وانشده قصيدته التي أولها عميرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا لو كان شعرك كله مثل هذا لأجزتك قال ما سعرت يريد ما شعرت فجعل الشين المعجمة سينا غير معجمة
ومنهم عبيد الله بن زياد والي العراق قال لهانيء بن قبيصة أهروري سائر اليوم يريد أحروري ومنهم صهيب بن سنان النمري صاحب رسول الله كان يقول إنك لهائن يريد انك لحائن وصهيب بن سنان يرتضخ لكنه رومية وعبيد الله ابن زياد يرتضخ لكنة فارسية وقد اجتمعا على جعل الحاء هاء وازدا نقاذار لكنته نبطية وكان مثلهما في جعل الحاء هاء وبعضهم يروي أنه أملي على كاتب له فقال اكتب الهاصل ألف كر فكتبها الكاتب بالهاء كما لفظ بها فأعاد عليه كلام فأعاد عليه الكاتب فلما فطن لاجتماعهما على الجهل قال أنت لا تهسن ان تكتب وأنا لا أهسن ان أملى فاكتب الجاصل الف كر فكتبها بالجيم معجمة ومنهم ابو مسلم صاحب الدعوة كان جيد الالفاظ جيد المعاني وكان اذا أراد ان يقول قلت له قال كلت له فشارك في تحويل القاف كافا عبيد الله بن زياد كذلك خبرنا ابو عبيدة وانما اتى عبيد الله بن زياد في ذلك انه نشأ في الأساورة عند شيرويه الاسواري زوج أمه مرجانة وقد كان في ال زياد غير واحد يسمى شيرويه قال وفي دار شيرويه عاد على بن ابي طالب كرم الله وجهه زيادا في علة كانت به فهذا ما حضرنا من لكنة البلغاء والشعراء والرؤساء فاما لكنة العامة ومن لم يكن له حظ في المنطق فمثل قيل مولى زياد فانه مرة قال لزياد أهدوا الينا همار وهش يريد حمار وحش قال زياد وأي شيء تقول ويلك قال أهدو الينا أيرا يريد عيرا فقال زياد الاول أهون وقالت أم ولد لجرير بن الخطفى لبعض ولدها وقع الجردان في عجان أمكم أبدلت الذال دالا من الجرذان وضمت الجيم وجعلت العجين عجانا قال بعض الشعراء في أم ولد له يذكر لكنتها أكثر ما أسمع منها في السحر تذكيرها الانثى وتأنيث الذكر والسوأة السواء في ذكر القمر لانها كانت اذا أرادت ان تقول القمر قالت الكمر وقال ابن عباد ركبت عجوز سندية جملا فلما مشى تحتها متخلعا كهيئة حركة الجماع فقالت هذا الذمل يذكرنا بالسر تريد أنه يذكرها بالوطء فجعلت الشين سينا والجيم ذالا وهذا كثير وباب اخر من اللكنة كما قيل للنبطي لم ابتعت هذه الأتان قال أركبها وتلد لي فقد جاء بالمعنى بعينه ولم يبدل الحروف بغيرها ولا زاد فيها ولا نقص ولكنه فتح المكسور حين قال تلد لي ولم يقل تلد لي والصقلي يجعل الذال المعجمة دالا في الحروف باب البيان بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله قال بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعانى المعانى القائمة في صدور العباد المتصورة في أذهانهم المتخلجة في نفوسهم والمتصلة بخواطرهم والحادثة عن فكرهم مستورة خفية وبعيدة وحشية ومحجوبة مكنونة وموجودة في معنى معدومة لا يعرف الانسان ضمير صاحبه ولا حاجة أخيه وخليطه ولا معنى شريكه والمعاون له على أموره وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه الا بغيره وانما تحيا تلك المعاني في ذكرهم لها واخبارهم عنها واستعمالهم اياها وهذه الخصال هي التي تقر بها من الفهم وتجلبها للعقل وتجعل الخفي منها ظاهرا والغائب شاهدا والبعيد قريبا وهي التي تخلص الملتبس وتحل المنعقد وتجعل المهمل مقيدا والمقيد مطلقا والمجهول معروفا والوحشي مألوفا والغفل موسوما والموسوم معلوما وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الاشارة وحسن الاختصار ودقة المدخل يكون اظهار المعنى وكلما كانت الدلالة أوضح وافصح وكانت الاشارة ابين وانور كان انفع وأنجع والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الذي سمعت الله تبارك وتعالى يمدحه يدعو اليه ويحث عليه وبذلك نطق القران وبذلك تفاخرت العرب وتفاضلت وأصناف الاعجام والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى وهتك الحجب دون الضمير حتى يفضي السامع الى حقيقته ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان ومن اي جنس كان ذلك الدليل لان مدار الامر والغاية التي اليها يجرى القائل والسامع انما هو الفهم والافهام فبأي شيء بلغت الافهام وأوضحت عن المعنى فذاك هو البيان في ذلك الموضع ثم اعلم حفظك الله ان حكم المعاني خلاف حكم الالفاظ لان المعاني مبسوطة الى غير غاية وممتدة الى غير نهاية وأسماء المعاني مقصورة معدودة ومحصلة محدودة وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد أولها اللفظ ثم الاشارة ثم العقد ثم الخط ثم الحال وتسمى نصبة والنصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الاصناف ولا تقصر عن تلك الدلالات ولكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها وحلية مخالفة لحلية أختها وهي التي تكشف لك عن اعيان المعاني في الجملة ثم عن حقائقها في التفسير وعن أجناسها واقدارها وعن خاصها وعامها وعن طبقاتها في السار والضار وعما يكون منها لغوا بهرجا وساقطا مطرحا قال ابو عثمان وكان في الحق ان يكون هذا الباب في اول هذا الكتاب ولكنا أخرناه لبعض التدبير وقالوا البيان بصر والعي عمى كما ان العلم بصر والجهل عمى والبيان من نتاج العلم والعي من نتاج الجهل وقال سهل بن هرون العقل رائد الروح والعلم رائد العقل والبيان ترجمان العلم وقال صاحب المنطق حد الانسان ألحي الناطق المبين وقالوا حياة المروءة الصدق وحياة الروح العفاف وحياة الحلم العلم وحياة العلم البيان وقال يونس بن حبيب ليس لعي مروءة ولا لمنقوص البيان بهاء ولوحك بيافوخه عنان السماء وقالوا شعر الرجل قطعة من كلامه وظنه قطعة من علمه واختياره قطعة من عقله وقال ابن التوام الروح عماد البدن والعلم عماد الروح والبيان عماد العلم قد قلنا في الدلالة باللفظ فأما الاشارة فباليد وبالرأس وبالعين والحاجب والمنكب اذاتباعد الشخصان وبالثوب وبالسيف وقد يتهدد رافع السوط والسيف فيكون ذلك زاخرا رادعا ويكون وعيدا وتحذيرا والاشارة واللفظ شريكان ونعم العون هي له ونعم الترجمان هي عنه وما اكثر ما تنوب عن اللفظ وما تغني عن الخط وبعد فهل تعدو الاشارة ان تكون ذات صورة معروفة وحلية موصوفة على اختلاف في طبقاتها ودلالتها وفي الاشارة بالطرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح مرفق كبير ومعونة حاضرة في أمور يسرها الناس من بعض ويخفونها من الجليس وغير الجليس ولولا الاشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص ولجهلوا هذا الباب البتة ولولا ان تفسير هذه الكلمة يدخل في باب صناعة الكلام لفسرتها لكم وقد قال الشاعر في دلالات الاشارة أشارت بطرف العين خيفة أهلها إشارة مذعور ولم تتكلم فأيقنت ان الطرف قد قال مرحبا وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم وقال الآخر وللقلب على القلب دليل حين يلقاه وفي الناس من الناس مقاييس وأشباه وفي العين غنى للمرء أن تنطق أفواه وقال الاخر ومعشر صيد ذوي تجلة ترى عليهم للندى أدلة وقال الآخر ترى عينها عيني فتعرف وحيها وتعرف عيني ما به الوحي يرجع وقال الاخر وعين الفتى تبدي الذي في ضميره وتعرف بالنجوى الحديث المغمسا وقال الآخر ألعين تبدي الذي في نفس صاحبها من المحبة أو بغض اذا كانا والعين تنطق والأفواه صامته حتى ترى من ضمير القلب تبيانا هذا ومبلغ الاشارة أبعد من مبلغ الصوت فهذا ايضا باب تتقدم فيه الاشارة الصوت والصوت هو الة اللفظ وهو الجوهر الذي يقوم به التقطيع وبه يوجد التأليف ولن تكون حركات اللسان لفظا ولا كلاما موزونا ولا منثورا الا بظهور الصوت ولا تكون الحروف كلاما الا بالتقطيع والتأليف وحسن الاشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان مع الذي يكون مع الاشارة من الدل والشكل والتفتل والتثني واستدعاء الشهوة وغير ذلك من الامور قد قلنا في الدلالة بالاشارة فأما الخط فما ذكر الله تبارك وتعالى في كتابه من فضيلة الخط والانعام بمنافع الكتاب قوله لنبيه إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم وأقسم به في كتابه المنزل على نبيه المرسل حيث قال ن والقلم وما يسطرون ولذلك قالوا القلم احد اللسانين كما قالوا قلة العيال احد اليسارين وقالوا القلم أبقى أثرا واللسان اكثر هذرا وقال عبد الرحمن بن كيسان استعمال القلم أجدر ان يحض الذهن على تصحيح الكتاب من استعمال اللسان على تصحيح الكلام وقالوا اللسان مقصور على القريب الحاضر والقلم مطلق في الشاهد والغائب وهو للغابر الكائن مثله للقائم الراهن والكتاب يقرأ بكل مكان ويدرس في كل زمان واللسان لا يعدو سامعه ولا يتجاوزه الى غيره وأما القول في العقد وهو الحساب دون اللفظ والخط فالدليل على فضيلته وعظم قدر الانتفاع به قول الله عز وجل فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم وقال جل وتقدس الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان الشمس والقمر بحسبان وقال تبارك وتعالى هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق وقال تبارك وتعالى وجعلنا الليل والنهار ايتين فمحونا اية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب والحساب يشتمل على معان كثيرة ومنافع جليلة ولولا معرفة العباد بمعنى الحساب في الدنيا لما فهموا عن الله عز وجل ذكره معنى الحساب في الاخرة وفي عدم اللفظ وفساد الخط والجهل بالعقد فساد جل النعم وفقدان جمهور المنافع واختلال كل ما جعله الله عز وجل لنا قواما ومصلحة ونظاما واما النصبة فهي الحال الناطقة بغير اللفظ والمشيرة بغير اليد وذلك ظاهر في خلق السموات والارض وفي كل صامت وناطق وجامد ونام ومقيم وظاعن وزائد وناقص فالدلالة التي في الموات الجامد كالدلالة التي في الحيوان الناطق فالصامت ناطق من جهة الدلالة والعجماء معربة من جهة البرهان ولذلك قال الاول سل الارض فقل من أجرى أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك فان لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا وقال بعض الخطباء أشهد ان السموات والارض آيات دالات وشواهد قائمات كل يؤدي عنك الحجة ويعرب عنك بالربوبية موسومة باثار قدرتك ومعالم تدبيرك التي تجليت بها لخلقك فأوصلت الى القلوب من معرفتك ما انسها من وحشة الفكر ورجم الظنون فهي على اعترافها لك وذلها اليك شاهدة بأنك لا تحيط بك الصفات ولا تحدك الاوهام وان حظ المفكر فيك الاعتراف لك وقال خطيب من الخطباء حين قام على سرير الاسكندر وهو ميت الاسكندر كان أمس انطق منه اليوم وهو اليوم أوعظ منه امس ومتى دل الشيء على معنى فقد أخبر عنه وان كان صامتا وأشار اليه وان كان ساكتا وهذاالقول شائع في جميع اللغات ومتفق عليه مع افراط الاختلافات وأنشد ابو الرديني العكلي في تنسم الذئب للريح واستنشاقه واسترواحه يستخبر الريح اذا لم يسمع بمثل مقراع الصفا الموقع وقال عنبرة بن شداد العبسي وجعل نعيب الغراب خبرا للزاجر حرق الجناح كأن لحبي رأسه جلمان بالأخبار هش مولع وقال الراعي ان السماء وان الريح شاهدة والارض تشهد والأيام والبلد لقد جزيت بني بدر ببغيهم يوم الهباءة يوما ما له قود وقال نصيب في هذا المعنى يمدح سليمان بن عبد الملك أقول لركب صادرين لقيتهم قفا ذات أوشال ومولاك قارب قفوا خبرونا عن سليمان إنني لمعروفه من آل ودان طالب فعاجوا فأثنوا بالذي انت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب وهذا كثير جدا بسم الله الرحمن الرحيم قال علي بن أبى طالب كرم الله وجهه قيمة كل انسان ما يحسن فلو لم نقف من هذا الكتاب الا على هذه الكلمة لوجدناها كافية شافية ومجزية مغنية بل لوجدناها فاضلة على الكفاية وغير مقصرة عن الغاية وأحسن الكلام ما كان قليلة يغنيك عن كثيرة ومعناه في ظاهر لفظه وكان الله عز وجل قد ألبسه من الجلالة وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه وتقوى قائله فاذا كان المعنى شريفا واللفظ بليغا وكان صحيح الطبع بعيدا من الاستكراه ومنزها عن الاختلال مصونا عن التكلف صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة ونفذت من قائلها على هذه الصفة اصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد ما لا يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة ولا يذهل عن فهمها عقول الجهلة وقد قال عامر بن عبد القيس الكلمة اذا خرجت من القلب وقعت في القلب واذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان قال الحسن رضي الله تعالى عنه وسمع متكلما يعظ فلم تقع موعظته بموضع من قلبه ولم يرق عندها يا هذا ان بقلبك لشرا أو بقلبي وقال علي بن الحسين ابن علي رضي الله عنهم لوكان الناس يعرفون جملة الحال في فضل الاستبانة وجملة الحال في صواب التبيين لأعربوا عن كل ما تخلج في صدورهم ولوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة الى كل حال سوى حالهم وعلى ان درك ذلك كان يعدمهم في الايام القليلة العدة والفكرة القصيرة المدة ولكنهم من بين مغمور بالجهل ومفتون بالعجب ومعدول بالهوى عن باب التثبت ومصروف بسوء العادة عن تفضيل التعلم وقد جمع محمد بن علي بن الحسين صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين فقال صلاح شأن جميع التعايش والتعاشر ملء مكيال ثلثاه فطنة وثلثه تغافل فلم يجعل لغير الفطنة نصيبا من الخير ولا حظا في الصلاح لان الانسان لا يتغافل إلا عن شيء قد فطن له وعرفه وذكر هذه الثلاثة الاخبار ابراهيم بن داحة عن محمد بن عمير وذكرها صالح بن علي الافقم عن محمد بن عمير وهؤلاء جميعا من مشايخ الشيع وكان ابن عمير أغلاهم وأخبرني ابراهيم بن السندى عن علي بن صالح الحاجب عن العباس بن محمد قال قيل لعبد الله بن عباس أنى لك هذا العلم قال قلب عقول ولسان سؤول وقد رووا هذا الكلام عن دغفل بن حنظلة العلامة وعبد الله أولى به منه والدليل على ذلك قول الحسن ان اول من عرف بالبصرة ابن عباس صعد المنبر فقرأ سورة البقرة ففسرها حرفا حرفا وكان مثجا يسيل غربا أخبرنا هشام بن حسان وغيره قال قيل للحسن يا أبا سعيد ان قوما زعموا انك تذم ابن عباس قالوا فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال ان ابن عباس كان من الاسلام بمكان وان ابن عباس كان من العلم بمكان وكان والله له لسان سؤول وقلب عقول وكان والله مثجا يسيل غربا قالوا وقال علي بن عبد الله بن عباس من لم يجد مس نقص الجهل في عقله وذل المعصية في قلبه ولم يستبن موضع الخلة في لسانه عند كلال حده عن حد خصمه فليس ممن يفزع عن ريبة ولا يرغب عن حال معجزة ولا يكترث لفصل ما بين حجة وشبهة قالوا وذكر محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بلاغة بعض أهله فقال اني لأكره ان يكون مقدار لسانه فاضلا عن مقدار علمه كما أكره ان يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله وهذا كلام شريف نافع فاحفظوا لفظه وتدبروا معناه ثم اعلموا ان المعنى الحقير الفاسد والدنيء الساقط يعشش في القلب ثم يبيض ثم يفرخ فاذا ضرب بجرانه ومكن لعروقه استفحل الفساد وبزل وتمكن الجهل وفرخ فعند ذلك يقوى داؤه ويمتنع دواؤه اللفظ الهجين الردي والمستكره الغبي أعلق باللسان وآلف للسمع وأشد التحاما بالقلب من اللفظ النبيه الشريف والمعنى الرفيع الكريم ولو جالست الجهال والنوكى والسخفاء والحمقى شهرا فقط لم تنق من أوضار كلامهم وخبال معانيهم بمجالسة أهل البيان والعقل دهرا لان الفساد أسرع الى الناس وأشد التحاما بالطبائع والانسان بالتعلم والتكلف وبطول الاختلاف الى العلماء ومدارسة كتب الحكماء يجود لفظه ويحسن أدبه وهو لا يحتاج في الجهل الى اكثر من ترك التعلم وفي فساد البيان الى اكثر من ترك التخير ومما يؤكد قول محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قول بعض الحكماء حين قيل له متى يكون الادب شرا من عدمه قال اذا كثر الادب ونقصت القريحة وقد قال بعض الأولين من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه وهذا كله قريب بعضه من بعض وذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال كان والله أفضل من ان يخدع وأعقل من ان يخدع وقال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس كفاك من علم الدين ان تعلم ما لا يسع جهله وكفاك من علم الادب ان تروي الشاهد والمثل وكان عبد الرحمن بن اسحق القاضي يروي عن جده ابراهيم بن سلمة قال سمعت أبا مسلم يقول سمعت الامام ابراهيم بن محمد يقول يكفي من حظ البلاغة ان لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع قال ابو عثمان واما انا فأستحسن هذا القول جدا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ولا حول ولا قوة الا بالله وصلى الله على سيدنا محمد خاصة وعلى الانبياء عامة أخبرني أبو الزبير كاتب محمد بن حسان وحدثني محمد بن أبان ولا أدري كاتب من كان قالا قيل للفارسي ما البلاغة قال معرفة الفصل من الوصل وقيل لليوناني ما البلاغة قال تصحيح الاقسام واختيار الكلام وقيل للرومي ما البلاغة قال حسن الاقتضاب عند البداهة والغزارة يوم الاطالة وقيل للهندي ما البلاغة قال وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الاشارة وقال بعض اهل الهند جماع البلاغة البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة ثم قال ومن البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة ان تدع الافصاح بها الى الكناية عنها اذ كان الافصاح أوعر طريقة وربما كان الاضراب عنها صفحا أبلغ في الدرك وأحق بالنظر وقال مرة جماع البلاغة التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات القول وقلة الحرف بما التبس من المعاني أو غمض وبماشرد عليك من اللفظ أو تعذر ثم قال وزين ذلك كله وبهاؤه وحلاوته وسناؤه ان تكون الشمائل موزونة والالفاظ معدلة واللهجة نقية فان جامع ذلك السن والسمت والجمال وطول الصمت فقد ثم كل التمام وكمل كل الكمال
وخالف عليه سهل بن هرون وكان سهل في نفسه عتيق الوجه حسن الاشارة بعيدا من الفدامة معتدل القامة مقبول الصورة يقضى له بالحكمة قبل الخبرة وبرقة الذهن قبل المخاطبة وبدقة المذهب قبل الامتحان وبالنبل قبل التكشف فلم يمنعه ذلك ان يقول ما هو الحق عنده وان أدخل ذلك على حاله النقص قال سهل بن هرون لو ان رجلين خطبا أو تحدثا أو احتجا أو وصفا وكان احدهما جميلا جليلا بهيا جسيما نبيلا وذا حسب شريفا وكان الاخر قليلا قميئا وباذ الهيئة دميما وخامل الذكر مجهولا ثم كان كلاهما في مقدار واحد من البلاغة وفي وزن واحد من الصواب لتصدع عنهما الجمع وعامتهم تقضي للقليل الدميم على النبيل الجسيم وللباذ الهيئة على ذي الهيئة ولشغلهم التعجب منه عن مساواة صاحبة ولصار التعجب منه سببا للعجب به ولكان الاكثار في شأنه علة للاكثار في مدحه لان النفوس كانت له أحقر ومن بيانه أيأس ومن حسده أبعد فاذا هجموا منه على ما لم يحتسبوه وظهر منه خلاف ما قدروه تضاعف حسن كلامه في صدورهم وكبر في عيونهم لأن الشيء من غير معدنه أغرب وكلما كان أغرب كان ابعد في الوهم وكلما كان أبعد في الوهم كان اظرف وكلما كان اظرف كان أعجب وكلما كان اعجب كان ابدع وانما ذلك كنوادر كلام الصبيان وملح المجانين فان ضحك السامعين من ذلك أشد وتعجبهم به اكثر والناس موكلون بتعظيم الغريب واستطراف البديع وليس لهم في الموجود الراهن المقيم وفيما تحت قدرتهم من الرأي والهوى مثل الذي معهم في الغريب القليل وفي النادر الشاذ وكل ما كان في ملك غيرهم وعلى ذلك زهد الجيران في عالمهم الاصحاب في الفائدة من صاحبهم وعلى هذه السبيل يستطرفون القادم عليهم ويرحلون الى النازح عنهم ويتركون من هو أعم نفعا واكثر في وجوه العلم تصرفا وأخف مؤونة واكثر فائدة ولذلك قدم بعض الناس الخارجي على العريق والطارف على التليد وكانوا يقولون اذا كان الخليفة بليغا والسيد خطيبا فإنك تجد جمهور الناس وأكثر الخاصة فيهما على أمرين إما رجلا يعطي كلامهما من التعظيم والتفضيل والاكبار والتبجيل على قدر حالهما في نفسه وموقعهما من قلبه وإما رجلا تعرض له التهمة لنفسه فيهما والخوف من ان يعطى تعظيمه لهما يوهمه من صواب قولهما وبلاغة كلامهما ما ليس عندهما حتى يفرط في الاشفاق ويسرف في التهمة فالأول يزيد في حقه للذي له في نفسه والاخر ينقصه من حقه لتهمته ولإشفاقه من ان يكون مخدوعا في أمره فاذا كان الحب يعمي عن المساوى ء فالبغض يعمي عن الحقائق والمحاسن وليس يعرف حقائق مقادير المعاني ومحصول حدود لطائف الامور الا عالم حكيم أو معتدل الاخلاط عليم والا القوى المنة لوثيق العقدة والذي لا يميل مع ما يستميل الجمهور الاعظم والسواد الاكثر وكان سهل بن هرون شديد الاطناب في وصف المأمون في البلاغة والجهارة وبالحلاوة والفخامة وجودة اللهجة والطلاوة واذا صرنا الى ذكر ما يحضرنا من تسمية خطباء بني هاشم وبلغاء رجال القبائل قلنا في وصفهما على حسب حالهما والفرق الذي بينهما ولاننا عسى ان نذكر حملة اسماء خطباء الجاهليين والاسلاميين والبدويين والحضريين وبعض ما يحضرنا من صفاتهم وأقدارهم ومقاماتهم وبالله التوفيق ثم رجع بنا القول الى ذكر الاشارة وروى ابو شمر عن معمر أبي الاشعث خلاف القول الاول في الاشارة والحركة عند الخطبة وعند منازعة الرجال ومناقلة الاكفاء وكان ابوشمر اذا نازع لم يحرك يديه ولا منكبيه ولم يقلب عينيه ولم يحرك رأسه حتى كأن كلامه انما يخرج من صدع صخرة وكان يقضي على صاحب الاشارة بالافتقار الى ذلك وبالعجز عن بلوغ ارادته وكان يقول ليس من المنطق ان تستعين عليه بغيره حتى كلمة ابرهيم بن سيار النظام عند ايوب بن جعفر فاضطره بالحجة وبالزيادة في المسألة حتى حرك يديه وحل حبوته وحبا اليه حتى أخذ بيديه ففي ذلك اليوم انتقل ايوب من قول ابي شمر الى قوم ابرهيم وكان الذي غر أبا شمر وموه له هذا الرأي ان اصحابه كانوا يستمعون منه ويسلمون له ويميلون اليه ويقبلون كل ما يورده عليهم ويثبته عندهمم فلما طال عليه توقيرهم له وترك مجاذبتهم إياه وخفت مؤونة الكلام عليه نسي حال منازعة الاكفاء ومجاذبة الخصوم وكان شيخا وقورا وزميتا ركينا وكان ذا تصرف في العلم ومذكورا بالفهم والحلم قال معمر ابو الاشعث قلت لبهلة الهندي ايام اجتلب يحيى بن خالد اطباء الهند مثل منكة وبازيكر وقلبرقل وسندباذ وفلان وفلان ما البلاغة عند اهل الهند قال بهلة عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة لا أحسن ترجمتها لك ولم أعالج هذه الصناعة فأثق من نفسي بالقيام بخصائصها وتلخيص لطائف معانيها قال ابو الاشعث فلقيت بتلك الصحيفة التراجمة فاذا فيها اول البلاغة اجتماع الة البلاغة وذلك ان يكون الخطيب رابط الجأش ساكن الجوارح قليل اللحظ متخير اللفظ لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة ولا الملوك بكلام السوقة ويكون في قواه فضل للتصرف في كل طبقة ولا يدقق المعاني كل التدقيق ولا ينقح الالفاظ كل التنقيح ولا يصفيها كل التصفية ولا يهذبها غاية التهذيب ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكميا أو فيلسوفا عليما ومن قد تعود حذف فضول الكلام واسقاط مشتركات الالفاظ قد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة لا على جهة الاعتراض والتصفح وعلى جهة الاستطراف والتظرف وقال من علم حق المعنى ان يكون الاسم له طبقا وتلك الحال له وفقا ويكون الاسم له لا فاضلا ولا مفضولا ولا مقصرا ولا مشتركا ولا مضمنا ويكون مع ذلك ذاكرا لما عقد عليه اول كلامه ويكون تصفحه لمصادره في وزن تصفحه لموارده ويكون لفظه مؤنقا ولهول تلك المقامات معاودا ومدار الامر على إفهام كل قوم بقدر طاقتهم والحمل عليهم على اقدار منازلهم وان تواتيه الته وتتصرف معه أداته ويكون في التهمة لنفسه معتدلا وفي حسن الظن بها مقتصدا فانه ان تجاوز مقدارالحق في التهمة لنفسه ظلمها فأودعها ذلة المظلومين وان تجاوز الحق في مقدار حسن الظن بها أمنها فأودعها تهاون الآمنين ولكل ذلك مقدار من الشغل ولكل شغل مقدار من الوهن ولكل وهن مقدار من الجهل وقال ابراهيم بن هانيء وكان ماجنا خليعا كثير العبث متمردا ولولا ان كلامه هذا الذي أراد به الهزل يدخل في باب الجد لما جعلته صلة الكلام الماضي وليس في الارض لفظ يسقط البتة ولا معنى يبور حتى لا يصلح لمكان من الاماكن قال ابرهيم بن هانيء من تمام الة القصص ان يكون القاص اعمى ويكون شيخا بعيد مدى الصوت ومن تمام الة الزمر ان تكون الزامرة سوداء ومن تمام آلة المغني ان يكون فاره البرذون براق الثنايا عظيم الكبر سيء الحلق ومن تمام الة الخمار ان يكون ذميا ويكون اسمه أذين أو مازيار أو ازدانقاذار أو ميشا أو شلوما ويكون أرقط الثياب مختوم العنق ومن تمام الة الشعر ان يكون الشاعر اعرابيا ويكون الداعي الى الله صوفيا ومن تمام الة السؤدد ان يكون السيد ثقيل السمع عظيم الرأس ولذلك قال ابن سنان الجديدي لراشد بن سلمة الهذلي ما أنت بعظيم الرأس ولا ثقيل السمع فتكون سيدا ولا بأرسح فتكون فارسا وقال شبيب بن شيبة الخطيب لبعض فتيان بني منقر والله مامطلت مطل الفرسان ولا فتقت فتق السادة قال الشاعر تقلب رأسا لم يكن رأس سيد وكفا ككف الضب أو هي احقر فعاب صغر رأسه وصغر كفه كما عاب الشاعر كف عبد الله بن مطيع العدوي حين وجدها غليظة جافية فقال دعا ابن مطيع للبياع فجئنه الى بيعة قلبي لها غير آلف فناولني خشناء لما لمستها بكفي ليست من اكف الخلائف وهذا باب يقع في كتاب الجوارح مع ذكر البرص والعرج والعسر والادر والفلج والحدب والقرع وغير ذلك من علل الجوارح وهو وارد عليكم بعد هذا الكتاب ان شاء الله تعالى وقال ابرهيم بن هانيء ومن تمام آلة الحارس ان يكون زميتا قطوبا أبيض اللحية أقنى أجنى وصاحب تكلم بالفارسية وأخبرني ابراهيم بن السندى قال دخل العمانى الراجز على الرشيد لينشده شعرا وعليه قلنسوة طويلة وخف ساذج فقال إياك ان تنشدني الا وعليك عمامة عظيمة الكور وخفان دمالقان قال إبراهيم قال ابو نصر فبكر عليه من الغد وقد تزيا بزي الاعراب فأنشده ثم دنا منه فقبل يده وقال يا أمير المؤمنين قد والله أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته وأنشدت يزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد ورأيت وجوههما وقبلت أيديهما وأخذت جوائزها وأنشدت السفاح ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته وأنشدت المهدى ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته وأنشدت الهادي ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته هذا الى كثير من أشباه الخلفاء وكبار الامراء والسادة الرؤساء ولا والله ان رأيت فيهم أبهى منظرا ولا أحسن وجها ولا انعم كفا ولا اندى راحة منك يا أمير المؤمنين ووالله لو ألقى في روعي أني أتحدث عنك ما قلت لك ما قلت فأعظم له الجائزة على شعره وأضعف له على كلامه وأقبل عليه فبسطه حتى تمنى والله جميع من حضر انهم قاموا ذلك المقام ثم رجع بنا القول الى الكلام الاول قال ابن الاعرابي قال معاوية بن أبي سفيان لصحار بن عياش العبدي ما هذه البلاغة التي فيكم قال شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا فقال له رجل من عرض القوم يا أمير المؤمنين هم بالبسر والرطب أبصر منهم بالخطب فقال له صحار أجل والله انا لنعلم ان الريح لتنفخه وان البرد ليعقده وان القمر ليصبغه وان الحر لينضجه فقال له معاوية ما تعدون البلاغة فيكم قال الايجاز قال له معاوية وما الايجاز قال له صحار ان تجيب فلا تبطى ء وأن تقول فلا تخطى ء فقال معاوية أو كذلك تقول قال صحار أقلني يا أمير المؤمنين لا تبطى ء ولا تخطى ء وشأن عبد القيس عجيب وذلك انهم بعد محاربة أياد تفرقوا فرقتين ففرقة وقعت بعمان وشق عمان وفيهم خطباء العرب وفرقة وقعت الى البحرين وشق البحرين وهم من أشعر قبيلة في العرب ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية وفي معدن الفصاحة وهذا عجب ومن خطبائهم المشهورين صعصعة بن صوحان وزيد بن صوحان وشيخان بن صوحان ومنهم صحار بن عياش وصحار بن شيعة عثمان وبنو صوحان من شيعة علي ومنهم مصقلة بن رقبة ورقبة بن مصقلة وكرب بن رقبة واذا صرنا الى ذكر الخطباء والنسابين ذكرنا من كلام كل واحد منهم بقدر ما يحضرنا وبالله التوفيق
قال لي ابن الاعرابي قال لي المفضل بن محمد الضبي قلت لأعرابي منا ما البلاغة قال الايجاز في غير عجز والاطناب في غير خطل قال ابن الاعرابي فقلت للمفضل ما الايجاز عندك قال حذف الفضول وتقريب البعيد قال ابن الاعرابي قيل لعبد الله بن عمر لو دعوت الله لنا بدعوات فقال اللهم ارحمنا وعافنا وارزقنا فقال رجل لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن فقال نعوذ بالله من الاسهاب باب ذكر ناس من البلغاء والخطباء والانبياء والفقهاء والامراء ممن لا يكاد يسكت مع قلة الخطأ والزلل منهم زيد بن صولجان ومنهم ابو وائلة إياس بن معاوية المزني القاضي وصاحب الركن والمعروف بحودة الفراسة ولكثرة كلامه قال له عبد الله بن شبرومة أنا وأنت لا نتفق انت لا تشتهي ان تسكت وانا لا اشتهي ان اسمع واتى حلقة من حلق قريش في مسجد دمشق فاستولى على المجلس ورأوه احمر دميما باذ الهيئة قشيفا فاستهانوا به فلما عرفوه اعتذروا اليه وقالوا الذنب مقسوم بيننا وبينك اتيتنا في زي مسكين تكلمنا بكلام الملوك ورأيت ناسا يستحسنون جواب إياس حين قيل له ما فيك عيب غير انك معجب بقولك قال أفأعجبكم قولي قالوا نعم قال فانا احق بان اعجب بما اقول وبما يكون مني منكم والناس حفظك الله لم يضعوا ذكر العجب في هذا الموضع والمعيب عند الناس ليس هو الذي يعرف ما يكون منه من الحسن والمعرفة لا تدخل في باب التسمية بالعجب والعجب مذموم وقد جاء في الحديث ان المؤمن من ساءته سيئته وسرته حسنته وقيل لعمر فلان لا يعرف الشر قال ذلك أجدر ان يقع فيه وانما العجب اسراف الرجل في السرور بما يكون منه والافراط في استحسانه حتى يظهر ذلك منه في لفظه وفي شمائله وهو كالذي وصف به صعصعة بن صوحان المنذر بن الجارود عند علي بن ابي طالب كرم الله وجهه فقال أما والله انه مع ذلك لنظار في عطفيه تفال في شراكيه تعجبه حمرة برديه قال ابو الحسن قيل لاياس ما فيك عيب الا كثرة الكلام قال فتسمعون صوابا أم خطأ قالوا بل صوابا قال فالزيادة من الخير خير وليس كما قال للكلام غاية ولنشاط السامعين نهاية وما فضل عن مقدار الاحتمال ودعا إلى الاستثقال والملال فذلك الفاضل هو الهذر وهوالخطل وهو الاسهاب الذي سمعت الحكماء يعيبونه وذكر الاصمعي ان عمر بن هبيرة لما أراده على القضاء قال إني لا اصلح له قال وكيف ذاك قال لاني عيي ولأني دميم ولأني حديد قال ابن هبيرة أما الحدة فان السوط يقومك وأما الدمامة فاني لا اريد ان أحاسن بك احدا وأما العي فقد عبرت عما تريد فان كان إياس عند نفسه عييا فذاك أجدر ان يهجر الاكثار وبعد هذا فما نعلم أحدا رمى أياسا بالعي وإنما عابوه بالاكثار وذكر صالح بن سليمان عن عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث قال ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض إلا ما كان من عقل الحجاج بن يوسف وإياس بن معاوية فان عقولهما كانت ترجح على عقول الناس كثيرا وقال قائل لاياس لم تعجل بالقضاء فقال له إياس كم لكفك من اصبع قال خمس قال عجلت قال لم يعجل من قال بعد ما قتل الشيء علما ويقينا قال إياس فهذا هو جوابي لك وكان كثيرا ما ينشد قول النابغة الجعدي أبى لي البلاء واني امروء إذا ما تبينت لم أرتب قال ومدح سلمة بن عياص سوار بن عبد الله بمثل ما وصف به إياس نفسه حين قال وأوقف عند الأمر ما لم يبن له وأمضى أذا ما شك ما كان ماضيا وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى الى عدي بن أرطاة ان قبلك رجلين من مزينة فول أحدهما قضاء البصرة يعني بكر بن عبد الله المزني وإياس بن معاوية فقال بكر والله ما أحسن القضاء فان كنت صادقا فما يحل لك ان توليني وان كنت كاذبا انها لأحراهما وكانوا اذا ذكروا البصرة قالوا شيخها الحسن وفتاها بكر وقال إياس بن معاوية لست بخب والخب لا يخدعني ولا يخدع ابن سيرين وهو يخدع أبي ويخدع الحسن ودخل الشام وهو غلام فتقدم خصما له وكان الخصم شيخا كبيرا الى بعض قضاة عبد الملك بن مروان فقال له القاضي أتتقدم شيخا كبيرا قال الحق اكبر منه قال أسكت قال فمن ينطق بحجتي قال لا أظنك تقول حقا حتى تقوم قال لا إله إلا الله أحقا هذا أم باطل فقام القاضي فدخل على عبد الملك من ساعته فخبره بالخبر فقال عبد الملك اقض حاجته الساعة وأخرجه من الشام لا يفسد علي الناس فاذا كان من إياس وهو غلام يخاف على جماعة أهل الشام فما ظنك به وقد كبرت سنه وعض ناجذه وجملة القول في إياس انه كان مفاخر مضر ومن مقدمي القضاة وكان فقيه البدن رقيق المسلك في الفطن وكان صادق الحدس نقابا وعجيب الفراسة ملهما وكان عفيف الطعم كريم المدخل والشيم وجيها عند الخلفاء مقدما عند الاكفاء وفي مزينة خير كثير ثم رجعنا الى القول الاول ومنهم ربيعة الرأي وكان لا يكاد يسكت قالوا وتكلم يوما فأكثر وأعجب بالذي كان منه فالتفت الى اعرابي كان عنده فقال يا اعرابي ما تعدون العي فيكم قال ما كنت فيه منذ اليوم وكان يقول الساكت بين النائم والاخرس ومنهم عبيد الله بن محمد بن حفص التيمي ومحمد بن حفص هو ابن عائشة ثم قيل لعبيد الله بن أبي عائشة وكان كثير العلم والسماع متصرفا في الخبر والاثر وكان من أجود قريش وكان لا يكاد يسكت وهو في ذلك كثير الفوائد وكان أبوه محمد بن حفص عظيم الشأن كثير العلم بعث اليه ميخاب خليفته في بعض الامر فأتاه في حلقته في المسجد فقال له في بعض كلامه أبو من أصلحك الله فقال له هلا عرفت هذا قبل مجيئك وان كان لا بد لك من هذا فاعترض من شئت فاسأله فقال له اني أريد ان تخليني قال أفي حاجة لك أم في حاجة لي قال بل في حاجة لي قال فالقني في المنزل قال فان الحاجة لك قال ما دون اخواني ستر ومنهم محمد بن مسعر العقيلي وكان كريما كريم المجالسة يذهب مذهب النساك وكان جوادا مر صديق له من بني هاشم بقصر له وبستان نفيس فبلغه انه استحسنه فوهبه له
ومنهم أحمد بن المعذل بن غيلان كان يذهب مذهب مالك وكان ذا بيان وتبحر في المعاني وتصرف في الالفاظ وممن كان يكثر الكلام جدا الفضل بن سهل ثم الحسن بن سهل في أيامه وحدثني محمد بن الجهم ودؤاد بن أبي دؤاد قالا جلس الحسن بن سهل في مصلى الجماعة لنعيم بن حازم فأقبل نعيم حافيا حاسرا وهو يقول ذنبي أعظم من السماء ذنبي أعظم من الهواء ذنبي أعظم من الماء قالا فقال الحسن بن سهل على رسلك تقدمت منك طاعة وكان آخر أمرك الى توبة وليس للذنب بينهما مكان وليس ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو ومن هؤلاء علي بن هشام وكان لا يسكت ولا أدرى كيف كان كلامه قال وحدثني مهدى بن ميمون قال حدثنا غيلان بن جرير قال كان مطرف بن عبد الله يقول لا تطعم طعامك من لا يشتهيه يقول لا تقبل بحديثك على من لا يقبل عليك بوجهه وقال عبد الله بن مسعود حدث الناس ما حدجوك باسماعهم ولحظوك بأبصارهم فإذا رأيت منهم فترة فأمسك قال وجعل السماك يوما يتكلم وجارية له حيث تسمع كلامه فلما انصرف اليها قال لها كيف سمعت كلامي قالت ما أحسنه لولا انك تكثر ترداده فقال أردده حتى يفهمه من لم يفهمه قالت الى ان يفهمه من لم يفهمه قد ملة من فهمه قال عباد بن عوام عن شعبة عن قتادة قال مكتوب في التوراة لا يعاد الحديث مرتين وسفيان بن عيينه عن الزهري قال إعادة الحديث أشد من نقل الصخر وقال بعض الحكماء من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤونة الاستماع منك وجملة القول في الترداد انه ليس فيه حد ينتهي اليه ولا يؤتى الى وصفه وانما ذلك على قدر المستمعين له ومن يحضرة من العوام والخواص وقد رأينا الله عز وجل ردد ذكر قصة موسى وهود وهرون وشعيب وابراهيم ولوط وعاد وثمود وكذلك ذكر الجنة والنار وأمور كثيرة لانه خاطب جميع الامم من العرب وأصناف العجم واكثرهم غبي غافل أو معاند مشغول الفكر ساهي القلب واما حديث القصص والرقة فاني لم أر احدا يعيب ذلك وما سمعناه بأحد من الخطباء كان يرى إعادة بعض الالفاظ وترداد المعاني عيا إلا ما كان من النخار بن أوس العذري فانه كان إذا تكلم في الحمالات وفي الصفح والاحتمال وصلاح ذات البين وتخويف الفريقين من التفاني والبوار كان ربما ردد الكلام على طريق التهويل والتخويف وربما حمى فنخر قال ثمامة بن أشرس كان جعفر بن يحيى أنطق الناس قد جمع الهدوء والتمهل والجزالة والحلاوة وإفهاما يغنيه عن الاعادة ولو كان في الارض ناطق يستغني بمنطقه عن الاشارة لاستغنى جعفر عن الاشارة كما استغنى عن الاعادة وقال مرة ما رأيت احدا كان لا يتحبس ولا يتلجلج ولا يتنحنح ولا يرتقب لفظا قد استدعاه من بعد ولا يلتمس التخلص الى معنى قد تعصى عليه طلبه اشد اقتدارا ولا أقل تكلفا من جعفر بن يحيى وقال ثمامة قلت لجعفر بن يحيى ما البيان قال ان يكون الاسم يحيط بمعناك ويجلي عن مغزاك وتخرجه من الشركة ولا تستعين عليه بالفكرة والذي لابد منه ان يكون سليما من التكلف بعيدا من الصنعة بريئا من التعقيد غنيا عن التأويل وهذا هو تأويل قول الأصمعي البليغ من طبق المفصل وأغناك عن المفسر خبرني جعفر بن سعيد رضيع أيوب بن جعفر وحاجبه قال ذكرت لعمرو ابن مسعدة توقيعات جعفر بن يحيى قال قد قرأت لأم جعفر توقيعات في حواشي الكتب وأسافلها فوجدتها أجود اختصارا وأجمع للمعاني قال ووصف اعرابي أعرابيا بالايجاز والاصابة فقال كان والله يضع الهناء مواضع النقب يظنون انه نقل قول دريد بن الصمة في الخنساء بنت عمرو بن الشريد الى ذلك الموضع وكان دريد قال فيها ما إن رأيت ولا سمعت به كاليوم طالي أينق جرب متبذلا تبدو محاسنه يضع الهناء مواضع النقب ويقولون في إصابة عين المعنى بالكلام الموجز فلان يفل المحز ويصيب المفصل وأخذوا ذلك من صفة الجزار الحاذق فجعلوه مثلا للمصيب الموجز وأنشدني ابو قطن الغنوي وهو الذي يقال له شهيد الكرم وكان أبين من رأيته من أهل البدو والحضر فلو كنت مولى قيس عيلان لم تجد علي لمخلوق من الناس درهما ولكنني مولى قضاعة كلها فلست أبالي ان أدين وتغرما أولئك قوم بارك الله فيهم على كل حال ما أعف وأكرما جفاة المحز لا يصيبون مفصلا ولا يأكلون اللحم إلا تخذما يقول هم ملوك وأشباه الملوك ولهم كفاة فهم لا يحسنون إصابة المفصل وأنشد أبو عبيدة في مثل ذلك وصلع الرؤوس عظام البطون جفاة المحز غلاظ القصر وكذلك ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم وقال الآخر وهو ابن الزبعري وفتيان صدق حسان الوجوه لا يجدون لشيء ألم من آل المغيرة لا يشهدون عند المجازر لحم الوضم وقال الراعي في المعنى الاول فطبقن عرض القف حتى لقينه كما طبقت في العظم مدية جازر وأنشد الاصمعي وكف فتى لم يعرف السلخ قبلها تجور يداه في الأديم وتجرح وأنشد الأصمعي لا يمسك العرف إلا ريث يرسله ولا يلاطم عند اللحم في السوق وقد فسر ذلك لبيد بن ربيعة وبينه وضرب المثل به حيث قال في الحكم بين عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة ياهرم ابن الاكرمين منصبا إنك قد أوتيت حكما معجبا فطبق المفصل واغنم طيبا يقول أحكم بين عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة بكلمة فصل وبأمر قاطع فتفصل بها بين الحق والباطل كما يفصل الجزار الحاذق مفصل العظمين وقد قال الشاعر في هرم قضى هرم يوم المريرة بينهم قضاء امرى ء بالأولية عالم قضى ثم ولى الحكم من كان أهله وليس ذنابى الريش مثل القوادم ويقال في الفحل اذا لم يحسن الضراب جمل عياياء وجمل طباقاء وقالت امرأة في الجاهلية تشكو زوجها زوجي عياياء طباقاء وكل داء له دواء حتى جعلوا ذلك مثلا للعي الفدم الذي لا يتجه للحجة وقال الشاعر طباقاء لم يشهد خصوما ولم يقد ركابا الى اكوارها حين تعكف وذكر زهير بن ابي سلمى الخطل فعابه فقال وذي خطل في القول يحسب أنه مصيب فما يلمم به فهو قائله عبأت له حلما وأكرمت غيره وأعرضت عنه وهو باد مقاتله وقال الشاعر شمس اذا خطل الحديث أوانس يرقبن كل مجذر تنبال وقال ابو الاسود الدؤلي واسم ابي الاسود ظالم بن عمرو وكان من المقدمين في العلم وشاعر سوء يهضب القول ظالما كما اقتم أعشى مظلم الليل حاطب وأنشد أعوذ بالله الاعز الاكرم من قولي الشيء الذي لم أعلم تخبط الاعمى الضرير الأيهم وقال ابرهيم بن هرمة في تطبيق المفصل وتلحق هذه بمعاني اخواتها قبل وعميمة قد سقت فيها عائرا غفلا وفيها عائرا موسوم طبقت مفصلها بغير حديدة فرأى العدو عناي حيث أقوم وهذه الصفات التي ذكرها ثمامة بن أشرس فوصف بها جعفر بن يحيى كان ثمامة بن أشرس قد انتظمها لنفسه واستولى عليها دون جميع أهل عصره وما علمت انه كان في زمانه قروي ولا بلدي كان بلغ من حسن الإفهام مع قلة عدد الحروف ولا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف ما كان بلغه وكان لفظه في وزن اشارته ومعناه في طبقة لفظه ولم يكن لفظه الى سمعك باسرع من معناه الى قلبك قال بعض الكتاب معاني ثمامة الظاهرة في الفاظه الواضحة في مخارج كلامه كما وصف الخزيمي شعر نفسه في مديح أبي دلف حيث يقول له كلم فيك معقولة الى القلوب كركب وقوف وأول هذه القصيدة
أبا دلف دلفت حاجتي اليك وما خلتها بالدلوف
ويظنون ان الخزيمي إنما احتذى في هذا البيت على أيوب بن القرية حين قال له بعض السلاطين ما أعددت لهذا الموقف قال ثلاثة حروف كأنهن ركب وقوف دنيا وآخرة ومعروف وحدثني صالح بن خاقان قال قال شبيب بن شيبة الناس موكلون بتفضيل جودة الابتداء وبمدح صاحبه وأنا موكل بتفضيل جودة القطع وبمدح صاحبه وحظ جودة القافية وإن كانت كلمة واحدة ارفع من حظ سائر البيت ثم قال شبيب فان ابتليت بمقام لا بد لك فيه من الاطالة فقدم إحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل قبل التقدم في إحكام البلوغ في شرف التجويد وإياك ان تعدل بالسلامة شيئا فان قليلا كافيا خير من كثير غير شاف ويقال انهم لم يروا قط خطيبا بلديا الا وهو في اول تكلفه لتلك المقامات كان مستثقلا مستصلفا ايام رياضته كلها الى ان يتوقح وتستجيب له المعاني ويتمكن من الالفاظ إلا شبيب بن شيبة فانه ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام مالا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيرة قالوا ولما مات شبيب بن شيبة أتاهم صالح المري أو بعض من اتاهم للتعزية فقال رحمه الله على أديب الملوك وجليس الفقراء وأخي المساكين وقال الراجز اذا غدت سعد على شبيبها على فتاها وعلى خطيبها من مطلع الشمس الى مغيبها عجبت من كثرتها وطيبها حدثني صديق لي قال قلت للعتابي ما البلاغة قال كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ فاذا اردت اللسان الذي يروق الالسنة ويفوق كل خطيب باظهار ما غمض من الحق وتصوير الباطل في صورة الحق قال فقلت له قد عرفت الاعادة و الحبسة فما الاستعانة قال أما تراه اذا تحدث قال عند مقاطع كلامه يا هناه ويا هذا وياهيه واسمع مني واستمع ألي وافهم عني أولست تفهم أو لست تعقل فهذا كله وما أشبهه عي وفساد قال عبد الكريم بن روح الغفاري حدثني عمر الشمري قال قيل لعمرو بن عبيد ما البلاغة قال ما بلغ بك الجنة وعدل بك عن النار وما بصرك مواقع رشدك وعواقب غيك قال السائل ليس هذا اريد قال من لم يحسن ان يستمع ومن لم يحسن القول قال ليس هذا اريد قال قال النبي إنا معشر الانبياء بكاء اي قليلو الكلام ومنه قيل رجل بكى وكانوا يكرهون ان يزيد منطق الرجل على عقله قال السائل ليس هذا أريد قال كانوا يخافون من فتنة القول ومن سقطات الكلام مالا يخافون من فتنة السكوت ومن سقطات الصمت قال السائل ليس هذا أريد قال عمرو فكأنك إنما تريد تحبير اللفظ في حسن الإفهام قال نعم قال انك ان اردت تقرير حجة الله في عقول المتكلمين وتخفيف المؤونة على المستمعين وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين بالالفاظ المستحسنة في الاذان المقبولة عند الاذهان رغبة في سرعة استجابتهم ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة كنت قد أوتيت فصل الخطاب واستوجبت على الله جزيل الثواب قلت لعبد الكريم من هذا الذي صبر له عمرو هذا الصبر قال قد سألت عن ذلك أبا حفص فقال ومن كان يجترى ء عليه هذه الجرأة الا حفص ابن سالم قال عمر الشمري كان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلم فان تكلم لم يكد يطيل وكان يقول لا خير في المتكلم اذا كان كلامه لمن شهده دون نفسه واذا طال الكلام عرضت للمتكلم أسباب التكلف ولا خير في شيء يأتيك به التكلف وقال بعضهم وهو من أحسن ما اجتبيناه ودوناه لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه فلا يكون لفظه الى سمعك أسبق من معناه الى قلبك وكان موسى بن عمران يقول لم أر انطق من ايوب بن جعفر ويحيى بن خالد وكان ثمامة يقول لم أر انطق من جعفر بن يحيى بن خالد وكان سهل بن هرون يقول لم أر انطق من المأمون أمير المؤمنين وقال ثمامة سمعت جعفر بن يحيى يقول لكتابه ان استطعتم ان يكون كلامكم كله مثل التوقيع فافعلوا وسمعت أبا العتاهية يقول لو شئت ان يكون حديثي كله شعرا موزونا لكان وقال اسحق بن حسان بن فوهة لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع احد قط سئل ما البلاغة قال البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة فمنها ما يكون في السكوت ومنها ما يكون في الاستماع ومنها ما يكون في الاشارة ومنها ما يكون في الحديث ومنها ما يكون في الاحتجاج ومنها ما يكون جوابا ومنها ما يكون ابتداء ومنها ما يكون شعرا ومنها ما يكون سجعا وخطبا ومنها ما يكون رسائل فعامة ما يكون من هذه الابواب الوحي فيها والاشارة الى المعنى والايجاز هو البلاغة فأما الخطب بين السماطين وفي اصلاح ذات البين فالاكثار في غير خطل والاطالة في غير املال وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك كما ان خير ابيات الشعر البيت الذي اذا سمعت صدره عرفت قافيته كأنه يقول فرق بين صدر خطبة النكاح وبين صدر خطبة العيد وخطبة الصلح وخطبة المواهب حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه فانه لا خير في كلام لا يدل على معناك ولا يشير الى مغزاك والى العمود الذي اليه قصدت والغرض الذي اليه نزعت قال فقيل له فان مل المستمع الاطالة التي ذكرت انهاحق ذلك الموقف قال اذا أعطيت كل مقام حقه وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام وأرضيت من يعرف حقوق الكلام فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو فانه لا يرضيهما شيء وأما الجاهل فلست منه وليس منك ورضا جميع الناس شيء لا تناله وقد كان يقال رضا الناس شيء لا ينال قال والسنة في خطبة النكاح ان يطيل الخاطب ويقصر المجيب ألا ترى الى قيس بن خارجة بن سنان لما ضرب بصفيحة سيفه مؤخرة راحلتي الحاملين في شأن حمالة داحس والغبراء وقال مالي فيها ايها العشمتان قالا بل ما عندك قال عندي قرى كل نازل ورضا كل ساخط وخطبة من لدن تطلع الشمس الى ان تغرب آمر فيها بالتواصل وانهى فيها عن التقاطع قالوا فخطب يوما الى الليل فما أعاد فيها كلمة ولا معنى فقيل لابي يعقوب هلا أكتفي بالامر بالتواصل عن النهي عن التقاطع أو ليس الامر بالصلة هو النهي عن القطيعة قال أو ما علمت ان الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الافصاح والتكشف قال وسئل ابن المقفع عن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يتصعدني كلام كما تصعدني خطبة النكاح قال ما أعرفه الا ان يكون اراد قرب الوجوه من الوجوه ونظر الحداق من قرب في اجواف الحداق ولانه اذا كان جالسا معهم كانوا كأنهم نظراء وأكفاء واذا علا المنبر صاروا سوقة ورعية وقد ذهب ذاهبون الى ان تأويل قول عمر يرجع الى ان الخطيب لا يجد بدا من تزكية الخاطب فلعله كره ان يمدحه بما ليس فيه فيكون قد قال زورا وغر القوم من صاحبه ولعمري ان هذا التأويل ليجوز اذا كان الخطيب موقوفا على الخطابة فأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأشباهه من الأئمة الراشدين رضوان الله تعالى عليهم اجمعين فلم يكونوا ليتكلفوا ذلك الا فيمن يستحق المدح وروى ابو مخنف عن الحارث الاعور قال والله لقد رأيت عليا وانه لخطب قاعدا كقائم ومحاربا كمسالم يريد بقوله قاعدا خطبة النكاح وقال الهيثم بن عدي لم تكن الخطباء تخطب قعودا الا في خطبة النكاح وكانوا يستحسنون ان يكون في الخطب يوم الحفل وفي الكلام يوم الجمع اي من القران فان ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار والرقة وحسن الموقع قال الهيثم قال عمران بن حطان ان اول خطبة خطبتها عند زياد أو قال عند ابن زياد فأعجب بها زياد وشهدها عمي وأبي ثم اني مررت ببعض المجالس فسمعت رجلا يقول لبعضهم هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القران واكثر الخطباء لا يتمثلون في خطبهم الطوال بشيء من الشعر ولا يكرهونه في الرسائل الا ان تكون الى الخلفاء وسمعت مؤمل بن خاقان وذكر في خطبته تميم بن مر فقال ان تميما له الشرف القديم العود والعز الاقعس والعدد الهيضل وهي في الجاهلية القدام والذروة والسنام وقد قال الشاعر
فقلت له وأنكر بعض شأني ألم تعرف رقاب بني تميم
وكان المؤمل وأهله يخالفون جمهور بني سعد في المقالة فلشدة تحدبه على سعد وشفقته عليهم كان يناضل عند السلطان كل من سعى على أهل مقالتهم وان كان قوله خلاف قولهم حدبا عليهم وكان صالح المري القاص العابد البليغ كثيرا ما ينشد في قصصه وفي واعظه هذا البيت فبات يروي أصول الفسيل فعاش الفسيل ومات الرجل وأنشد الحسن في مجلسه وفي قصصه وفي مواعظه ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الاحياء وأنشد عبد الصمد بن الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي الخطيب القاص الشجاع إما في قصصه وإما في خطبه رحمه الله سبحانه وتعالى أرض تخيرها لطيب مقيلها كعب بن مامة وابن أم دؤاد جرت الرياح على محل ديارهم فكأنهم كانوا على ميعاد فأرى النعيم وكل ما يلهى به يوما يصيرإلى بلى ونفاد وقال ابوالحسن خطب عبد الله بن الحسن على منبر البصرة في العيد فأنشد في خطبته أين الملوك التي عن حظها غفلت حتى سقاها بكأس الموت ساقيها تلك المدائن بالآفاق خالية أمست خلاء وذاق الموت باليها وكان مالك بن دينار يقول في قصصه ما أشد فطام الكبير وهو كما قال القائل وتروض عرسك بعد ما هرمت ومن العناء رياضة الهرم ومثله ايضا قول صالح بن عبد القدوس والشيخ لا يترك اخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه اذا ارعوى عاد الى جهله كذي الضنى عاد الى نكسه قال كلثوم بن عمرو العتابي وكنت امرأ لو شئت ان تبلغ المدى بلغت بأدنى نعمة تستديمها ولكن فطام النفس أثقل محملا من الصخرة الصماء حين ترومها وكانوا يمدحون الجهير الصوت ويذمون الضئيل الصوت ولذلك تشادقوا في الكلام ومدحوا سعة الفم وذموا صغر الفم حدثني محمد بن بشير الشاعر قيل لاعرابي ما الجمال قال القامة وضخم الهامة ورحب الشدق وبعد الصوت وسأل جعفر بن سليمان أبا المخش عن ابنه المخش وكان جزع عليه جزعا شديدا قال صف لي المخش فقال كان أشدق خرطمانيا سائلا لعابه كأنما ينظر من قلتين كأن ترقوته بوان أو خالفة كأن منكبه كركرة جمل ثقال فقأ الله عيني ان كنت رأيت قبله أو بعده مثله قال وقلت لاعرابي ما الجمال قال غؤور العينين واشراف الحاجبين ورحب الشدقين قال دغفل بن حنظلة النسابة والخطيب العلامة حين سأله معاوية عن قبائل قريش فلما انتهى الى بني مخزوم قال معزى مطيرة عليها قشعريرة الا بني المغيرة فان فيهم تشادق الكلام ومصاهرة الكرام وقال الشاعر في عمرو بن سعيد الاشدق تشادق حتى مال بالقول شدقه وكل خطيب لا أبالك أشدق وأنشد ابو عبيدة وصلع الرؤوس عظام البطون رحاب الشداق طوال القصر وتكلم يوما عند معاوية الخطباء فأحسنوا فقال والله لأرمينهم بالخطيب الأشدق قم يا يزيد فتكلم وهذا القول وغيره من الاخبار والاشعار حجة لمن زعم أن عمرو بن سعيد لم يسم الاشدق للفقم ولا للقوة وقال يحيى بن نوفل في خالد بن عبد الله القسري بل السراويل من خوف ومن وهل واستطعم الماء لماجد في الهرب وألحن الناس كل الناس قاطبة وكان يولع بالتشديق في الخطب ويدلك على تفضيلهم سعة الاشداق وهجائهم ضيق الافواه قول الشاعر لحا الله أفواه الدبى من قبيلة إذا ذكرت في النائبات أمورها وقال الآخر وأفواه الدبى حاموا قليلا وليس أخو الحماية كالضجور وإنما شبه أفواههم بأفواه الدبى لصغر أفواههم وضيقها وعلى ذلك المعنى هجا عبدة بن الطبيب حيي بن هزال وابنيه فقال
تدعو بنيك عبادا وجرثمة يا فأرة شجها في الحجر محفار
وقد كان العباس بن عبد المطلب جهيرا جهير الصوت وقد مدح بذلك وقد نفع الله المسلمين بجهارة صوته يوم حنين حين ذهب الناس عن رسول الله فنادى العباس يا أصحاب سورة البقرة هذا رسول الله فتراجع القوم وأنزل الله عز وجل النصرة وأتى بالفتح اخبرني ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال كان قيس ابن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف يمكو حول البيت فيسمع ذلك من حراء قال الله تعالى وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فالتصدية التصفيق والمكاء التصفير أو شبيه بالصفير ولذلك قال عنترة وحليل غانية تركت مجدلا تمكو فريصته كشدق الاعلم وقال العجير السلولي في شدة الصوت ومنهن قرعى كل باب كأنما به القوم يرجون الأذين نشور فجئت وخصمي يصرفون نيوبهم كما قصبت بين الشفار جزور لدى كل موثوق به عند مثلها له قدم في الناطقين خطير جهير وممتد العنان مناقل بصير بعورات الكلام خبير فظل رداء العصب ملقى كأنه سلى فرس تحت الرجال عقير لو ان الصخور الصم يسمعن صلقنا لرحن وفي اعراضهن فطور وقال مهلهل ولولا الريح اسمع أهل نجد صليل البيض تقرع بالذكور وفي شدة الصوت يقول الاعشى في وصفه الخطيب بذلك فيهم الخصب والسماحة والنجدة جمعا والخاطب الصلاق وقال بشار بن برد في ذلك ويهجو بعض الخطباء ومن عجب الايام ان قمت ناطقا وأنت ضئيل الصوت منتفخ السحر ووقع بين فتى من النصارى وبين ابن فهريز كلام فقال له الفتى ما ينبغي ان يكون في الارض رجل واحد أجهل منك وكان ابن فهريز في نفسه اكثر الناس علما وأدبا وكان حريصا على الجثلقة فقال للفتى وكيف حللت عندك هذا المحل قال لانك تعلم انا لا نتخذ الجاثليق الا مديد القامة وأنت قصير القامة ولا نتخذه الا جهير الصوت جيد الخلق وأنت دقيق الصوت رديء الخلق ولا نتخذه الا وهو وافر اللحية عظيمها وانت خفيف اللحية صغيرها وانت تعلم أنا لا نختار للجثلقة الا رجلا زاهدا في الرياسة وأنت أشد الناس عليها كلبا وأظهرهم لها طلبا فكيف لا تكون أجهل الناس وخصالك هذه كلها تمنع من الجثلقة وأنت قد شغلت في طلبها بالك وأسهرت فيها ليلك وقال ابو الحجناء في شدة الصوت إني اذا ما زبب الاشداق والتج حولى النقع واللقلاق ثبت الجنان مرجم وداق وجاء في الحديث من وقي شر لقلقه وقبقبه وذبذبه وقي الشر يعني لسانه وبطنه وفرجه وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بواكي خالد بن الوليد ابن المغيرة وما عليهن يرقن من دموعهن على ابي سليمان مالم يكن نقع أو لقلقه وجاء في الاثر ليس منا من حلق أو صلق أو سلق أو شق ومما مدح به العماني هرون الرشيد بالقصيد دون الرجز قوله جهير العطاس شديد النياط جهير الرواء جهير النغم ويخطو على الأين خطو الظليم ويعلو السماط بجسم عمم وكان الرشيد اذا طاف بالبيت جعل لازاره ذنبين عن يمين وشمال ثم طاف بأوسع من خطو الظليم وأسرع من رجع يد الارنب وقد اخبرني ابرهيم ابن السندي بمحصول ذرع ذلك الخطو الا اني احسبه فراسخ فيما رأيته يذهب اليه قال ابراهيم ونظر اليه اعرابي في تلك الحال والهيئة فقال خطو الظليم ريع ممسى فانشمر وحدثني ابراهيم السندى قال ما أتى عبد الملك بن صالح وفد الروم وهو في البلاد أقام على رأسه رجالا في السماطين لهم قصر وهام ومناكب وأجسام وشوارب وشعور فبينا هم قيام يكلمونه ومنهم رجل وجهه في قفا البطريق اذ عطس عطسة ضئيلة فلحظه عبد الملك فلم يدر أي شيء أنكر منه فلما مضى الوفد قال له ويلك هلا اذ كنت ضيق المنخر كز الخيشوم أتبعتها بصيحة تخلع بها قلب العلج وفي تفصيل الجهازة يقول شبة بن عقال بعقب خطبته عند سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ألا ليت أم الجهم والله سامع ترى حيث كانت بالعراق مقامي عشية بذ الناس جهري ومنطقي وبذ كلام الناطقين كلامي وقال طحلاء يمدح معاوية بالجهارة وبجودة الخطبة ركوب المنابر وثابها معن بخطبته مجهر تريع اليه هوادي الكلام اذا ضل خطبته المهذر وزعموا ان أبا عطية عفيفا النصري في الحرب التي كانت بين ثقيف وبين بني نصر لما رأى الخيل بعقوتة يومئذ وأيس نادى يا صباحاه أتيتم يا بني نصر فألقت الحبالى أولادها من شدة صوته قالوا فقال ربيعة بن مسعود يصف تلك الحرب وصوت عفيف عقاما ضروسا بين عوف ومالك شديدا لظاها تترك الطفل أشيبا وكانت جعيل يوم عمرو أراكة أسود الغضا غادرن لحما متربا ويوم بمكروثاء شدت معتب بغاراتها قد كان يوما عصبصبا فأسقط أحبال النساء بصوته عفيف وقد نادى بنصر فطربا وكان أبو عروة الذي يقال له ابو عروة السباع يصيح بالسبع وقد احتمل الشاة فيخليها ويذهب هاربا على وجهه فضرب به الشاعر المثل وهو النابغة الجعدي فقال وأزجر الكاشح العدو اذا اغتابك عندي زجرا على أضم زجر أبي عروة السباع اذا أشفق ان يلتبسن بالغنم وأنشد ابو عمرو الشيباني لرجل من الخوارج بصف صيحة شبيب بن يزيد ابن نعيم قال ابو عبيدة وأبو الحسن كان شبيب يصيح في جنبات الجيش اذا أتاه فلا يلوي أحد على أحد وقال الشاعر فيه إن صاح يوما حسبت الصخر منحدرا والريح عاصفة والموج يلتطم قال أبو العاصي أنشدني ابو محرز خلف بن حيان وهو خلف الاحمر مولى الاشعريين في عيب التشادق له حنجر رحب وقول منقح وفصل خطاب ليس فيه تشادق اذا كان صوت المرء خلف لهاته وأنحى بأشداق لهن شقاشق وقبقب يحكي مقرما في هبابه فليس بمسبوق ولا هو سابق وقال الفرزدق شقاشق بين اشداق وهام وأنشد خلف وما في يديه غير شدق يميله وشقشقة خرساء ليس لها تعب متى رام قولا خالفته سجية وضرس كقعب القين ثلمه الشعب وأنشد أبوعمر بن العلاء وجائت قريش قريش البطاح هي العصب الأول الداخله يقودهم الفيل والزندبيل وذو الضرس والشفة المائلة وقال الشاعر في خالد بن سلمة المخزومي الخطيب فما كان قائلهم دغفل ولا الحيقطان ولا ذو الشفه وأنشد أصحابنا وقافية لجلجتها فرددتها لذي الضرس لو أرسلتها قطرت دما وقال الفرزدق أنا عند الناس أشعر العرب ولربما كان نزع ضرس أيسر علي من ان اقول بيت شعر وأنشدنا منيع فجئت ووهب كالخلاة تضمها الى الشدق أنياب لهن صريف فقعقعت لحيى خالد واهتضمته بحجة خصم بالخصوم عنيف وقال ابو يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير سئل الحارس بن ابي ربيعة عن علي بن ابي طالب كرم الله وجهه فقال كم كان له ما شئت من ضرس قاطع في العالم بكتاب الله والفقه في السنة والهجرة الى الله ورسوله والبسطة في العشيرة والنجدة في الحرب والبذل للماعون قال الاخر ولم تلفني فها ولم تلف حجتي ملجلجة أبغي لها من يقيمها ولا بت أزجيها قضيبا وتلتوى أراوغها طورا وطورا أضيمها وأنشدني ابو الرديني العكلي فتى كان يعلو مفرق الحق قوله اذا الخطباء الصيد عضل قيلها وقيل الخزيمى في تشادق علي بن الهيثم يا علي بن هيثم يا سماقا قد ملات الدنيا علينا بقاقا خل لحييك يسكنان ولاتضرب رب على تغلب بلحييك طاقا لا تشادق اذا تكلمت واعلم ان للناس كلهم أشداقا وكان على بن الهيثم جوادا بليغ اللسان والقلم قال لي ابو يعقوب الخزيمي ما رأيت كثلاثة رجال يأكلون الناس أكلا حتى اذا رأوا ثلاثة رجال ذابوا كما يذوب الملح في الماء أو الرصاص عند النار كان هشام بن الكلبي علامة نسابة وراوية للمثالب عيابة فاذا رأى الهيثم ابن عدي ذاب كما يذوب الرصاص عند النار وكان الهيثم بن عدي مفقعا نيا صاحب تفقيع وتقعير ويستولي على كلام اهل المجلس لا يحفل بشاعر ولا بخطيب فاذارأى موسى الضبي ذاب كما يذوب الرصاص عند النار وكان علويه المغني احد الناس في الرواية وفي الحكاية وفي صنعة الغناء وجودة الضرب وفي الاطراب وحسن الخلق فاذا رأى مخارقا ذاب كما يذوب الرصاص عند النار ثم رجع بنا القول الى ذكر التشديق وبعد الصوت قال ابو عبيدة كان عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب رديفا للملوك ورحالا اليهم وكان يقال له عروة الرحال فكان يوم أقبل مع ابن الجون يريد بني عامر فلما انتهى الى واردات مع الصبح قال له عروة انك قد عرفت طول صحبتي لك ونصيحتي اياك فأذن لي فأهتف بقومي هتفة قال نعم وثلاثا فقام فنادى يا صاحباه ثلاث مرات قال فسمعنا شيوخنا يزعمون انه اسمع اهل الشعب فتلببوا للحرب وعسبوا الربايا ينظرون من أين يأتي القوم قالوا وتقول الروم لولا ضجة أهل رومية وأصواتهم لسمع الناس جميعا صوت وجوب القرص في المغرب وأعيب عندهم من دقة الصوت وضيق مخرجه وضعف قوته ان يعترض الخطيب البهر والارتعاش والرعدة والعرق قال ابو الحسن قال سفيان بن عيينة تكلم صعصعة عند معاوية فعرق قال معاوية بهرك القول فقال صعصعة ان الجياد نضاحة بالماء والفرس إذا كان سريع العرق وكان هشا كان ذلك عيبا وكذلك هو في الكثرة واذا ابطأ ذلك وكان قليلا قيل قد كبا وهو فرس كاب وذلك عيب ايضا وأنشدني ابن الاعرابي لابي مسمار العكلي في شبيه بذلك قوله
لله در عامر اذا نطق في حفل إملاك وفي تلك الحلق ليس كقوم يعرفون بالشدق من خطب الناس ومما في الورق يلفقون القول تلفيق الخلق من كل نضاح الذفارى بالعرق اذا رمته الخطباء بالحدق وانما ذكر خطب الاملاك لانهم يذكرون انه يعرض للخطيب فيها من الحصر اكثر مما يعرض لصاحب المنبر ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ما يتصعدني كلام كما تتصعدني خطبة النكاح وقال العماني لاذفر هش ولا بكاب ولا بلجلاج ولا هياب وقال الكميت بن زيد وكان خطيبا ان للخطبة صعداء وهي على ذي اللب أرمى وقولهم أرمى وأربى سواء يقال فلان قد أرمي على المائة وأربى ولم أر الكميت افصح عن هذا المعنى ولا تخلص الى خاصته وانما يجترى ء على الخطبة الغمر الجاهل الماضي الذي لا يثنيه شيء أو المطبوع الحاذق الواثق بغزارته واقتدراه فالثقة تنفي عن قلبه كل خاطر يورث اللجلجة والنحنحة والانقطاع والبهر والعرق قال عبيد الله بن زياد وكان خطيبا على لكنة كانت فيه نعم الشيء الامارة لولا قعقعة البرد والتشدق للخطب وقيل لعبد الملك بن مروان عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين قال وكيف لا يعجل على وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين يعني خطبة الجمعة وبعض ما يعرض من الامور قال بعض الكلابيين وإذا خطبت على الرجال فلا تكن خطل الكلام تقوله محتالا واعلم بأن من السكوت إبانة ومن التكلم ما يكون خبالا كلام بشر بن المعتمر حين مر بابرهيم بن جبلة بن مخرمة السكوني الخطيب وهو يعلم فتيانهم الخطابة فوقف بشر فظن ابرهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلا من النظارة فقال بشر أضربوا عما قال صفحا واطووا عنه كشحا ثم دفع اليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه وكان أول ذلك الكلام خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراع بالك واجابتها إياك فان قليل تلك الساعة اكرم جوهرا وأشرف حسبا واحسن في الاسماع وأحلى في الصدور وأسلم من فاحش الخطأ وأجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف ومعنى بديع واعلم ان ذلك اجدى عليك مما يعطيك يومك الاطول بالكد والمطاولة والمجاهدة وبالتكلف والمعاودة ومهما اخطأك لم يخطئك ان يكون مقبولا قصدا وخفيفا على اللسان سهلا وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه وإياك والتوعر فان التوعر يسلمك الى التعقيد والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك ومن أراد معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما فان حق المعنى الشريف اللفظ الشريف ومن حقهما ان تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما وعما تعود من اجله الى ان تكون اسوأ حالا منك قبل ان تلتمس اظهارهما وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما وكن في ثلاث منازل فان أولى الثلاث ان يكون لفظك رشيقا عذبا وفخما سهلا ويكون معناك ظاهرا مكشوفا وقريبا معروفا إما عند الخاصة ان كنت للخاصة قصدت وإما عند العامة ان كنت للعامة أردت والمعنى ليس يشرف بان يكون من معاني الخاصة وكذلك ليس يتضع بان يكون من معاني العامة وإنما مدار الشرف على الصواب واحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال وكذلك اللفظ العامي والخاصي فان امكنك ان تبلغ من بيان لسانك وبلاغة قلمك ولطف مداخلك واقتدارك على نفسك على ان تفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الالفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء ولا تجفو عن الاكفاء فانت البليغ التام قال بشر فلما قرئت على ابراهيم قال لي أنا احوج الى هذا من هؤلاء الفتيان قال ابو عثمان اما انا فلم أر قط امثل طريقة في البلاغة من الكتاب فانهم قد التمسوا من الالفاظ ما لم يكون متوعرا وحشيا ولا ساقطا سوقيا واذا سمعتموني أذكر العوام فاني لست أعني الفلاحين والحشوة والصناع والباعة ولست أعني الاكراد في الجبال وسكان الجزائر في البحار ولست أعني من الامم مثل اليبر والطيلسان ومثل موقان وجيلان ومثل الزنج وأمثال الزنج وانما الامم المذكورون من جميع الناس أربع العرب وفارس والهند والروم والباقون همج وأشباه الهمج وأما العوام من اهل ملتنا ودعوتنا ولغتنا وادبنا واخلاقنا فالطبقة التي عقولها واخلاقها فوق تلك الامم ولم يلبغوا منزلة الخاصة منا على ان الخاصة تتفاضل في الطبقات أيضا ثم رجع بنا القول الى بقية كلام بشر بن المعتمر والى ما ذكر من الاقسام قال بشر فان كانت المنزلة الاولى لا تواتيك ولا تعتريك ولا تسنح لك عند اول نظرك وفي اول تكلفك وتجد اللفظة لم تقع موقعها ولم تصر الى قرارها والى حقها من اماكنها المقسومة لها والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها ولم تصل بشكلها وكانت قلقة في مكانها نافرة من موضعها فلا تكرهها على اغتصاب الاماكن والنزول في غير اوطانها فانك اذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك احد وان انت تكلفتها ولم تكن حاذقا مطبوعا ولا محكما لسانك بصيرا مما عليك أو مالك عابك من انت اقل عيبا منه ورأى من هو دونك انه فوقك فان ابتليت بان تتكلف القول وتتعاطى الصنعة ولم تسمح لك الطباع في اول وهلة وتعصى عليك بعد إجالة الفكرة فلا تعجل ولا تضجر ودعه بياض يومك أوسواد ليلك وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك فانك لا تعدم الاجابة والمواتاة ان كانت هناك طبيعة أو جريت من الصناعة على عرق فان تمنع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض ومن غير طول اهمال فالمنزلة الثالثة ان تتحول من هذه الصناعة الى اشهى الصناعات اليك واخفها عليك فانك لم تشتهه ولم تنازع اليه الا وبينكما نسب والشيء لا يحن الا الى ما يشاكله وان كانت المشاكلة قد تكون في طبقات لان النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة كما تجود به مع المحبة والشهوة فهكذا هذا وقال ينبغي للمتكلم ان يعرف اقدار المعاني ويوازن بينها وبين اقدار المستمعين وبين اقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما حتى يقسم اقدار الكلام على اقدار المعاني ويقسم اقدار المعاني على اقدار المقامات واقدار المستمعين على اقدار تلك الحالات فان كان الخطيب متكلما تجنب الفاظ المتكلمين كما انه ان عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفا أو مجيبا أو سائلا كان اولى الالفاظ به الفاظ المتكلمين اذ كانوا لتلك العبارات أفهم والى تلك الالفاظ أميل واليها أحن وبها أشغف ولان كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق اكثر الخطباء وابلغ من كثير من البلغاء وهم تخيروا تلك الالفاظ لتلك المعاني وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الاسماء وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف وقدوة لكل تابع ولذلك قالوا العرض والجوهر وأيس وليس وفرقوا بين البطلان والتلاشي وذكروا الهذية والهوية والماهية واشباه ذلك وكما وضع الخليل ابن احمد لاوزان القصيد وقصار الارجاز القابا لم تكن العرب تتعارف تلك الاعاريض بتلك الالقاب وتلك الاوزان بتلك الاسماء كما ذكر الطويل والبسيط والمديد والوافر والكامل واشباه ذلك وكما ذكر الاوتاد والاسباب والخرم والزحاف وقد ذكرت العرب في أشعارها السناد والاقواء والاكفاء ولم اسمع الايطاء وقالوا في القصيد والرجز والسجع والخطب وذكروا حروف الروي والقوافي وقالوا هذا بيت وهذا مصراع وقد قال جندل الطهوي حين مدح شعره لم أقو فيهن ولم أساند وقال ذو الرمة وشعر قد أرقت له غريب أجانبه المساند والمحالا وقال أبو حزام العكلي بيوتا نصبنا لتقويمها جذول الربيئين في المربأه بيوتا على الهالها سجحة بغير السناد ولا المكفأه وكما سمى النحويون فذكروا الحال والظرف وما أشبه ذلك لانهم لو لم يضعوا هذه العلامات لم يستطيعوا تعريف القرويين وأبناء البلديين علم العروض والنحو وكذلك أصحاب الحساب قد اجتلبوا اسماء وجعلوها علامات للتفاهم قالوا وقبيح بالخطيب ان يقوم بخطبة العيد أو يوم السماطين أو على منبر جماعة أو في سدة دار الخلافة أو في يوم جمع وحفل إما في اصلاح بين العشائر واحتمال دماء القبائل واستلال تلك الضغائن والسخائم فيقول كما قال بعض من خطب على منبر ضخم الشان رفيع المكان ثم ان الله عز وجل بعد ان أنشأ الخلق وسواهم ومكن لهم لاشاهم فتلاشوا ولولا ان المتكلم افتقر الى ان يلفظ بالتلاشي لكان ينبغي ان يؤخذ فوق يده وخطب آخر في وسط دار الخلافة فقال في خطبته واخرجه الله من باب الليسية فأدخله في باب الايسية وقال مرة اخرى في خطبة له هذا فريق ما بين السار والضار والدفاع وقال مرة اخرى فدل ساتره على غامره ودل غامره على منحله فكاد ابرهيم ابن السندى يطير شفقا ويتقد غيظا هذا وابراهيم من المتكلمين والخطيب لم يكن من المتكلمين وانما جازت هذه الالفاظ في صناعة الكلام حين عجزت الاسماء عن اتساع المعاني وقد تحسن أيضا ألفاظ المتكلمين في مثل شعر ابي نواس وفي كل ما قالوه على جهة التظرف والتملح كقول أبي نواس وذات خد مورد قوهية المتجرد تأمل العين منها محاسنا ليس تنفد فبعضها قد تناهى وبعضها يتولد والحسن في كل عضو منها معاد مردد وكقوله يا عاقد القلب مني هلا تذكرت حلا تركت قلبي قليلا من القليل أقلا يكاد لا يتجزا أقل في اللفظ من لا وقد يتلمح الاعرابي بان يدخل في شعره شيئا من كلام الفارسية كقول العماني للرشيد في قصيدته التي مدحه فيها من يلقه من بطل مسرند في زغفة محكمة بالسرد يجول بين رأسه والكرد يعني العنق ويقول فيه أيضا
لما هوى بين غياض الاسد وصار في كف الهزبر الورد آلى يذوق الدهر آب سرد وكقول الاخر وولهني وقع الأسنة والقنا وكافر كوبات لها عجز قفد بأيدي رجال ما كلامي كلامهم يسومونني مردا وما أنا والمرد ومثل هذا موجود في شعر العذافر الكندي وغيره ويجوز أيضا ان يكون الشعر مثل شعر الحروشاذ وأسود بن أبي كريمة كما قال يزيد بن ربيعة ابن مفرغ آب ست نبيذ است عصارات زبيب است سمية روسبيد است وقال أسود بن أبي كريمة لزم الغرام ثوبي بكرة في يوم سبت فتمايلت عليهم ميل زنكي بمست قد حسا الداذي صرفا أو عقارا بايخست ثم كفتم ذو زياد ويحكم ان خر كفت إن جلدي دبغته أهل صنعاء بحفت وأبو عمرة عندي ان كور يذنمست جالس اندر مكناد ايا عمد بنهشت وكما لا ينبغي ان يكون اللفظ عاميا ساقطا سوقيا فكذلك لا ينبغي ان يكون غريبا وحشيا الا ان يكون المتكلم بدويا اعرابيا فان الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس كما يفهم السوقي رطانة السوقي وكلام الناس في طبقات كما ان الناس أنفسهم في طبقات فمن الكلام الجزل والسخيف والمليح والحسن والقبيح والسميح والخفيف والثقيل وكله عربي وبكل قد تكلموا وبكل قد تمادحوا وتعايبوا قال زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل ولا بينهم في ذلك تفاوت فلم ذكروا الغيبي والبكي والحصر والمفحم والخطل والمسهب والمتشدق والمتفهق والمهماز والثرثار والمكثار والمهماز ولم ذكروا الهجر والهذر والهذيان والتخليط وقالوا رجل تلقاعة وتلهاعة وفلان يتلهيع في خطبته وقالوا فلان يخطى ء في جوابه ويحيل في كلامه ويناقض في خبره ولولا ان هذه الامور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمي ذلك البعض والبعض الآخر بهذه الاسماء وانا أقول انه ليس في الارض كلام هو أمتع ولا أنفع ولا انق ولا ألذ في الاسماع ولا أشد اتصالا بالعقول السليمة ولا أفتق للسان ولا أجود تقويما للبيان من طول استماع حديث الاعراب الفصحاء العقلاء والعلماء البلغاء وقد أصاب القوم في عامة ما وصفوا الا أني ازعم ان سخيف الالفاظ مشاكل لسخيف المعاني وقد يحتاج الى السخيف في بعض المواضع وربما أمتع بأكثر من امتاع الجزل الفخم ومن الالفاظ الشريفة الكريمة المعاني كما ان النادرة الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا وانما الكرب الذي يخيم على القلوب ويأخذ بالأنفاس النادرة الفاترة التي لا هي حارة ولا هي باردة وكذلك الشعر الوسط والغناء الوسط وانما الشأن في الحار جدا والبارد جدا وكان محمد بن عباد بن كاسب يقول والله لفلان أثقل من مغن وسط وأبغض من ظريف وسط ومتى سمعت حفظك الله بنادرة من كلام الاعراب فاياك وان تحكيها الا مع إعرابها ومخارج ألفاظها فانك ان غيرتها بان تلحن في اعرابها وأخرجتها مخرج كلام المولدين والبلديين خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير وكذلك اذا سمعت بنادرة من نوادر العوام وملحة من ملح الحشوة والطغام فاياك وأن تستعمل فيها الاعراب أو ان تتخير لها لفظا حسنا أو تجعل لها من فيك مخرجا سريا فان ذلك يفسد الامتاع بها ويخرجها من صورتها ومن الذي أريدت له ويذهب استطابتهم اياها واستملاحهم لها ثم اعلم ان اقبح اللحن لحن اصحاب التقعير والتقعيب والتشديق والتمطيط والجهورة والتفخيم وأقبح من ذلك لحن الاعاريب النازلين على طرق السابلة وبقرب مجامع الاسواق ولاهل المدينة السنة ذلقة والفاظ حسنة وعبارة جيدة واللحن في عوامهم فاش وعلى من لم ينظر في النحو منهم غالب واللحن من الجواري الظراف ومن الكواعب النواهد ومن الشواب الملاح ومن ذوات الخدور الغرائر أيسر وربما استملح الرجل ذلك منهن ما لم تكن الجارية صاحبة تكلف ولكن اذا كان اللحن سجية سكان البلد وكما يستملحون اللثغاء اذا كانت حديثة السن ومقدودة مجدولة فاذا أسنت واكتهلت تغير ذلك الاستملاح وربما كان اسم الجارية غليم وصبية وما اشبه ذلك فاذا صارت كهلة جزلة وعجوزا شهلة وحملت اللحم وتراكم عليها الشحم وصار بنوها رجالا وبناتها نساء فما أقبح حينئذ ان يقال لها يا غليم كيف أصبحت ويا صبية كيف أمسيت ولأمر ما كنت العرب البنات فقالوا فعلت ام الفضل وقالت ام عمرو وذهبت ام حكيم نعم حتى دعاهم ذلك الى التقدم في تلك الكنى وقد فسرنا ذلك كله في كتاب الاسماء والكنى والالقاب والانباز وقد قال مالك بن أسماء في استملاح اللحن من بعض نسائه أمغطى مني على بصري للحب ام أنت أكمل الناس حسنا وحديث ألذه هو مما ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيانا وأحلى الحديث ما كان لحنا وهم يمدحون الحذق والرفق والتخلص الى حبات القلوب والى إصابة عيون المعاني ويقولون أصاب الهدف اذا أصاب الحق في الجملة ويقولون قرطس فلان وأصاب القرطاس اذا كان أجود اصابة من الاول فاذا قالوا رمى فاصاب الغرة وأصاب عين القرطاس فهو الذي ليس فوقه أحد ومن ذلك قولهم فلان يفل المحز ويصيب المفصل ويضع الهناء مواضع النقب وقال زرارة بن جزء حين أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتكلم عنده ورفع حاجته اليه أتيت أبا حفص ولا يستطيعه من الناس الا كالسنان طرير فوفقني الرحمن لما لقيته وللباب من دون الخصوم صرير قروم غيارى عند باب ممنع تنازع ملكا يهتدي ويجور فقلت له قولا أصاب فؤاده وبعض كلام القائلين غرور وفي شبيه ذلك يقول عبد الرحمن بن حسان حيث يقول
رجال أصحاء الجلود من الخنا وألسنة معروفة أين تذهب وفي اصابة فص الشيء وعينه يقول ذو الرمة في مديح بلال بن أبي بردة الاشعري تناخي عند خير فتى يمان اذا النكباء عارضت الشمالا وخيرهم مآثر أهل بيت وأكرمهم وإن كرموا فعالا وأبعدهم مسافة غور عقل إذا ما الأمر في الشبهات عالا ولبس بين أقوام فكل أعد له الشغازب والمحالا وكلهم ألد له كظاظ أعد لكل حال القوم حالا فصلت بحكمة فأصبت منها فصوص الحق فانفصل انفصالا وكان ابو سعيد الراي وهو شرشير المدني يعيب أبا حنيفة فقال الشاعر عندي مسائل لا شرشير يحسنها عند السؤال ولا أصحاب شرشير ولا يصيب فصوص الحق تعلمه إلا حنيفية كوفية الدور ومما قالوا في الايجاز وبلوغ المعاني بالالفاظ اليسيرة قال ثابت بن قطنة مازلت بعدك في هم يجيش به صدري وفي نصب قد كاد يبليني إني تذكرت قتلى لو شهدتهم في غمرة الموت لم يصلوا بها دوني لا أكثر القول فيما يهضبون به من الكلام قليل منه يكفيني وقال رجل من طيء ومدح كلام رجل فقال هذا كلام يكتفي بأولاه ويشتفي بآخره وقال ابو وجرة السعدي من سعد بن بكر يصف كلام رجل يكفي قليل كلامه وكثيره ثبت اذا طال النضال مصيب ومن كلامهم الموجز في أشعارهم قول العكلي في صفة قوس في كفه معطية منوع موثقة صابرة جزوع وقال الاخر ووصف سهم رام أصاب حمارا فقال حتى نجا من جوفه ومانجا وقال الآخر وهويصف ذئبا أطلس يخفي شخصه غبارة في شدقه شفرته وناره وهو الخبيث عينه فراره بهم بنى محارب مزدارة
ووصف الآخر ناقة فقال خرقاء إلا أنها صناع وقال الآخر ووصف سهما صاردا ألقى على مفطوحا غادر داء ونجا صحيحا وقال الآخر إنك يا ابن جعفر لا تفلح الليل أخفى والنهار أفضح وقالوا في المثل الليل أخفى للويل وقال رؤبة يصف حمارا حشرج في الجوف سحيلا أو سهق حتى يقال ناهق وما نهق وقال بعض ولد العباس بن مرداس السلمى في فرس أبي الاعور السلمى جاء كلمح البرق جاش ناظره يسبح أولاه ويطفو آخره فيما يمس الارض منه حافرة وقال الآخر إن سرك الأهون فابدأ بالأشد وقال العجاج يمكن السيف إذا الرمح انأطر من هامة الليث إذا الليث هتر كجمل البحر إذا خاض جسر غوارب اليم اذا اليم هدر حتى يقال جاسر وما جسر وقال الآخر يا دار قد غيرها بلاها كأنما بقلم محاها أخر بها عمران من بناها وكر ممساها على مغناها وطفقت سحابة تغشاها تبكي على عراصها عيناها قوله أخر بها عمران من بناها يقول عمرها بالخراب وأصل العمران مأخوذ من العمر وهو البقاء فاذا بقي الرجل في داره فقد عمرها فيقول ان مدة بقائه فيها أبلت منها لان الايام مؤثرة في الاشياء بالنقص والبلاء فلما بقي الخراب بها وقام مقام العمران في غيرها سمي بالعمران وقال غيره يا عجل الرحمن بالعذاب لعامرات البيت بالخراب يعني الفأر يقول هذا عمرانها كما يقول الرجل ما نرى من خيرك ورفدك الا ما يبلغنا من خطبك علينا وفتك في أعضادنا وقال الله عزوجل هذا نزلهم يوم الدين والعذاب لا يكون نزلا ولكنه لما أقام العذاب لهم في موضع النعيم لغيرهم سمي باسمه وقال الآخر فقلت أطعمني عمير تمرا فكان تمري كهرة وزبرا والتمر لا يكون كهرة وزبرا ولكنه على ذا وقال الله عز وجل ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا وليس في الجنة بكرة ولا عشي ولكن على مقدار البكر والعشيات وعلى هذا قول الله عز وجل وقال الذين في النار لخزنة جهنم والخزنة الحفظة وجهنم لا يضيع منها شيء فيحفظ ولا يختار دخولها انسان فيمنع منها ولكن لما قامت الملائكة مقام الحافظ الخازن سميت به وقال أبو عمرو بن العلاء اجتمع ثلاثة من الرواة فقال لهم قائل أي نصف بيت شعر أحكم وأوجز فقال أحدهم قول حميد بن ثور الهلالي وحسبك داء أن تصح وتسلما ولعل حميدا أخذه عن النمر بن تولب قال النمر يحب الفتى طول السلامة والغنى فكيف ترى طول السلامة يفعل وقال أبو العتاهية أسرع في نقض أمر تمامه ذهب الى كلام الاول كل ما أقام شخص وكل ما ازداد نقص ولو كان الناس يميتهم الداء إذا لأعاشهم الدواء وقال الثاني من الرواة الثلاثة بل قول أبي خراش الهذلي نوكل بالأدنى وإن حل ما يمضي وقال الثالث بل قول أبي ذؤيب الهذلي وإذا ترد إلى قليل تقنع فقال قائل هذا من مفاخر هذيل ان يكون ثلاثة من الرواة لم يصيبوا في جميع أشعار العرب إلا ثلاثة أنصاف إثنان منها لهذيل وحدها فقيل لهذا القائل إنما كان الشرط ان يأتوا بثلاثة أنصاف مستغنيات بأنفسها والنصف الذي لأبي ذؤيب لا يستغني بنفسه ولا يفهم السامع معنى هذا النصف حتى يكون موصولا بالنصف الاول لانك إذا أنشدت رجلا لم يسمع بالنصف الاول وسمع وإذا ترد الى قليل تقنع قال ومن هذه التي ترد الى قليل فتقنع وليس المضمن كالمطلق وليس هذا النصف مما رواه هذا العالم وانما الرواية قوله والدهر ليس بمعتب من يجزع ومما مدحوا به الايجاز والكلام الذي كالوحي والاشارة قول أبي دؤاد ابن جرير الايادي يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء فمدح كما ترى الاطالة في موضعها والحذف في موضعه ومما يدل على شغفهم وكلفهم وشدة حبهم للفهم والافهام قول الاسدي في صفة كلام رجل نعت له موضعا من تلك السباسب التي لا أمارة فيها بأقل اللفظ وأوجزه فوصف أيجاز الناعت وسرعة فهم المنعوت له فقال بضربة نعت لم تعد غير أنني عقول لأوصاف الرجال ذكورها وهو كقولهم لابن عباس أنى لك هذا العلم قال قلب عقول ولسان سؤول وقد قال الراجز ومهمهين فدفدين مرتين جبتهما بالنعت لا بالنعتين وقالوا في التحذير من ميسم الشعر ومن شدة وقع اللسان ومن بقاء أثره على الممدوح والمهجو قال امرؤ القيس بن حجر ولو عن نثا غيره جاءني وجرح اللسان كجرح اليد وقال طرفة بحسام سيفك أو لسانك والكلم الأصيل كأرغب الكلم قال وأنشدني محمد بن زياد لحوت شماسا كما تلحى العصي سبا لو أن السب يدمي لدمي من نفر كلهم نكس دني محامد الرذل مشاتيم السري مخابط العكم مواديع المطي متارك الرفيق بالخرق النطي وانشد محمد بن زياد تمنى أبو العفاق عندي هجمة تسهل مأوى ليلها بالكلاكل ولا عقل عندي غير طعن نوافز وضرب كأشداق الغصال الهوادل
وسب يود المرء لو مات قبله كصدع الصفا فلقته بالمعلول
وقال طرفة رأيت القوافي يتلجن موالجا تضايق عنها ان تولجها الإبر وقال الأخطل حتى أقروا وهم مني على مضض والقول ينفذ مالا تنفذ الإبر وقال العماني إذ هن في الريط وفي الموادع ترمى اليهن كبذر الزارع وقالوا الحرب أولها شكوى وأوسطها نجوى واخرها بلوى وكتب نصر بن سيار الى ابن هبيرة أيام تحرك أمير السواد بخراسان أرى خلل الرماد وميض جمر فيوشك ان يكون له اضطرام فان النار بالعودين تذكى وان الحرب أولها كلام فقلت من التعجب ليت شعري أأيقاظ أمية أم نيام فان كانوا لحينهم نياما فقل قوموا فقد حان القيام وقال بعض المولدين إذا نلت العطية بعد مطل فلا كانت وان كانت جزيله وسقيا للعطية ثم سقيا اذا سهلت وان كانت قليله وللشعراء ألسنة حداد على العورات موفيه دليله ومن عقل الكريم اذا اتقاهم وداراهم مداراة جميله اذا وضعوا مكاذبهم عليه وان كذبوا فليس لهن حيله وقالوا مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها ومما قالوا في صفة اللسان قول الاسدي أنشدنيها ابن الأعرابي وأصبحت أعددت للنائبات عرضا بريئا وعضبا صقيلا ووقع لسان كحد السنان ورمحا طويل القناة عسولا وقال الأعشى أدافع عن أعراضكم وأعيركم لسانا كمقراض الخفاجي ملحبا وقال ابن هرمة قل للذي ظل ذا لونين يأكلني لقد خلوت بلحم عارم البشم
إياك لا ألزمن لحييك من لجم نكلا ينكل قراصا من اللجم إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله كفاي لكن لساني صائغ الكلم وقال الراجز إني بغيت الشعر وابتغاني حتى وجدت الشعر في مكاني في عيبة مفتاحها لساني وأنشد إني وإن كان إزاري خلقا وبردتاي سملا قد أخلقا قد جعل الله لساني مطلقا بسم الله الرحمن الرحيم معنى البلاغة قال أبو عثمان والعتابي حين زعم أن كل من أفهمك حاجته فهو بليغ لم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولدين والبلديين قصده ومعناه بالكلام الملحون والمعدول عن جهته والمصروف من حقه انه محكوم له بالبلاغة كيف كان بعد ان نكون قد فهمنا عنه معنى كلام النبطي الذي قيل له لم اشتريت هذه الأتان قال أركبها وتلد لي وقد علمنا ان معناه كان صحيحا وقد فهمنا قول الشيخ الفارسي حين قال لاهل مجلسه ما من شر من دين وانه قال حين قيل له ولم ذاك يا أبا فلان قال من جرى يتعلقون وما نشك انه قد ذهب مذهبا وانه كما قال معنى قول أبي الجهير الخرساني النخاس حين قال له الحجاج أتبيع الدواب المعيبة من جند السلطان قال شريكاتنا في هوازها وشريكاتنا في مداينها وكما تجيء تكون قال الحجاج ما تقول ويلك فقال بعض من قد كان اعتاد سماع الخطأ وكلام العلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك يقول شركاؤنا بالاهواز والمدائن يبعثون الينا بهذه الدواب فنحن نبيعها على وجوهها وقلت لخادم لي في اي صناعة أسلم هذا الغلام قال أصحاب سند نعال يريد في اصحاب النعال السندية وكذلك قول الكاتب المغلاق للكاتب الذي دونه اكتب لي قل حطين وريحني منه فمن زعم ان البلاغة ان يكون السامع يفهم معنى القائل جعل الفصاحة واللكنة والخطأ والصواب والاغلاق والابانة والملحون والمعرب كله سواء وكله بيانا وكيف يكون ذلك كله بيانا ولولا طول مخالطة السامع للعجم وسماعه للفاسد من الكلام لما عرفه ونحن لم نفهم عنه الا للنقص الذي فينا وأهل هذه اللغة وأرباب هذا البيان لا يستدلون على معاني هؤلاء بكلامهم كما لا يعرفون رطانة الرومي والصقلبي وان كان هذا الاسم انما يستحقونه بأنا نفهم عنهم كثيرا من حوائجهم فنحن قد نفهم من حمحمة الفرس كثيرا من حاجاته ونفهم بضغاء السنور كثيرا من ارادته وكذلك الكلب والحمار والصبي الرضيع وانما عنى العتابي إفهامك العرب حاجتك على مجرى كلام الفصحاء وأصحاب هذه اللغة لا يفقهون قول القائل منها مكرة أخاك لا بطل وإذا عز أخاك فهن ومن لم يفهم هذا لم يفهم قولهم ذهبت الى أبو زيد ورأيت أبي عمرو ومتى وجد النحويون اعرابيا يفهم هذا وأشباهه بهرجوه ولم يسمعوا منه لأن ذلك يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد اللغة وتنقص البيان لأن تلك اللغة انما انقادت واستوت واطردت وتكاملت بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة وفي تلك الجيرة ولفقد الخطأ من جميع الامم ولقد كان بين يزيد بن كثوة يوم قدم علينا البصرة وبينه يوم مات بون بعيد على انه قد كان وضع منزله في اخر موضع الفصاحة وأول موضع العجمة وكان لا ينفك من رواة ومذاكرين وزعم أصحابنا البصريون عن ابي عمرو بن العلاء انه قال لم أر قرويين أفصح من الحسن والحجاج وكان ما زعموا لا يبرئهما من اللحن وزعم أبو العاصي انه لم ير قرويا قط لا يلحن في حديثه وفيما يجري بينه وبين الناس إلا ما تفقده من أبي زيد النحوي ومن ابي سعيد المعلم وقد روى أصحابنا ان رجلا من البلدتين قال لاعرابي كيف أهلك قالها بكسر اللام قال صلبا لانه أجابه على فهمه ولم يعلم انه أراد المسألة عن أهله وعياله وسمعت ابن بشير وقال له المفضل العنبري اني عثرت البارحة بكتاب وقد التقطته وهو عندي وقد ذكروا ان فيه شعرا فان أردته وهبته لك قال ابن بشير اريده ان كان مقيدا قال والله ما أدري أكان مقيدا أو مغلولا ولو عرف التقييد لم يلتفت الى روايته وحكى الكسائي انه قال لغلام بالبادية من خلقك وجزم القاف فلم يدر ما قال ولم يجبه فرد عليه السؤال فقال الغلام لعلك تريد من خلقك وكان بعض الاعراب اذا سمع رجلا يقول نعم في الجواب قال نعم وشاء لان لغته نعم وقيل لعمر بن لجاء قل إنا من المجرمين منتقمون قال إنا من المجرمون منتقمين وأنشد الكسائي كلاما دار بينه وبين بعض فتيان البادية فقال عجبا ما عجب أعجبني من غلام حكمي أصلا قلت هل أحسنت ركبا نزلوا حضنا ما دونه قال هلا قلت بين ما هلا هل تزلوا قال حوبا ثم ولى عجلا لست أدري عندها ما قال لي أنعم ما قال لي أم قال لا تلك منه لغة تعجبني زادت القلب خبالا خبلا قال أبو الحسن قال مولى زياد لزياد أهدوا لنا همار وهش قال أي شيء تقول ويلك قال أهدوا لنا ايرا يريد أهدوا لنا عيرا قال زياد ويلك الاول خير وقال الشاعر يذكر جارية له لكناء أول ما أسمع منها في السحر تذكيرها الانثى وتأنيث الذكر والسوأة السواء في ذكر القمر فزياد قد فهم عن مولاه وصاحب الجارية قد فهم عن جاريته ولكنهما لم يفهما عنهما من إفهامها لهما ولكنهما لما طال مقامهما في الموضع الذي يكثر فيه سماعهما لهذا الضرب صارا يفهمان هذا الضرب من الكلام ذكر ما قالوا في مديح اللسان بالشعر الموزون واللفظ المنثور ما جاء في الاثر وصح به الخبر قال الشاعر أزى الناس في الاخلاق أهل تخلق وأخبارهم شتى فعرف ومنكر قريبا تدانيهم اذا ما رأيتهم ومختلفا ما بينهم حين تخبر فلا تحمدن الدهر ظاهر صفحة من المرء ما لمم تبل ما ليس يظهر فما المرء إلا الأصغران لسانه ومعقوله والجسم خلق مصور وما الزين في ثوب تراه وإنما يزين الفتى مخبوره حين يخبر فان طرة راقتك منهم فربما أمر مذاق العود والعود أخضر
وقال سويد بن أبي كاهل في ذلك ودعتني برقاها انها تنزل الأعصم من رأس اليفع تسمع الحداث قولا حسنا لو أرادوا غيره لم يستطع ولسانا صيرفيا صارما كحسام السيف ما مس قطع وقال جرير وليس لسيفي في العظام بقية ولا السيف أشوى وقعة من لسانيا وقال الاخر وجرح السيف تدمله فيبرى ويبقى الدهر ما جرح اللسان وقال الاخر أبا ضبيعة لا تعجل بسيئة الى ابن عمك واذكره باحسان إما تراني وأثوابي مقاربة ليست بخز ولا من نسج كتان فان في المجد هماتي وفي لغتي علوية ولساني غير لحان وفيما مدحوا به الاعرابي اذا كان أديبا أنشدني ابن أبي خزيمة واسمه أسود ألا زعمت عفراء بالشام أنني غلام جوار لا غلام حروب وإني لاهدى بالأوانس كالدمى وإني بأطراف القنا للعوب وإني على ما كان من عنجهيتي ولوثة اعرابيتي لأديب وقال ابن هرمة لله درك من فتى فجعت به يوم البقيع حوادث الأيام هش أذا نزل الوفود ببابه سهل الحجاب مؤدب الخدام فاذا رأيت شقيقه وصديقه لم تدر أيهما أخو الأرحام وقال كعب بن سعد الغنوي حبيب الى الزوار غشيان بيته جميل المحيا شب وهو أديب اذا ما تراآه الرجال تحفظوا فلم تنطق العوراء وهو قريب وقال الحارثي وتعلم أنى ماجد وتروعها بقية أعرابية في مهاجر وقال الآخرلآخر
وان امرأ في الناس يعطي ظلامة ويمنع نصف الحق منه لراضع أألموت يخشى اثكل الله أمه أم العيش يرجو نفعه وهو ضائع ويطعم ما لم يندفع في مريثه ويمسح أعلى بطنه وهو جائع وأن العقول فاعلمن أسنة حداد النواحي ارهفتها المواقع ويقول كأن لسانه لسان ثور وحدثني من سمع أعرابيا مدح رجلا برقة اللسان فقال كان والله لسانه أرق من ورقة وألين من سرقة وقال النبي لحسان بن ثابت مابقي من لسانك فاخرج لسانه حتى ضرب بطرفه أرنبته ثم قال رالله ما يسرني به مقول من معد والله لو وضعته على صخر لفلقه أو على شعر لحلقه قال وسمعت اعرابيا يصف لسان رجل فقال كان يشول بلسانه شولان البروق ويتخلل به تخلل الحية وأظن هذا الاعرابي أبا وجيه العكلي ووصف أعرابي رجلا فقال أتيناه فاخرج لسانه كأنه مخراق لاعب وقال العباس بن عبد المطلب للنبي يا رسول الله فيم الجمال قال في اللسان وكان مجاشع بن درام خطيبا سليطا وكان نهشل بكيئا منزورا فلما خرجا من عند بعض الملوك عذله مجاشع في تركه الكلام فقال له نهشل اني والله لا أحسن تكذابك ولا تأثامك تشول بلسانك شولان البروق وقالوا على جميع الخلق مرتبة الملائكة ثم الانس ثم الجن وإنما صار لهؤلاء المزية على جميع الخلق بالعقل وبالاستطاعة على التصرف وبالمنطق وقال خالد بن صفوان ما الانسان لولا اللسان الا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة وقال رجل لخالد بن صفوان ما لي اذا رأيتكم تتذاكرون الاخبار وتتدارسون الآثار وتتناشدون الاشعار وقع علي النوم قال لانك حمار في مسلاخ انسان وقال صاحب المنطق حد الانسان الحي الناطق المبين وقال الاعور الشني وكائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم تبق الا صورة اللحم والدم ولما دخل ضمرة بن ضمرة على النعمان بن المنذر زرى عليه للذي رأى من دمامته وقصره وقلته فقال النعمان تسمع بالمعيدي لا ان تراه فقال أبيت اللعن ان الرجال لا تكال بالفقزان ولا توزن بميزان وليست بمسوك يستقى بها وانما المرء بأصغريه بقلبه ولسانه ان صال صال بجنان وان قال قال ببيان واليمانية تجعل هذا للصقعب النهدي فان كان ذلك كذلك فقد أقروا ان نهدا من معد وكان يقال عقل المرء مدفون بلسانه باب في ذكر اللسان وقال أبو الحسن قال الحسن لسان العاقل من وراء قلبه فاذا اراد الكلام تفكر فان كان له قال وان كان عليه سكت وقلب الجاهل من وراء لسانه فان هم بالكلام تكلم به له أو عليه وقال ابو عبيدة قال ابو الوجيه حدثني الفرزدق قال كنا في ضيافة معاوية بن ابي سفيان ومعنا كعب بن جعيل التغلبي فقال له يزيد ان ابن حسان يريد عبد الرحمن قد فضحنا فاهج الانصار قال أرادي انت الى الاشراك بعد الاسلام لا أهجو قوما نصروا رسول الله ولكني أدلك على غلام منا نصراني كأن لسانه لسان ثور يعني الاخطل وقال سعد بن أبي وقاص لعمر ابنه حين نطق مع القوم فبذهم وقد كانوا كلموه في الرضا عنه هذا الذي أغضبني عليه اني سمعت رسول الله يقول يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنهم كما تلحس الارض البقرة بلسانها وقال معاوية لعمرو بن العاص يا عمرو ان أهل العراق قد أكرهوا عليا على أبي موسى وأنا واهل الشام راضون بك وقد ضم اليك رجل طويل اللسان قصير الرأي فأجد الحز وطبق المفصل ولا تلقه برأيك كله والعجب من قول ابن الزبير للاعراب سلاحكم رث وحديثكم غث وكيف يكون هذا وقد ذكروا أنه أحسن الناس حديثا وان أبا نضرة وعبد الله ابن ابي بكر انما كانا يحكيانه فلا أدري الا ان يكون حسن حديثه هو الذي ألقى الحسد بينه وبين كل حسن الحديث وقد ذكروا ان خالد بن صفوان تكلم في بعض الأمر فأجابه رجل من أهل المدينة بكلام لم يظن خالد ان الكلام كان عنده فلما طال بهما المجلس كان خالد عرض له ببعض الامر فقال المدني يا أبا صفوان ما من ذنب الا اتفاق الصناعتين ذكر ذلك الاصمعي قال فضال الازرق قال رجل من بني منقر تكلم خالد بن صفوان في صلح بكلام لم يسمع الناس قبله مثله واذا اعرابي في بت ما في رجليه حذاء فأجابه بكلام وددت والله أني كنت مت وان ذلك لم يكن فلما رأى خالد ما نزل بي قال كيف نجاريهم وانما نحكيهم وكيف نسابقهم وانما نجري على ما سبق الينا من أعراقهم وليفرخ روعك فانه من مقاعس ومقاعس لك فقلت يا أبا صفوان والله ما ألومك على الأولى ولا أدع حمدك على الاخرى قال ابو اليقظان قال عمر بن عبد العزيز ما كلمني رجل من بني أسد الا تمنيت ان يمد له في حجته حتى يكثر كلامه فأسمعه وقال يونس ليس في بني أسد الا خطيب أو شاعر أو قائف أو زاجر اوكاهن أو فارس قال وليس في هذيل الا شاعر أو رام أو شديد العدو الترجمان بن هزيم بن عدي بن ابي طحمة قال دعى رقبة بن مصقلة أو كرب بن رقبة الى مجلس ليتكلم فيه فراى مكان اعرابي في شملة فأنكر موضعه فسأل الذي عن يمينه عنه فخبره انه الذي أعدوه لجوابه فنهض مسرعا لا يلوي على شيء كراهة ان يجمع بين الديباجتين فيتضع عند الجميع وقال خلاد بن يزيد لم يكن أحد بعد أبي نضرة احسن حديثا من مسلم بن قتيبة قال وكان يزيد بن عمر بن هبيرة يقول احذفوا الحديث كما يحذفه مسلم بن قتيبة ويزعمون انه لم يروا محدثا قط صاحب آثار كان أجود حذفا وأحسن اختصار للحديث من سفيان بن عيينه سألوه مرة عن قول طاوس في زكاة الجراد فقال ابنه عنه زكاته أخذه وباب آخر وكانوا يمدحون شدة العارضة وقوة المسنة وظهور الحجة وثبات الجنان وكثرة الريق والعلو عن الخصم ويهجون بخلاف ذلك قال الشاعر طباقاء لم يشهد خصوما ولم يعش حميدا ولم يشهد حلالا ولا عطرا
قال ابو زييد الطائي وخطيب اذا تموت الأوجه يوما في مأقط مشهود وقال نافع بن خليفة الغنوي وخصم لدى باب الامير كأنهم قروم فشافيها الزوائر والهدر دلفت لهم دون المنى بملمة من الدر في أعقاب درتها شذر اذا القوم قالوا أدن منها وجدتها مطبقة يهماء ليس لها خصر وقال الأسلع بن قطاف الطهوي فداء لقومي كل معشر جارم طريد ومخذول بماجر مسلم هم أفحموا الخصم الذي يستفيدني وهم قصموا حجلي وهم حقنوا دمي بأيد يفرجن المضيق وألسن سلاط وجمع ذي زهاء عرمرم اذا شئت لم تعدم لدى الباب منهم جميل المحيا واضحا غير توأم وقال التميمي في ذلك أما رأيت الألسن السلاطا والجاه والأقدام والنشاطا ان الندى حيث ترى الضغاطا ذهب في البيت الأخير الى قول الشاعر يسقط الطير حيث ينتثر الحب وتغشى منازل الكرماء والى قول الآخر يرفض عن بيت الفقير ضيوفه وترى الغنى يهدى لك الزوارا وأنشد في المعنى الأول وخطيب قوم قدموه أمامهم ثقة به متخمط تياح جاوبت خطبته فظل كأنه لما خطبت مملح بملاح وأنشد أيضا أرقت لضوء برق في نشاص تلألأ في مملاة غصاص لواقح دلح بالماء سحم تمج الغيث من خلل الخصاص سل الخطباء هل سبحوا كسبحي بحور القول أو غاصوا مغاصي لساني بالنثير ويالقوافي وبالأسجاع أمهر في الغواص من الحوت الذي في لج بحر يجيد الغوص في لجج المغاص
لعمرك إنني لاعف نفسي وأستر بالتكرم من خصاص وأنشد لرجل من بني ناشب بن سليمان بن سلامة بن سعد بن مالك بن ثعلبة لنا قمر السماء وكل نجم يضيء لنا اذا القمران غارا ومن يفخر بغير أبي نزار فليس بأول الخطباء جارا وأنشد للأقرع إني امرؤ لا أقيل الخصم عثرته عند الأمير اذا ما خصمه طلعا ينير وجهي إذا جد الخصام بنا ووجه خصمي تراه الدهر ملتفعا وأنشد تراه بنصري في الحفيظة واثقا وان صد عني العين منه وحاجبه وان خطرت أيدي الكماة وجدتني نصورا اذا ما استيبس الريق عاصبه وقال ابن احمر وذكر الريق والاعتصام به هذا الثناء واجدر أن أصاحبه وقد يدوم ريق الطامع الأمل وقال الزبير بن العوام وهو يرقص ابنه عروة أبيض من آل أبي عتيق مبارك من ولد الصديق ألذه كما ألذ ريقي وقالت امرأة من بني أسد ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فمن كان يعيا بالجواب فانه أبو معقل لا حجر عنه ولا صدد أثاروا بصحراء الثوية قبره وما كنت أخشى ان تناءى به البلد وقال أوس بن حجر في فضالة بن كلدة أبا دليجة من يوصى بأرملة أم من لأشعث ذي هدمين طملال أم من يكون خطيب القوم إن حفلوا لدى الملوك أولي كيد وأقوال وقال أيضا في فضالة بن كلدة ألهفا على حسن آلائه على الجابر الحي والحارب ورقبته حتمات الملوك بين السرادق والحاجب ويكفي المقالة أهل الرجال غير معيب ولا عائب وأنشد أيضا
وخصم غضاب ينغضون رؤوسهم أولي قدم في الشغب صهب سبالها ضربت لهم أبط الشمال فأصبحت يرد غواة آخرين نكالها وقال شتيم بن خويلد وقلت لسيدنا يا حليم إنك لم تأس أسوا رفيقا أعنت عديا على شأوها تعادي فريقا وتبقى فريقا زجرت بها ليلة كلها فجئت بها مؤيدا خنفقيقا وأنشد لآدم مولى بلعنبر يقولها لابن له يا بأبي انت ويا فوق بأب يا بأبي خصيك من خصي وزب أنت الحبيب وكذا قول المحب جنبك الله معاريض الوصب حتى تفيد وتداوي ذا الجرب وذا الجنون من سعال وكلب والحدب حتى يستقيم ذو الحدب وتحمل الشاعر في اليوم العصب على مباهير كثيرات التعب وان أراد جدل صعب أرب خصومة تنقب أوساط الركب أطلعته من رتب الى رتب حتى ترى الأبصار أمثال الشهب ترمي بها أشوس ملحاح كلب مجرب الشدات ميمون مذب وقالت ابنة وثيمة ترثي أباها وثيمة بن عثمان الواهب المال التلا دلنا ويكفينا العظيمة ويكون مدرهنا إذا نزلت مجلحة عظيمة وآحمر افاق السما ء ولم تقع في الارض ديمه وتعذر الآكال حتى كان أحمدها الهشيمة لا ثلة ترعى ولا إبل ولا بقر مسيمه ألفيته مأوى الأرامل والمدفعه اليتيمه والدافع الخصم الألد اذا تفوضح في الخصومه بلسان لقمان بن عاد وفصل خطبته الحكيمه ألجمتهم بعد التدافع والتجاذب في الحكومه وكانت العرب تعظم شأن لقمان بن عاد الاكبر والأصغر ولقيم بن لقمان في النباهة والقدر وفي العلم والحكم وفي اللسان وفي الحلم وهذان غير لقمان الحكيم المذكور في القرآن على ما يقول المفسرون ولارتفاع قدره وعظم شأنه قال النمر بن تولب لقيم بن لقمان من اخته فكان بن أخت له وابنما ليالي حمق فاستحصنت عليه فغر بها مظلما فغر بها رجل محكم فجاءت به رجلا محكما وذلك ان أخت لقمان قالت لامرأة لقمان إني امرأة محمقة ولقمان رجل منجب محكم وأنا في ليلة طهري فهبي لي ليلتك ففعلت فباتت في بيت امرأة لقمان فوقع عليها فأحبلها بلقيم فلذلك قال النمر بن تولب ما قال والمرأة اذا ولدت الحمقى فهي محمقة ولا يعلم ذلك حتى يرى ولد زوجها غيرها اكياسا وقالت امرأة ذات بنات وما أبالي ان أكون محمقه اذا رأيت خصية معلقه وقال الآخر أزرى بسعيك ان كنت امرا حمقا من نسل ضاوية الاعراق محماق ولبعضهم في البنات قالت احدى القوابل أيا سحاب طرقي بخير وطرقي بخصية وأير ولا ترينا طرف البظير وقال آخر في انجاب الامهات وهو يخاطب بني اخوته عفاريتا علي وأكل مالي وحلما عن أناس آخرينا فهلا غير عمكم ظلمتم اذا ما كنتم متظلمينا فلو كنتم لكيسة أكاست وكيس الأم أكيس للبنينا وكان لنا فزارة عم سوء وكنت له كشر بني الأخينا ولبغض البنات هجر أبو حمزة الضبي خيمة امرأته وكان يقيل ويبيت عند جيران له حين ولدت امرأته بنتا فمر يوما بخبائها و اذاهي ترقصها وتقول ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل في البيت الذي يلينا غضبان ان لا نلد البنينا تا لله ما ذلك في أيدينا وإنما نأخذ ما أعطينا ونحن كالأرض لزارعينا ننبت ما قد زرعوه فينا
فغدا الشيخ حتى ولج البيت فقبل رأس امرأته وابنتها وهذا الباب يقع في كتاب الانسان من كتاب الحيوان وفي فضل ما بين الذكر والانثى تاما وليس هذا الباب مما يدخل في باب البيان والتبيين ولكن قد يجرى السبب فيجري معه بقدر ما يكون تنشيطا لقارى ء الكتاب لان خروجه من الباب اذ اطال لبعض العلم كان ذلك اروح على قلبه وأزيد في نشاطه ان شاء الله وقد قال الاول في تعظيم شأن لقيم بن لقمان قومي اصبحيني فما صيغ الفتى حجرا لكن رهينة احجار وارماس قومي اصبحيني فان الدهر ذو غير أفنى لقيما وافنى آل مرماس اليوم خمر ويبد وفي غد خبر والدهر من بين إنعام وإيآس فاشرب على حدثان الدهر مرتفقا لا يصحب الهم قرع السن بالكاس وقال ابو الطمحان القيني في ذكر لقمان إن الزمان ولا تفنى عجائبه فيه تقطع ألاف وأقران أمست بنو القين أفراقا موزعة كأنهم من بقايا حي لقمان وقد ذكرت العرب هذه الامم البائدة والقرون السالفة ولبعضهم بقايا قليلة وهم أشلاء في العرب متفرقون مغمورون مثل جرهم وجاسم ووبار وعملاق وأميم وطسم وجديس ولقمان والهس ماس وبني الناصور وقيل بن عتر وذي جدن ويقال في بني الناصور ان أصلهم من الروم فأما ثمود فقد خبر الله عز وجل عنهم فقال وثمود فما أبقى وقال فهل ترى لهم من باقية انا أعجب من مسلم يصدق بالقران ويزعم ان في قبائل العرب من بقايا ثمود وكان أبو عبيدة يتأول قوله وثمود فما أبقى ان ذلك انما وقع على الاكثر وعلى الجمهور الاكبر وهذا التأويل أخرجه من أبي عبيدة سوء الرأي في القوم وليس له ان يجيء الى خبر عام مرسل غير مقيد وخبر مطلق غير مستثنى منه فيجعله خاصا كالمستثنى منه وأي شيء بقي لطاعن أو متأول بعد قوله فهل ترى لهم من باقية فكيف يقول ذلك اذا كنا نحن قد نرى منهم في كل حي باقية معاذ الله من ذلك ورووا أن الحجاج قال يوما على المنبر يزعمون أنا من بقايا ثمود وقد قال الله تبارك وتعالى وثمود فما أبقى
فأما الامم البائدة من العجم مثل كنعان ويونان وأشباه ذلك فكثير ولكن العجم ليست لها عناية بحفظ شأن الاموات ولا الاحياء وقال المسيب بن علس في ذكر لقمان وإليك أعملت المطية من سهل العراق وأنت بالقفر أنت الرئيس اذا هم نزلوا وتوجهوا كالاسد والنمر لو كنت من شيء سوى بشر كنت المنور ليلة القدر ولأنت أجود بالعطاء من الريان لما جاد بالقطر ولأنت أشجع من أسامة اذ نقع الصراخ ولج في الذعر ولأنت أبين حين تنطق من لقمان لما عي بالامر وقال لبيد بن ربيعة الجعفري وأخلف قسا ليتني ولو انني وأعيي على لقمان حكم التدبر فان تسألينا كيف نحن فاننا عصافير من هذا الانام المسحر وقال امرؤ القيس أرانا موضعين لامر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب وقال الفرزدق لئن حومتي صانت معد حياضها لقد كان لقمان بن عاد يهابها وقال آخر إذا ما مات ميت من تميم فسرك ان يعيش فجيء بزاد بخبز أو بلحم أو بتمر أو الشيء الملفف في البجاد تراه يطوف الآفاق حرصا ليأكل رأس لقمان بن عاد وقال أفنون التغلبي لو أنني كنت من عاد ومن إرم ربيب قيل ولقمان وذي جدن وقال آخر ما لذة العيش والفتى للدهر والدهر ذو فنون أهلك طسما وقبل طسم أهلك عادا وذا جدون وأهل جاسم ومأرب وحي لقمان والنقون واليسر للعسر والتغني للفقر والحي للمنون
قال وهم وان كانوا يحبون البيان والطلاقة والتحبير والبلاغة والتخلص والرشاقة فانهم كانوا يكرهون السلاطة والهذر والتكلف والاسهاب والاكثار لما في ذلك من التزيد والمباهاة واتباع الهوى والمنافسة في العلو والقدر وكانوا يكرهون الفضول في البلاغة لأن ذلك يدعو الى السلاطة والسلاطة تدعو الى البذاء وكل مراء في الارض فانما هو من نتاج الفضول ومن حصل كلامه وميزه وحاسب نفسه وخالف الاثم والذم أشفق من الضراوة وسوء العادة وخاف ثمرة العجب وهجنة القبح وما في حب السمعة من الفتنة وما في الرياء من مجانبة الاخلاص ولقد دعا عبادة بن الصامت بالطعام بكلام ظن انه ترك فيه المحاسبة فقال أوس بن شداد انه قد ترك فيه المحاسبة فاسترجع ثم قال ما تكلمت بكلمة منذ بايعت رسول الله الا مزمومة مخطومة قال ورووا عن حماد بن سلمة عن أبي حمزة عن ابراهيم قال إنما يهلك الناس في فضول الكلام وفضول المال وقال دع المعاذر فان أكثرها مفاجر وانما صارت المعاذر كذلك لانها داعية الى التخلص بكل شيء وقال سلام بن مطيع قال لي أيوب إياك وحفظ الحديث خوفا عليه من العجب وقال ابراهيم النخعي دع الاعتذار فانه يخالط الكذب قالوا ونظر شاب وهو في دار ابن سيرين الى فرش في داره فقال ما بال تلك الآجرة أرفع من تلك الآجرة الاخرى فقال ابن سيرين يا ابن اخي ان فضول النظر يدعو الى فضول القول وزعم ابراهيم بن السندي قال أخبرني من سمع عيسى بن علي يقول فضول النظر من فضول الخواطر وفضول النظر يدعو الى فضول القول وفضول القول يدعو الى فضول العمل ومن تعود فضول الكلام ثم تدارك استصلاح لسانه خرج من استكراه القول وان أبطأ أخرجه إبطاؤه الى اقبح من الفضول قال أبو عمرو بن العلاء أنكح ضرار بن عمرو الضبي ابنته معبد بن زرارة فلما اخرجها اليه قال لها يا بنية امسكي عليك الفضلين قالت وما الفضلان قال فضل الغلمة وفضل الكلام
وضرار بن عمرو هو الذي قال من سره بنوه ساءته نفسه وهو الذي لما قال له المنذر كيف تخلصت يوم كذا وكذا وما الذي نجاك قال تأخير الأجل واكراهي نفسي على المق الطوال وكان اخوته قد استشالوه حتى ركب فرسه ورفع عقيرته بعكاظ فقال ألا إن خير حائل أم ألا فزوجوا الامهات وذلك انه صرع بين القنا فانشل عليه اخوته لأمه حتى أنقذوه باب الصمت كان اعرابي يجالس الشعبي يطيل الصمت فسئل عن طول صمته فقال اسمع فأعلم واسكت فأسلم وقالوا لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب وقالوا مقتل المرء بين لحييه وفكيه وأخذ ابو بكر الصديق رضي الله عنه بطرف لسانه وقال هذا الذي أوردني الموارد وقالوا ليس شيء احق بطول سجن من لسان وقالوا اللسان سبع عقور وقال النبي وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم الا حصائد ألسنتهم وقال ابن الاعرابي عن بعض أشياخه تكلم رجل عند النبي فخطل كلامه فقال النبي ما اعطى العبد شرا من طلاقة اللسان وقال العايشي وخالد بن خداش حدثنا مهدي بن ميمون عن غيلان بن جرير عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال قدمنا على رسول الله في وفد فقلنا يا رسول الله انت سيدنا وانت اطولنا علينا طولا وانت الجفنة الغراء فقال النبي ايها الناس قولوا بقولكم ولا يستفزنكم الشيطان فانما انا عبد الله ورسوله وقال خالد بن عبد الله القسري لعمر بن عبد العزيز رحمه الله من كانت الخلافة زانته فقد زنتها ومن شرفته فقد شرفتها فأنت كما قال الشاعر وتزيدين اطيب الطيب طيبا ان تمسيه اين مثلك أينا واذا الدر زان حسن وجوه كان للدر حسن وجهك زينا قال عمر ان صاحبكم أعطى مقولا ولم يعط معقولا وقال الشاعر
لسانك معسول ونفسك شحة ودون الثريا من صديقك مالكا وأخبرنا باسناد له ان ناسا قالوا لابن عمر ادع الله لنا بدعوات فقال اللهم ارحمنا وعافنا وارزقنا فقالوا لو زدتنا يا ابا عبد الرحمن قال نعوذ بالله من الاسهاب وقال ابو الاسود الدؤلي في ذكر الاسهاب يقولها في الحارث بن عبد الله ابن أبي ربيعة بن المغيرة والحارث هو القباع وكان خطيبا من وجوه قريش ورجالهم وإنما سمي القباع لانه اتى بمكتل لاهل المدينة فقال ان هذا المكتل لقباع فسمى به والقباع الواسع الرأس القصير وقال الفرزدق لجرير وقبلك ما أعييت كاسر عينه زيادا فلم تقدر علي حبائله فأقسمت لا آتيه تسعين حجة ولو كسرت عنق القباع وكاهله قال ابو الاسود امير المؤمنين جزيت خيرا أرحنا من قباع بني المغيرة بلوناه فلمناه فأعيا علينا ما يمر لنا مريرة على ان الفتى نكح اكول ومسهاب مذاهبه كثيره وقال الشاعر إياك إياك المراء فانه الى الشر دعاء وللصرم جالب وقال ابو العتاهية والصمت اجمل بالفتى من منطق في غير حينه كل امرى ء في نفسه اعلى وأشرف من قرينه وكان سهل بن هرون يقول سياسة البلاغة اشد من البلاغة كما ان التوقي على الدواء اشد من الدواء وكانوا يأمرون بالتبين والتثبت وبالتحرز من زلل الكلام ومن زلل الرأي ومن الرأي الدبري والرأي الدبري هو الذي يعرض من الصواب بعد مضي الرأي الاول وفوت استدراكه وكانوا يأمرون بالتحلم والتعلم وبالتقدم في ذلك اشد التقدم وقال الاحنف قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه تفقهوا قبل ان تسودوا وكان يقول رضي الله عنه السؤدد مع السواد وأنشدوا لكثير عزة وفي الحلم والإسلام للمرء وازع وفي ترك طاعات الفؤاد المتيم ألوت بأصبعها وقالت إنما يكفيك مما لا ترى ما قد ترى وأنشد إبدأ بنفسك فانهها عن غيها فاذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك تعذر ان وعظت ويقتدى بالقول منك ويقبل التعليم قالوا وكان الاحنف أشد الناس سلطانا على نفسه وكان الحسن أترك لما نهى عنه وقال الآخر لا تعذراني في الإساءة انه شر الرجال من يسيء فيعذر وقال الكميت بن زيد الاسدي ولم يقل بعد زلة لهم عند المعاذير إنما حسبوا وأنشد الاحوص بن محمد قامت تخاصرني بقنتها خود تأطر غادة بكر كل يرى ان الشباب له في كل مبلغ لذة عذر وقال جرير في فوت الرأي ولا يتقون الشر حتى يصيبهم ولا يعرفون الامر إلا تدبرا ومدح النابغة ناسا بخلاف هذه الصفة فقال ولا يحسبون الخير لا شر بعده ولا يحسبون الشر ضربة لازب وأنشد هفا هفوة كانت من المرء بدعة وما مثله عن مثلها بسليم فان يك أخطا في أخيكم فربما أصاب التي فيها صلاح تميم وقال قائل عند يزيد بن عمر بن هبيرة والله ما أتى الحارث بن شريح بيوم خير قط فقال له الترجمان بن هزيم إلا يكن أتى بيوم خير فقد أتى بيوم شر وذهب الترجمان بن هزيم الى مثل معنى قول الشاعر وما خلقت بنو زمان الا اخيرا بعد خلق الناس طرا وما فعلت بنو زمان خيرا ولا فعلت بنو زمان شرا ومن هذا الجنس من الاحاديث وهو يدخل في باب الملح قال الاصمعي وصلت بالعلم ونلت بالملح قال رجل مرة أبي الذي قاد الجيوش وفتح الفتوح وخرج على الملوك واغتصب المنابر فقال له رجل من القوم لا جرم لقد أسر وقتل وصلب فقال له المفتخر بأبيه دعني من أسر أبي وقتله وصلبه أبوك أنت حدث نفسه بشيء من هذا قط قد سمعنا رواية القوم واحتجاجهم وأنا اوصيك ان لا تدع التماس البيان والتبيين ان ظننت ان لك فيهما طبيعة وانهما يناسبانك بعض المناسبة ويشاكلانك في بعض المشاكلة ولا تهمل طبيعتك فيستولي الاهمال على قوة القريحة ويستبد بها سوء العادة وان كنت ذا بيان وأحسست من نفسك بالنفوذ في الخطابة والبلاغة وبقوة المنة يوم الحفل فلا تقصر في التماس اعلاها سورة وأرفعها في البيان منزلة ولا يقطعنك تهييب الجلاء وتخويف الجبناء ولا تصرفنك الروايات المعدولة عن وجوهها والاحاديث المتناولة على أقبح مخارجها وكيف تطيعهم بهذه الروايات المعدولة والاخبار المدخولة وبهذا الرأي الذي ابتدعوه من قبل أنفسهم وقد سمعت الله تبارك وتعالى ذكر داود النبي صلوات الله عليه فقال واذكر عبدنا داود ذا الأيدي انه أواب الى قوله وفصل الخطاب فجمع له بالحكمة البراعة في العقل والرجاحة في الحلم والاتساع في العلم والصواب في الحكم وجمع له بفصل الخطاب تفصيل المجمل وتخليص الملتبس والبصر بالحز في موضع الحز والحسم في موصع الحسم وذكر رسول الله شعيبا النبي عليه السلام فقال كان شعيب خطيب الانبياء وذلك عند بعض ما حكاه الله عنه في كتابه وحلاه لاسماع عباده فكيف تهاب منزلة الخطباء وداود عليه السلام سلفك وشعيب أمامك مع ما تلونا عليك في صدر هذا الكتاب من القران الحكيم والاي الكريم وهذه خطب رسول الله مدونة محفوظة ومخلدة مشهورة وهذه خطب ابي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وقد كان لرسول الله شعراء ينافحون عنه وعن اصحابه بأمره وكان ثابت بن قيس بن الشماس الانصاري خطيب رسول الله لا يدفع ذلك أحد فأما ما ذكرتم من الاسهاب والتكلف والخطل والتزيد فانما يخرج الى الاسهاب المتكلف والى الخطل المتزيد فاما أرباب الكلام ورؤساء أهل البيان والمطبوعون المعاودون وأصحاب التحصيل والمحاسبة والتوقي والشفقة والذين يتكلمون في صلاح ذات البين وفي اطفاء نائرة أو في حمالة أو على منبر جماعة أو في عقد املاك بين مسلم ومسلمة فكيف يكون كلام هولاء يدعون الى السلاطة والمراء والى الهذر والبذاء والى النفج والرياء ولو كان هذا كما يقولون لكان علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما اكثر الناس فيما ذكرتم فلم خطب صعصعة ابن صوحان عند علي بن أبي طالب وقد كان ينبغي للحسن البصري ان يكون أحق التابعين بما ذكرتمم قال الاصمعي قيل لسعيد بن المسيب ههنا قوم نساك يعيبون إنشاد الشعر قال نسكوا نسكا أعجميا وزعمتم ان رسول الله قال شعبتان من شعب النفاق البذاء والبيان وشعبتان من شعب الايمان الحياء والعي ونحن نعوذ بالله من العي ونعوذ بالله ان يكون القران يحث على البيان ورسول الله يحث على العي ونعوذ بالله ان يجمع رسول الله بين البذاء والبيان وانما وقع النهي على كل شيء جاوز المقدار ووقع اسم العي على كل شيء قصر عن المقدار فالعي مذموم والخطل مذموم ودين الله تبارك وتعالى بين المقصر والغالي وههنا روايات كثيرة مدخولة وأحاديث معلولة ورووا ان رجلا مدح الحياء عند الاحنف وان الاحنف قال يم يعود ذلك ضعفا والخير لا يكون سببا للشر ولكنا نقول ان الحياء اسم لمقدار من المقادير ما زاد على ذلك المقدار فسمه ما احببت وكذلك الجود اسم لمقدار من المقادير فالسرف اسم لما فضل عن ذلك المقدار وللحزم مقدار فالجبن اسم لما فضل عن ذلك المقدار وللاقتصاد مقدار فالبخل اسم لما خرج عن ذلك المقدار وللشجاعة مقدار فالتهور والخور اسم لما جاوز ذلك المقدار وهذه الاحاديث ليست لعامتها أسانيد متصلة فان وجدتها متصلة لم تجدها محمودة واكثرها جاءت مطلقة ليس لها حامل محمود ولا مذموم فاذا كانت الكلمة حسنة استمتعنا بها على قدر ما فيها من الحسن فان اردت ان تتكلف هذه الصناعة وتنسب الى هذا الادب فقرضت قصيدة أو حبرت خطبة أو ألفت رسالة فاياك ان تدعوك ثقتك بنفسك ويدعوك عجبك بثمرة عقلك الى ان تنتحله وتدعيه ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار اوخطب فان رأيت الاسماع تصغي له والعيون تحدج اليه ورأيت من يطلبه ويستحسنه فانتحله فان كان ذلك في ابتداء أمرك وفي اول تكلفك فلم تر له طالبا ولا مستحسنا فلعله ان يكون ما دام ريضا فضيبا تعنيسا ان يحل عندهم محل المتروك فان عاودت أمثال ذلك مرارا فوجدت الاسماع عنه منصرفة والقلوب لاهية فخد في غير هذه الصناعة واجعل رائدك الذي لا يكذبك حرصهم عليه أو زهدهم فيه وقال الشاعر ان الحديث تغر القوم خلوته حتى يلح بهم عي وإكثار وفي المثل المضروب كل مجر في الخلا مسر ولم يقولوا مسرور وكل صواب فلا تثق في كلامك برأي نفسك فأني ربما رأيت الرجل متماسكا وفوق المتماسك حتى اذا صار الى رأيه في شعره وفي كلامه وفي ابنه رأيته متهافتا وفوق المتهافت وكان زهير بن أبي سلمى وهو احد الثلاثة المتقدمين يسمي كبار قصائده الحوليات وقال نوح بن جرير قال الحطيئة خير الشعر الحولي المنقح وقال البعيث الشاعر وكان اخطب الناس اني والله ما أرسل الكلام قضيبا خشبيا وما أريد ان اخطب يوم الحفل الا بالبائت المحكك وكنت أظن ان قولهم محكك كلمة مولدة حتى سمعت قول الصعب بن علي الكناني أبلغ فزارة ان الذئب آكلها وجائع سغب شر من الذيب أدل اطلس ذو نفس محككة قد كان طار زمانا في اليعاسيب وتكلم يزيد بن أبان الرقاشي ثم تكلم الحسن واعرابيان حاضران فقال احدهما لصاحبه كيف رأيت الرجلين قال اما الاول فقاص مجيد واما الآخر فعربي محكك ونظر أعرابي الى الحسن فقال له رجل كيف تراه قال أرى خيشوم حر وأرادوا عبد الله بن وهب الراسبي على الكلام يوم عقدت له الخوارج الرياسة فقال وما انا والرأي الفطير والكلام القضيب ولما فرغوا من البيعة له قال دعوا الرأي يغب فان غبوبه يكشف لكم عن محضه وقيل لابن التوأم الرقاشي تكلم فقال ما أشتهى الخبز الا بائتا وقال عبيد الله بن سالم لرؤبة مت يا أبا الجحاف اذا شئت قال وكيف ذلك قال رأيت اليوم عقبة بن رؤبة ينشد شعرا له أعجبني فقال رؤبة نعم انه ليقول ولكن ليس لشعره قران وقال الشاعر مهاذبة مناجبة قران منادبة كأنهم الاسود وقال عمر بن لجاء لبعض الشعراء أنا أشعر منك قال وبم ذاك قال لاني أقول البيت وأخاه وتقول البيت وابن عمه وذكر بعضهم شعر النابغة الجعدي فقال مطرف بالاف وخمار بواف وكان الاصمعي يفضله من أجل ذلك وكان يقول الحطيئة عبد لشعره عاب شعره حين وجده كله متخيرا منتخبا مستويا لمكان الصنعة والتكلف والقيام عليه وقالوا لو كان شعر صالح بن عبد القدوس وسابق البربري كان مفرقا في أشعار كثيرة لصارت تلك الاشعار أرفع مما هي عليه بطبقات ولصار شعرهما نوادر سائرة في الافاق ولكن القصيدة اذا كانت كلها أمثالا لم تسر ولم تجر مجرى النوادر ومتى لم يخرج السامع من شيء الى شيء لم يكن لذلك النظام عنده موقع وقال بعض الشعراء لرجل انا اقول في كل ساعة قصيدة وأنت تقرضها في كل شهر فلم ذلك قال لاني لا اقبل من شيطاني مثل الذي تقبله من شيطانك قالوا وانشد عقبة بن رؤبة اباه رؤبة بن العجاج شعرا وقال له كيف تراه قال له يا بني ان أباك ليعرض له مثل هذا يمينا وشمالا فما يلتفت اليه وقد رووا ذلك في زهير وابنه كعب وقيل لعقيل بن علفة لم لا تطيل الهجاء قال يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق وقيل لابي المهوس لم لا تطيل الهجاء قال لم اجد المثل النادر الا بيتا واحدا ولم أجد الشعر السائر الا بيتا واحدا وقال مسلمة بن عبد الملك لنصيب يا أبا الحجناء اما تحسن الهجاء قال أما تراني أحسن مكان عافاك الله لا عافاك الله ولاموا الكميت بن زيد على الاطالة فقال انا على القصار اقدر وقيل للعجاج ما لك لا تحسن الهجاء قال هل في الارض صانع الا وهو على الافساد أقدر وقال رؤبة الهدم أسرع من البناء وهذه الحجج التي ذكروها عن نصيب والكميت والعجاج ورؤبة إنما ذكروها على وجه الاحتجاج لهم وهذا منهم جهل ان كانت هذه الاخبار صادقة وقد يكون الرجل له طبيعة في الحساب وليس له طبيعة في الكلام ويكون له طبيعة في التجارة وليس له طبيعة في الفلاحة ويكون له طبيعة في الحداء أو في التعبير أو في القراءة بالألحان وليس له طبيعة في الغناء وان كانت هذه الانواع كلها ترجع الى تأليف اللحون ويكون له طبيعة في الناي وليس له طبيعة في السرناي ويكون له طبيعة في قصبة الراعي ولا يكون له طبيعة في القصبتين المضمومتين ويكون له طبع في صناعة اللحون ولا يكون له طبع في غيرها ويكون له طبع في تأليف الرسائل والخطب والاسجاع ولا يكون له طبع في قرض بيت شعر ومثل هذا كثير جدا وكان عبد الحميد الاكبر وابن المقفع مع بلاغة أقلامهما وألسنتهما لا يستطيعان من الشعر الا ما لا يذكر مثله وقيل لابن المقفع في ذلك فقال الذي ارضاه لا يجيئني والذي يجيئني لا أرضاه وهذا الفرزدق وكان مشتهرا بالنساء وكان زير غوان وهو في ذلك ليس له بيت واحد في النسيب مذكور ومع حسده لجرير وجرير عفيف لم يعشق امرأة قط وهو مع ذلك أغزل الناس شعرا وفي الشعراء من لا يستطيع مجاوزة القصيد الى الرجز ومنهم من لا يستطيع مجاوزة الرجز الى القصيدة ومنهم من يجمعها كجرير وعمر بن لجاء وأبي النجم وحميد الارقط والعماني وليس الفرزدق في طواله بأشعر منه في قصاره وفي الشعراء من يخطب وفيهم من لا يستطيع الخطابة وكذلك حال الخطباء في قرض الشعر وشاعر نفسه قد تختلف حالاته وقال الفرزدق انا عند الناس أشعر الناس وربما مرت علي ساعة ونزع ضرسي أهون علي من ان أقول بيتا واحدا وقال العجاج لقد قلت أرجوزتي التي أولها بكيت والمحتزن البكي وإنما يأتي الصبا الصبي أطربا وأنت قنسري والدهر بالانسان دوري وأنا بالرمل فانثالت علي قوافيها انثيالا وأني لا أريد اليوم دونها في الايام الكثيرة فما أقدر عليه وقال لي أبو يعقوب الخزيمي خرجت من منزلي أريد الشماسية فابتدأت القول في مرثية لأبي التختاخ فرجعت والله وما امكنني بيت واحد وقال الشاعر وقد يقرض الشعر البكيء لسانه وتعيي القوافي المرء وهو خطيب
بسم الله الرحمن الرحيم
باب من القول في القوافي الظاهرة واللفظ الموجز من ملتقطات كلام النساك
قال بعض الناس من التوقي ترك الافراط في التوقي وقال بعضهم اذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون وقال الشاعر قدر الله وارد حين يقضى وروده فأرد ما يكون إن لم يكن ما تريده وقيل لأعرابي في شكاته كيف تجدك قال أجد ما لا أشتهي وأشتهي ما لا أجد وأنا في زمان من جاد لم يجد ومن وجد لم يجد وقال بعض النساك أنا لما لا أرجو أرجى مني لما أرجو وقال بعضهم أعجب من العجب ترك التعجب من العجب وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لعبد بني مخزوم أني أخاف الله فيما تقلدت قال لست أخاف عليك ان تخاف وإنما أخاف عليك أن لا تخاف وقال الاحنف لمعاوية أخافك إن صدقتك وأخاف الله إن كذبتك وقال رجل من النساك لصاحب له وهو يجود بنفسه اما ذنوبي فاني أرجو لها مغفرة الله ولكني اخاف على بناتي الضيعة فقال له صاحبه فالذي ترجوه لمغفرة ذنوبك فارجه لحفظ بناتك وقال رجل من النساك لصاحب له مالي أراك حزينا قال كان عندي يتيم أربيه لأوجر فيه فمات فانقطع عنا أجره إذ بطل قيامنا بمؤونته فقال له صاحبه فاجتلب يتيما اخر يقوم لك مقام الاول قال أخاف ان لا أصيب يتيما في سوء خلقه قال له صاحبه اما انا فلو كنت في موضعك معه لا ذكرت سوء خلقه وقال اخر وسمعه ابو هريرة النحوي وهو يقول ما يمنعني من تعلم القران الا اني أخاف ان أضيعه قال اما انت فقد عجلت له التضييع ولعلك اذا تعلمته لم تضيعه وقال عمر ابن عبد العزيز لرجل من سيد قومك قال انا قال لوكنت كذلك لم تقل
باب آخر في حسن البيان
وقالوا في حسن البيان وفي التخلص من الخصم بالحق والباطل وفي تخليص الحق من الباطل وفي الاقرار بالحق وفي ترك الفخر بالباطل قال اعرابي وذكر حماس بن ثامل برئت الى الرحمن من كل صاحب أصاحبه إلا حماس بن ثامل وظني به بين السماطين أنه سينجو بحق أو سينجو بباطل وقال العجير السلولي وإن ابن زيد لا بن عمي وإنه لبلال أيدي جلة الشول بالدم طلوع الثنايا بالمطايا وإنه غداة المرادى للخطيب المقدم يسرك مظلوما ويرضيك ظالما ويكفيك ما حملته حين تغرم وقال ابن ربع الهذلي أعيني ألا فابكي رقيبة انه وصول لأرحام ومعطاء لسائل فأقسم لو أدركته لحميته وان كان لم يترك مقالا لقائل وقال بعض اليهود وهو الربيع بن أبي الحقيق من بني النضير وبعثه رسول الله الى خيبر فقتلوه سائل بنا خابر أكفائنا والعلم قد يلفى لدى السائل إنا اذا مالت دواعي الهوى وأنصت السامع للقائل واصطرع الناس بألبابهم نقضي بحكم عادل فاصل لا نجعل الباطل حقا ولا نلط دون الحق بالباطل نكره أن تسفه احلامنا فنخمل الدهر مع الخامل وقال الاخر وذكر حماسا ايضا أتاني حماس بابن ما هي يسوقه ليبغيه خيرا وليس بفاعل ليعطي عبسا مالنا وصدورنا من الغيظ تغلي مثل غلي المراجل وقافية قيلت لكم لم أجد لها جوابا اذا لم تضربوا بالمناصل فأنطق في حق بحق ولم يكن ليرحض عنكم قالة الخزي باطلي وقال عمرو بن معد يكرب فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت
وقال ابو عبيدة صاح رؤبة في بعض الحروب التي كانت بين تميم والازد يا معشر بني تميم أطلقوا من لساني قال أبصر رجلا منهم قد طعن فارسا طعنة فصاح لاعيا ولا شللا والعرب تقول عي أبأس من شلل كأن العي فوق كل زمانه وقالت الجهضمية ألا هلك الحلو الحلال الحلاحل ومن عنده علم وحلم ونائل وذوخطب يوما اذا القوم افحموا تصيب مرادي قوله ما يحاول بصير بعورات الكلام اذا التقى شريجان بين القوم حق وباطل أتي لما يأتي الكريم بسيفه وان أسلمته جنده والقبائل وليس بمعطاء الظلامة عن يد ولا دون أعلى سورة المجد قابل وأنشد ابو عبيدة في الخطيب يطول كلامه ويكون ذكورا لأول خطبته وللذي بنى عليه أمره وان شغب شاغب فقطع عليه كلامه أو حدث عند ذلك حدث يحتاج فيه الى تدبير اخر وصل الثاني من كلامه بالاول حتى لا يكون أحد كلاميه أجود من الآخر فان أحدثوا شغبا يقطع نظمها فانك وصال لما قطع الشغب ولو كنت نساجا سدوت خطابها بقول كطعم الشهد بالبارد العذب وقال نصيب وما بذلت ابتذال الثوب ودكم وعائد خلقا ما كان يبتذل وعلمك الشيء تهوى ان تبينه أشفى بقلبك من أخبار من تسل وقال الاخر لعمرك ماود اللسان بنافع اذا لم يكن أصل المودة في الصدر وقال الآخر تعلم فليس المرء يولد عالما وليس أخو علم كمن هو جاهل وان كبير القوم لا علم عنده صغير اذا التفت عليه المحافل وقال الآخر فتى مثل صفو الماء ليس بباخل عليك ولا مهد ملاما لباخل ولا قائل عوراء تؤذي رفيقه ولا رافع رأسا بعوراء قائل ولا مسلم مولى لأمر يصيبه ولا خالط حقا مصيبا بباطل ولا رافع أحدوثة السوء معجبا بها بين أيدي المجلس المتقابل ترى أهله في نعمة وهو شاحب طوي البطن مخماص الضحى والاصائل وقالت أخت يزيد بن الطثرية أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري قريبا وقد غالت يزيد غوائله فتى قد قد السيف لا متضائل ولا رهل لباته وبآدله فتى لا يرى خرق القميص بخصره ولكنما توهي القميص كواهله اذا نزل الاضياف كان عذورا على الحي حتى تستقل مراجله مضى فورثناه دريس مفاضه وأبيض هنديا طويلا حمائلة يسرك مظلوما ويرضيك ظالما وكل الذي حملته فهو حامله أخو الجد ان جد الرجال وشمروا وذو باطل ان شئت ألهاك باطله باب شعر وغير ذلك من الكلام مما يدخل في باب الخطب قال الشاعر عجبت لأقوام يعيبون خطبتي وما منهم في موقف بخطيب وقال الآخر ان الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا لا يعجبنك من خطيب قوله حتى يكون مع اللسان أصيلا وأنشد الاخر أبر فما يزداد إلا حماقة ونوكا وإن كانت كثيرا مخارجه قد يكون رديء العقل جيد اللسان وكان ابو العباس الاعمى يقول اذا وصف الاسلام أحسن وصفه بفيه ويأبى قلبه ويهاجره وان قام قال الحق ما دام قائما تقي اللسان كافر بعد سائره يقول انه يتيه عن قوله ويأباه ويهجره ويقول الحق على منبره بلسانه وسائره كافر وقال قيس بن عاصم المنقري يذكر ما في بني منقر من الخطابة إني امرؤ لا يعتري خلقي دنس يفنده ولا أفن من منقر في بيت مكرمة والأصيل ينبت حوله الغصن خطباء حين يقوم قائلهم بيض الوجوه مصاقع لسن لا يفطنون لعيب جارهم وهم لحسن جوارهم فطن من هذا الباب وليس منه في الجملة قول الآخر أشارت بطرف العين خيفة أهلها إشارة مذعور ولم تتكلم فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا وأهلا وسهلا بالحبيب المسلم وقال نصيب يقول فيحسن القول ابن ليلى ويفعل فوق أحسن ما يقول وقال اخر ألا رب خم ذي فنون علوته وان كان ألوى يشبه الحق باطله فهذا هو معنى قول العتابي البلاغة إظهار ما غمض من الحق وتصوير الباطل في صورة الحق وقال الشاعر وهو كما قال عجبت لإدلال العيي بنفسه وصمت الذي قد كان بالقول أعلما وفي الصمت ستر للعيي وإنما صحيفة لب المرء ان يتكلما وموضع الصحيفة من هذا البيت موضع ذكر العنوان في شعره الذي رثى به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يقول ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا وأنشد أيضا ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل وكل في الهوى ليث وفيما نابه فسل وليس الشأن في الوصل ولكن ان يرى الفضل وقال كسرى أنو شروان لبزرجمهر أي الاشياء خير للمرء العيي قال عقل يعيش به قال فان لم يكن له عقل قال فاخوان يسترون عليه قال فان لم يكن له اخوان قال فمال يتحبب به الى الناس قال فان لم يكن له مال قال فعي صامت قال فان لم يكن ذلك قال فموت مريح وقال موسى بن يحيى بن خالد قال ابو علي رسائل المرء في كتبه أدل على مقدار عقله وأصدق شاهد على غيبه لك ومعناه فيك من أضعاف ذلك على المشافهة و المواجهة
باب آخر
ووصفوا كلامهم في أشعارهم فجعلوه كبرود العصب وكالحلل والمعاطف والديباج والوشي وأشباه ذلك وأنشدني أبو الجماهر جندب بن مدرك الهلالي لا يشترى الحمد امنية ولا يشترى الحمد بالمقصر ولكنما يشترى غاليا فمن يعط قيمته يشتر وممن يعتطف على مئزر فنعم الرداء على المئزر وأنشدني لابن ميادة نعم أنني مهد ثناء ومدحة كبرد يمان يربح البيع تاجره وأنشدني فان أهلك فقد أبقيت بعدي قوافي تعجب المتمئلينا لذيذات المقاطع محكمات لو ان الشعر يلبس لارتدينا وقال ابو قردودة يرثي ابن عمار قتيل النعمان ووصف كلامه وقد كان نهاه عن منادمته اني نهيت ابن عمار وقلت له لا تأمنن أحمر العينين والشعره إن الملوك متى تنزل بساحتهم تطر بنارك من نيرانهم شرره يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره وقال الشاعر في مديح احمد بن ابي دؤاد وعويص من الامور بهيم غامض الشخص مظلم مستور قد تسهلت ما توعر منه بلسان يزينه التحبير مثل وشي البرود هلهله النسج وعند الحجاج در نثير حسن الصمت والمقاطع إما أنصت القوم والحديث يدور ثم من بعد لحظة تورث اليسر وعرض مهذب موفور مما يضم الى هذا وليس منه بعينه قول جميل بن معمر نمت في الروابي من معد وأفلجت على الخفرات الغر وهي وريد أناة على نيرين اضحى لداتها بلين بلاء الريط وهي جديد ومن هذا الشكل وليس منه بعينه قول الشاعر
على كل ذي نيرين زيد محاله محالا وفي أضلاعه زيد أضلعا وقال ابو يعقوب الخزيمي الاعور أول شعر قلته هذان البيتان بقلبي سقام لست أحسن وصفه على أنه ما كان فهو شديد تمر به الأيام تسحب ذيلها فتبلى له الأيام وهو جديد وقال آخر وهو ابو الاسود الدؤلي أبي القلب إلا ام عمرو وحبها عجوزا ومن يحبب عجوزا يفند كبرد اليماني قد تقادم عهده ورقعته ما شئت في العين واليد وقال ابن هرمة إن الأديم الذي أصبحت تعركه جهلا لذو نغل باد وذو حلم ولن يبط بأيدي الخالقين ولا أيدي الخوالق إلا جيد الأدم وفي غير هذا الباب وهو قريب منه قول ذي الرمة في قعر حجر من ذؤابة عامر إمام هدى مستبصر الحكم عادله كأن على أعطافه ماء مذهب اذا سمل السربال طارت رعابله وهو الذي يقول حوراء في دعج صفراء في نعج كأنها فضة قد مستها ذهب وقال الاعشى بيضاء ضحونها وصفراء العشية كالعراره وقال اخر قد علمت بيضاء صفراء الأصل لأغنين اليوم ما أغنى رجل وقال بشار بن برد وخذي ملابس زينة ومصبغات فهي أفخر واذا دخلت تقنعي بالحمر ان الحسن أحمر وهذان أعميان قد اهتديا من حقائق هذا الامر الى مالا يبلغه تمييز البصير ولبشار خاصة في هذا الباب ما ليس لاحد ولولا انه في كتاب الرجل والمرأة وفي باب القول في الانسان في كتاب الحيوان أليق وأذكى لذكرناه في هذا الموضع ومما ذكروا فيه الوزن قوله زني ألقوم حتى تعرفي عند وزنهم اذا رفع الميزان كيف أميل
وقال ابن الزبير الأسدي أعاذل غضي بعض لومك إنني أرى الموت لا يرضى بدين ولا رهن وإني أرى دهرا تغير صرفه ودنيا أراها لا تقوم على وزن باب آخر ويذكرون الكلام الموزون ويمدحون به ويفضلون اصابة المقادير ويذمون الخروج من التبويل قال جعفر بن سليمان ليس يطيب الطعام بكثرة الانفاق وجودة التوابل وانما الشأن في اصابة القدر وقال الشاعر وهو عارق بن أثال الطائي ما ان يزال ببغداد يزاحمنا على البراذين أشباه البراذين اعطاهم الله أموالا ومنزلة من الملوك بلا عقل ولا دين ما شئت من بغلة شقراء ناجية أو من أثاث وقول غير موزون وأنشد بعض الشعراء رأت رجلا أودى السفار بجسمه فلم يبق إلا منطق وحناجن اذا حسرت عنه العمامة راعها جميل الخفوق أغفلته الدواهن فإن أك معروق العظام فانني اذا ما وزنت القوم بالقوم وازن قال مالك بن أسماء في بعض نسائه وكانت تصيب الكلام كثيرا وربما لحنت أمغطى مني على بصري للحب أم انت أكمل الناس حسنا وحديث ألذة هو مما ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق عاقل وتلحن أحيانا وخير الحديث ما كان لحنا وقال طرفه في المقدار وإصابته فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي طلب الغيث على قدر الحاجة لان الفاضل ضار وقال النبي في دعائه اللهم اسقنا سقيا نافعا لان المطر ربما جاء في غير إبان الزراعات وربما جاء والتمر في الجرن والطعام في البيادر وربما كان في الكثرة مجاوزا لمقدار الحاجة وقال النبي اللهم حوالينا ولا علينا وقال بعض الشعراء لصاحبه أنا أشعر منك قال ولم قال لاني أقول البيت وأخاه وتقول البيت
وابن عمه وعاب رؤبة شعر ابنه عقبة فقال ليس له قران وجعل البيت أخا البيت اذا أشبه وكان حقه ان يوضع الى جنبه وعلى ذلك التأويل قال الاعشى أبا مسمع أقصر فان قصيدة متى تأتكم تلحق بها اخواتها قال الله عز وجل وما نريهم من آية إلا هي اكبر من اختها وقال عمرو بن معد يكرب وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان وقالوا فيماهو ابعد معنى وأقل لفظا قال الهذلي أعامر لا الوك إلا مهندا وجلد أبي عجل وثيق القبائل وقالوا ما هو أبعد من هذا قال ابن عسلة الشيباني واسمه عبد المسيح وسماع مدجنة تعللنا حتى ننام تناوم العجم فصحوت والنمري يحسبها عم السماك وخالة النجم وقال أبو النجم فيما هو أبعد من هذا ووصف العير والمعيور الموضع الذي يكون فيه الأعيار وظل يوفي الأكم ابن خالها فهذا مما يدل على توسعهم في الكلام وحمل بعضه على بعض واشتقاق بعضه من بعض وقال النبي نعمت العمة لكم النخلة كأن بينها وبين الانسان تشابه وتشاكل من وجوه وقد ذكرنا ذلك في كتاب الزرع والنخل وفي مثل ذلك قال بعض الفصحاء شهدت بأن النمر بالزبد طيب وأن الحبارى خالة الكروان باب آخر من الشعر مما قالوا في الخطب واللسن والامتداح به والمديح عليه قال كعب الاشقري إلا أكن في الارض أخطب قائما فإني على ظهر الكميت خطيب وقال ثابت قطنة فإلا أكن فيكم خطيبا فإنني بسمر القنا والسيف جد لعوب وقالت ليلى الاخيلية
حتى اذا رفع اللواء رأيته تحت اللواء على الخميس زعيما وقال الاخر عجبت لأقوام يعيبون خطبتي وما منهم في مأقط بخطيب وقال دريد بن الصمة أبلغ نعيما وأوفى ان لقيتهما ان لم يكن كان في سمعيهما صمم فلا يزال شهاب يستضاء به يهدي المقانب ما لم يهلك الصمم عاري الأشاجع معصوب بلمته أمر الزعامة في عرنينه شمم وقال أبو العباس الاعمى مولى بني بكر بن عبد مناف في بني عبد شمس ليت شعري أفاح رائحة المسك ما إن اخال بالخيف أنسي حين غابت بنو أمية عنه والبهاليل من بني عبد شمس خطباء على المنابر فرسان عليها وقالة غير خرس لا يعابون صامتين وان قالوا أصابوا ولم يقولوا بلبس بحلوم اذا الحلوم استخفت ووجوه مثل الدنانير ملس وقال العجاج وحاصن من حاصنات ملس من الأذى ومن قراف الوقس وقال امرؤ القيس بن حجر ويارب يوم قد أروح مرجلا حبيبا الى البيض الكواعب أملسا وقال أبو العباس الاعمى ولم أر حيا مثل حي نحملوا الى الشام مظلومين منذ بريت أعز وأمضى حين تشتجر القنا وأعلم بالمسكين حيث يبيت وأرفق بالدنيا بأولى سياسة اذا كاد امر المسلمين يفوت اذا مات منهم سيد قام سيد بصبر بعورات الكلام زميت وقال آخر لا يغسل العرض من تدنسه والثوب إن مس مدنسا غسلا وزلة الرجل تستقال ولا يكاد رأي يقيلك الزللا وقال اخر في الزلل ألهفي اذا عصيت أبا يزيد ولهفي اذ أطعت أبا العلاء
كانت هفوة من غير ريح وكانت زلة من غير ماء وقال آخر فانك لم ينذرك أمر تخافه اذا كنت فيه جاهلا مثل خابر وقال ابن وابصة واسمه سالم في مقام قام فيه مع ناس من الخطباء يا أيها المتحلي غير شيمته ومن سجيته الاكثار والملق أعمد الى القصد فيما انت راكبه ان التخلق يأتي دونه الخلق صدت هنيدة لما جئت زائرها عني بمطروفة انسانها غرق وراعها الشيب في رأسي فقلت لها كذاك يصفر بعد الخضرة الورق بل موقف مثل حد السيف قمت به أحمي الذمار وترميني به الحدق فما زللت ولا ألفيت ذا خطل اذا الرجال على أمثالها زلقوا وأنشد أعرابي من باهلة سأعمل نص العيس حتى يكفني غنى المال يوما أو غنى الحدثان فللموت خير من حياة يرى لها على الحر بالإقلال وسم هوان متى يتكلم يلغ حكم كلامه وان لم يقل قالوا عديم بيان كأن الغنى في أهله بورك الغنى بغير لسان ناطق بلسان وفي مثلها في بعض الوجوه قول عروة بن الورد ذريني للغنى أسعى فاني رأيت الناس شرهم الفقير وأهونهم وأحقرهم لديهم وان أمسى له نسب وخير ويقصى في الندي وتزدريه حليلته وينهره الصغير ويلفى ذو الغنى وله جلال يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ذنبه والذنب جم ولكن للغنى رب غفور وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه الهوى إله معبود وتلا قوله عز وجل أفرأيت من اتخد إلهه هواه وأضله الله على علم وقال ابو الاعور سعيد بن زيد بن عمرو بن تفيل تلك عرساي تنطقان على عمد إلى اليوم قول زور وهتر سألتاني الطلاق ان رأنا ما لي قليلا قد جئتماني بنكر فلعلي ان يكثر المال عندي ويعرى من المغارم ظهري
وترى أعبد لنا وأواق ومناصيف من خوادم عشر وتجر الأذيال في نعمة زول تقولان ضع عصاك لدهر ويكأن من يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر ويجنب سر النجي ولكن أخا المال محضر كل سر قال عبيد بن الابرص في نحو هذا وليس كمثله تلك عرسي غضبى تريد زيالي ألبين تريد أم لدلال ان يكن طلبك الفراق فلا أحفل ان تعطفي صدور الجمال كنت بيضاء كالمهاة وإذ آتيك نشوان مرخيا أذيالي فاتركي مط حاجبيك وعيشي معنا بالرجاء والتأمال زعمت أنني كبرت وأني قل مالي وضن عني الموالي وصحا باطلي وأصبحت شيخا لا يواتي امثالها امثالي ان تريني تغير الرأس مني وعلا الشيب مفرقي وقذالي بينما أدخل الخباء على مهضومة الكشح طفلة كالغزال فتعاطيت جيدها ثم مالت ميلان الكثيب بين الرمال ثم قالت فدى لنفسك نفسي وفداء لمال أهلك مالي وخرج عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه من داره يوما وقد جاء عامر ابن عبد قيس فقعد في دهليزه فلما رأى شيخا دميما أشغى ثطا في عباءة فأنكره وانكر مكانه فقال يا اعرابي اين ربك قال بالمرصاد يقال ان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه لم يفحمه احد قط غير عامر بن عبد قيس ونظر معاوية الى النخار بن أوس العذري الخطيب الناسب في عباءة في ناحية من مجلسه فأنكره وانكر مكانه زراية منه عليه فقال من هذا فقال النخار يا أمير المؤمنين ان العباءة لا تكلمك انما يكلمك من فيها قال ونظر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الى هرم بن قطبة ملتفا في بت في ناحية المسجد ورأى دمامته وقلته وعرف تقديم العرب له في الحكم والعلم فأحب ان يكشفه ويسبر ما عنده فقال أرأيت لو تنافرا اليك اليوم أيهما كنت تنفر يعني علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل فقال يا امير المؤمنين لو قلت فيهما كلمة لأعدتها جذعة فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لهذا العقل تحاكمت اليك العرب ونظر عمر الى الأحنف وعنده الوفد والأحنف ملتف في بت له فترك جميع القوم واستنطقه فلما تبعق منه ما تعبق وتكلم بذلك الكلام البليغ المصيب وذهب ذلك المذهب لم يزل عنده في علياء ثم صار الى ان عقد له الرياسة ثابتا له ذلك الى ان فارق الدنيا ونظر النعمان بن المنذر الى ضمرة بن ضمرة فلما رأى دمامته وقلته قال تسمع بالمعيدي لا ان تراه هكذا تقول العرب فقال ضمرة أبيت اللعن ان الرجال لا تكال بالقفزان وانما المرء بأصغريه لا لسانه وقلبه وكان ضمرة خطيبا وكان فارسا شاعرا شريفا سيدا وكان لرمق بن زيد مدح أبا جبيلة الغساني وكان الرمق دميما قصيرا فلما أنشده وحاوره قال عسل طيب في ظرف سوء قال وتكلم علباء بن الهيثم السدوسي لدى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وكان علباء اعور دميما فلما رأى براعته وسمع بيانه أقبل عمر يصعد فيه بصره ويحدره فلما خرج قال عمر لكل أناس في جميلهم خبرة قال ابو عثمان وأنشدت سهل بن هرون قول سلمة بن خرشب وشعره الذي أرسل به الى سبيع التغلبي في شأن الرهن التي وضعت على يديه في قتال عبس وذبيان فقال سهل بن هرون والله لكأنه قد سمع رسالة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الى أبي موسى الأشعري في سياسة القضاء وتدبير الحكم والقصيدة قوله أبلغ سبيعا وأنت سيدنا قدما وأوفى رجالنا ذمما أن بغيضا وأن إخوتها ذبيان قد ضرموا الذي اضطرما نبئت أن حكموك بينهم فلا يقولن بئس ما حكما ان كنت ذا خبرة بشأنهم تعرف ذا حقهم ومن ظلما وتنزل الأمر في منازله حكما وعلما وتحضر الفهما ولا تبالي من المحق ولا المبطل لا إلة ولا ذمما فاحكم وأنت الحكيم بينهم لن تعدموا الحكم ثابتا صتما واصدع أديم السواء بينهم على رضى من رضي ومن رغما ان كان مالا ففض عدته مالا بمال وان دما فدما حتى ترى ظاهر الحكومة مثل الصبح جلى نهاره ظلما هذا وان لم تطق حكومتهم فانبذ اليهم أمورهم سلما وقال العايشي كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أعلم الناس بالشعر ولكنه اذ ابتلى بالحكم بين النجاشي والعجلاني وبين الحطيئة والزبرقان كره أن يتعرض للشعراء واستشهد رجالا للفريقين مثل حسان بن ثابت وغيره ممن تهون عليه سبالهم فاذا سمع كلامهم حكم بما يعلم وكان الذي ظهر من حكم ذلك الشاعر مقنعا للفريقين ويكون هو قد تخلص بعرضه سليما فلما رآه من لا علم له يسأل هذا وهذا ظن ان ذلك لجهله بما يعرف غيره ولقد أنشدوه شعرا لزهير وكان لشعره مقدما فلما انتهوا الى قوله وان الحق مقطعه ثلاث يمين أو نفار أو جلاء قال عمر كالمتعجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها واقامته أقسامها وان الحق مقطعه ثلاث يمين أو نفار أو جلاء وأنشدوه قصيدة عبدة بن الطبيب الطويلة التي على اللام فلما بلغ المنشد الى قوله والمرء ساع لأمر ليس يدركه والعيش شح واشفاق وتأميل قال عمر متعجبا والعيش شح وأشفاق وتأميل يعجبهم من حسن ما قسم وفصل وأنشدوه قصيدة أبي قيس بن الاسلت التي على العين وهو ساكت فلما انتهى المنشد الى قوله الكيس والقوة خير من الاشفاق والفهة والهاع أعاد عمر البيت وقال الكيس والقوة خير ال إشفاق والفهة والهاع وجعل عمر يردد البيت ويتعجب منه قال محمد بن سلام الجمحي عن بعض أشياخه قال كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لا يكاد يعرض له أمر الا أنشد فيه بيت شعر وقال عمر بن العلاء كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب بفرط حاجتهم الى الشعر الذي يقيد عليهم مآثرهم ويفخم شأنهم ويهول على عدوهم ومن غزاهم ويهيب من فرسانهم ويخوف من كثرة عددهم ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا الى السوقة وتسرعوا الى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر ولذلك قال الاول الشعر أدنى مروءة السري وأسرى مروءة الدني قال ولقد وضع قول الشعر من قدر النابغة الذبياني ولو كان في الدهر الاول ما زاده ذلك الا رفعة وروى مجالد عن الشعبي قال ما رأيت مثلي ما أشاء أن ألقى رجلا أعلم مني بشيء الا لقيته وقال الحسن البصري يكون الرجل عابدا ولا يكون عاقلا ويكون عابدا عاقلا ولا يكون عالما وكان مسلم بن يسار عاقلا عابدا عالما وكان يقال فقه الحسن وورع ابن سيرين وعقل مطرف وحفظ قتادة وذكرت البصرة فقيل شيخها الحسن وفتاها بكر بن عبد الله المزني والذين بثوا العلم في الدنيا اربعة قتادة والزهري والاعمش والكلبي وجمع سليمان بن عبد الملك بين قتادة والزهري فغلب قتادة الزهري فقيل لسليمان في ذلك فقال انه فقيه مليح فقال القحذمي لا ولكنه تعصب للقرشية ولانقطاعه اليهم ولروايته فضائلهم وكان الاصمعي يقول وصلت بالعلم ونلت بالملح وكان سهل بن هرون يقول اللسان البليغ والشعر الجيد لا يكاد ان يجتمعان في واحد وأعسر من ذلك ان يجتمع بلاغة الشعر وبلاغة القلم والمسجديون يقولون من تمنى رجلا حسن العقل وحسن اللسان وحسن القلم تمنى شيئا عسيرا باب إعابة العي والحمق وكانوا يعيبون النوك والعي والحمق وأخلاق النساء والصبيان قال الشاعر اذا ما كنت متخذا خليلا فلا تثقن بكل أخي إخاء فان خيرت بينهم فألصق بأهل العقل منهم والحياء فان العقل ليس له إذا ما تفاضلت الفضائل من كفاء
فان النوك للأحساب غول وأهون دائه داء العياء ومن ترك العواقب مهملات فأيسر سعيه سعي العناء فلا تثقن بالنوكى لشيء ولو كانوا بني ماء السماء فليسوا قابلي أدب فدعهم وكن من ذاك منقطع الرجاء وقال الآخر في التضييع والنوك فعش في حد أنوك ساعدته مقادير يخالفها الصواب ذهاب المال في حمد وأجر ذهاب لا يقال له ذهاب وأنشد في ذلك أرى زمنا نوكاه أسعد أهله ولكنما يشقى به كل عاقل مشى فوقه رجلاه والرأس تحته فكب الأعالي بارتفاع الأسافل وقال الاخر ولم أر مثل الفقر أوضع للفتى ولم أر مثل المال أرفع للرذل ولم أر عزا لامرى ء كعشيرة ولم أر ذلا مثل نأي عن الأهل ولم أر من عدم أضر على امرى ء اذا عاش وسط الناس من عدم العقل وقال الآخر تحامق مع الحمقى اذا ما لقيتهم ولا تلقهم بالعقل ان كنت ذا عقل فاني رأيت المرء يشقى بعقله كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل وقال الآخر وأنزلني طول النوى دار غربة اذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله فحامقته حتى يقال سجية ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله وقال بشر بن المعتمر وأنشد واذا الغبي رأيته مستغنيا أعيا الطبيب وحيلة المحتال وأنشدني آخر وللدهر ايام فكن في لباسه كلبسته يوما أجد وأخلقا وكن اكيس الكيسى اذا كنت فيهم وان كنت في الحمقى فكن انت أحمقا وأنشدني آخر ولا تقربي يا بنت عمي بوهة من القوم دفناسا غبيا مفندا
وان كان اعطى رأس ستين بكرة وحكما على حكم وعبدا مولدا ألا فاحذري لاتوردنك هجمة طوال الذرى جبسا من القوم قعددا وأنشدني آخر كسا الله حيي تغلب ابنة وائل من اللؤم أظفارا بطيئا نصولها اذا ارتحلوا عن دار ضيم تعاذلوا عليها وردوا وفدهم يستقيلها وأنشدني اخر وإن عناء ان تفهم جاهلا ويحسب جهلا انه منك افهم وقال جرير ولا يعرفون الشر حتى يصيبهم ولا يعرفون الامر الا تدبرا وقال الاعرج المعني الطائي لقد علم الاقوام أن قد قدرتم ولم تبدأ وهم بالمظالم أولا فكونوا كداعى كرة بعد فرة ألا رب من قد فر ئمت أقبلا فان أنتم لم تفعلوا فتبدلوا بكل سنان معشر العرب مغزلا وأعطوهم حكم الصبي بأهله واني لأرجو ان يقولوا بأن لا وأنشد ولا تحكما حكم الصبي فانه كثير على ظهر الطريق مجاهله سئل دغفل عن بني عامر فقال اعناق ظباء وأعجاز نساء قيل فما تقول في أهل اليمن قال سيد وأنوك باب في ذكر المعلمين من امثال العامة أحمق من معلم كتاب وقد ذكرهم صقلاب فقال وكيف يرجى العقل والرأي عند من يروح على انثى ويغدو على طفل وفي قول بعض الحكماء لا تستشيروا معلما ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء وقال لا تدع أم صبيك تضربه فانه أعقل منها وان كانت أسن منه وقد سمعنا في الامثال أحمق من راعي ضان ثمانين فاما استحماق رعاة الغنم في الجملة فكيف يكون ذلك صوابا وقد رعى الغنم عدة من جلة الانبياء عليهم السلام ولعمري ان الفدادين من أهل الوبر ورعاة الإبل ليتلومون على رعاة الغنم ويقول احدهم لصاحبه ان كنت كاذبا فحلبت قاعدا وقال الآخر ترى حالب المعزى اذا سر قاعدا وحالبهن القائم المتطاول قالت امرأة من غامد في هزيمة ربيعة بن مكدم لجمع غامد وحده ألا هل أتاها على نأيها بما فضحت قومها غامد تمنيتم مائتي فارس فردكم فارس واحد فليت لنا بارتباط الخيول ضأنا لها حالب قاعد وقد سمعنا قول بعضهم الحمق في الحاكة والمعلمين والغزالين قال والحاكة أقل وأسقط من ان يقال لهم حمقى وكذلك الغزالون لان الأحمق هو الذي يتكلم بالصواب الجيد ثم يجيء بخطأ فاحش والحائك ليس عنده صواب جيد في فعال ولا مقال الا ان يجعل جودة الحياكة من هذا الباب وليس هو من هذا في شيء باب آخر في الحمق ويقال فلان أحمق فاذا قالوا مائق فليس يريدون ذلك المعنى بعينه وكذلك اذا قالوا أنوك وكذلك اذا قالوا رقيع ويقولون فلان سليم الصدر ثم يقولون غبي ثم يقولون أبله وكذلك اذا قالوا معتوه ومسلوس وأشباه ذلك قال ابو عبيدة يقال للفارس شجاع فاذا تقدم ذلك قيل بطل فاذا تقدم شيئا قيل بهمة فاذا صار الى الغاية قيل اليس قال العجاج أليس عن حوبائه سخي وهذا المأخذ يجري في الصفات كلها من جود وبخل وصلاح وفساد ونقصان ورجحان وما زلت اسمع هذا القول في المعلمين والمعلمون عندي على ضربين منهم رجال ارتفعوا عن تعليم اولاد العامة الى تعليم اولاد الخاصة ومنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد الخاصة الى تعليم اولاد الملوك انفسهم المرشحين للخلافة فكيف تستطيع ان تزعم ان مثل علي بن حمزة الكسائي ومحمد بن المستنير الذي يقال له قطرب واشباه هؤلاء يقال لهم حمقى ولا يجوز هذا القول على هؤلاء ولا على الطبقة التي دونهم فان ذهبوا الى معلمي كتاتيب القرى فان لكل قوم حاشية وسفلة فما هم في ذلك الا كغيرهم وكيف تقول مثل ذلك في هؤلاء وفيهم الفقهاء والشعراء والخطباء مثل الكميت بن زيد وعبد الحميد الكاتب وقيس بن سعد وعطاء بن أبي رباح ومثل عبد الكريم بن ابي أمية وحسين المعلم وابي سعيد المعلم ومن المعلمين الضحاك بن مزاحم ابو معبد الجهني وعامر الشعبي فكانا يعلمان أولاد عبد الملك بن مروان وكان ابو معبد يعلم سعيدا ومنهم ابو سعيد المؤدب وهو غير ابي سعيد المعلم وكان يحدث عن هشام بن عروة وغيرهم ومنهم عبد الصمد بن عبد الاعلى وكان معلم ولد عتبة بن ابي سفيان وكان اسماعيل بن علي ألزم بعض بنيه عبد الله بن المقفع ليعلمه وكان ابو بكر عبد الله بن كيسان معلما ومنهم محمد بن السكن وما كان عندنا بالبصرة رجلان ادرى بصنوف العلم ولا احسن بيانا من ابي الوزير وابي عدنان المعلمين وحالهما من اول ما اذكر من ايام الصبا وقد قال الناس في ابي البيداء وفي ابي عبد الله الكاتب وفي الحجاج بن يوسف وابيه ما قالوا وقد أنشدوا مع هذا الخبر شاهدا من الشعر على ان الحجاج وأباه كانا معلمين بالطائف ثم رجع بنا القول الى الكلام الاول قالوا احق الناس بالرحمة عالم يجري عليه حكم جاهل وكتب الحجاج الى المهلب يعجله في حرب الازارقة ويسمعه فكتب اليه المهلب ان البلاء كل البلاء اي يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره باب في التشادق والاغراق في القول قال بعض الربانيين من الادباء واهل المعرفة من البلغاء ممن يكره التشادق والتعمق ويبغض الاغراق في القول والتكلف والاجتلاب ويعرف اكثر ادواء الكلام ودوائه وما يعتري المتكلم من الفتنة بحسن ما يقول وما يعرض للسامع من الافتتان بما يسمع والذي يورث الاقتدار من التحكم والتسلط والذي يمكن الحاذق والمطبوع من التمويه للمعاني والخلابة وحسن المنطق وقال في بعض مواعظه أنذركم حسن الالفاظ وحلاوة مخارج الكلام فان المعنى اذا اكتسى لفظا حسنا وأعاره البليغ مخرجا سهلا ومنحه المتكلم قولا متعشقا صار في قلبك احلى ولصدرك أملا والمعاني اذا كسيت الالفاظ الكريمة وألبست الاوصاف الرفيعة تحولت في العيون عن مقادير صورها وأربت على حقائق اقدارها بقدر ما زينت وعلى حسب ما زخرفت فقد صارت الالفاظ في معنى المعارض وصارت المعاني في معنى الجواري والقلب ضعيف وسلطان الهوى قوي ومدخل خدع الشيطان خفي فاذكر هذا الباب ولا تنسه وتأمله ولا تفرط فيه فان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لم يقل للاحنف بعد ان احتبسه حولا مجرما ليستكثر منه وليبالغ في تصفح حاله والتنقير عن شأنه ان رسول الله قد كان خوفنا كل منافق عليم وقد خفت ان تكون منهم إلا لما كان راعه من حسن منطقه ومال اليه لما رأى من رفقه وقلة تكلفه ولذلك قال رسول الله ان من البيان لسحرا وقال عمر بن عبد العزيز لرجل أحسن في طلب حاجة وتأتي لها بكلام وجيز ومنطق حسن هذا والله السحر الحلال وقال رسول الله لا خلابة فالقصد من ذلك ان تجتنب السوقي والوحشي ولا تجعل همك في تهذيب الالفاظ وشغلك في التخلص الى غرائب المعاني وفي الاقتصار بلاغ وفي التوسط مجانبة للوعورة والخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه وقد قال الشاعر عليك بأوساط الامور فانها نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا وقال الآخر لا تذهبن في الامور فرطا لا تسألن ان سألت شططا وكن من الناس جميعا وسطا وليكن كلامك بين المقصر والغالي فانك تسلم من الهجنة عند العلماء ومن فتنة الشيطان وقال أعرابي للحسن علمني دينا وسطا لا ذاهبا شطوطا ولا هابطا هبوطا فقال الحسن لئن قلت ذاك ان خير الامور أوسطها وجاء في الحديث خالطوا الناس وزايلوهم وقال عبد الله بن مسعود في خطبته وخير الامور أوساطها وما قل وكفى خير مما كثر وألهى نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها وقال علي بن ابي طالب كرم الله وجهه كن في الدنيا وسطا وامش جانبا وكانوا يقولون إكره الغلو كما تكره التقصير وكان رسول الله يقول لأصحابه قولوا بقولكم ولا يستحوذن عليكم الشيطان وكان يقول و هل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم الا حصائد ألسنتهم باب من الخطب القصار من خطب السلف ومواعظ النساك وتأديب من تأديب العلماء قال رجل لأبي هريرة النحوي أريد ان أتعلم العلم وأخاف ان أضيعه قال كفى بترك العلم إضاعة وسمع الأحنف رجلا يقول التعلم في الصغر كالنقش في الحجر فقال الاحنف الكبير اكبر الناس عقلا ولكنه أشغل قلبا وقال أبو الدرداء مالي أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون وقال رسول الله ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ولذلك قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه حين دلى زيد بن ثابت في القبر من سره ان يرى كيف ذهاب العلم فلينظر فهكذا ذهابه وقال بعض الشعراء لبعض العلماء أبعدت من يومك الفرار فما جاورت حيث انتهى بك القدر لوكان ينجي من الردى حذر نجاك مما أصابك الحذر يرحمك الله من أخي ثقة لم يك في صفو وده كدر فهكذا يفسد الزمان ويفنى نى العلم منه ويدرس الأثر وقال قتادة لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام اذ قال للعبد الصالح هل اتبعك على ان تعلمني مما علمت رشدا وقال ابو العباس التميمي قال طاؤس الكلمة الصالحة صدقة وعن عبد الله بن ثمامة بن انس عن أبيه عن النبي انه قال فضل لسانك تعبر به عن أخيك الذي لا لسان له صدقة ح وقال الخليل تكثر من العلم لتعرف وتقلل منه لتحفظ وقال الفضيل نعمت الهدية الكلمة من الحكمة يحفظها الرجل حتى يلقيها الى أخيه وكان يقال اجعل ما في الكتب بيت مال وما في قلبك للنفقة وكان يقال يكتب الرجل أحسن ما سمع ويحفظ أحسن ما كتب وقال أعرابي حرف في قلبك خير من عشرة في طومارك وقال عمر بن عبد العزيز ما قرن شيء بشيء أفضل من علم الى حلم ومن عفو الى قدرة وكان ميمون بن سياه إذا جلس الى قوم قال إنا قوم منقطع بنا فحدثونا احاديث نتجمل بها وفخر سليم مولى زياد بزياد عند معاوية فقال معاوية أسكت فوالله ما أدرك صاحبك شيئا بسيفه الا وقد أدركت اكثر منه بلساني وضرب الحجاج أعناق أسرى فلما قدموا اليه رجلا ليضرب عنقه قال والله لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو فقال الحجاج أف لهذه الجيف أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا وأمسك عن القتل وقال بشير الرحال اني لأجد في قلبي حرا لا يذهبه الا برد العدل أو حر السنان وقدموا رجلا من الخوارج الى عبد الملك لتضرب عنقه ودخل على عبدالملك ابن صغير له قد ضربه المعلم وهو يبكي فهم عبد الملك بالمعلم فقال دعه يبكي فانه أفتح لجرمه وأصح لبصره وأذهب لصوته فقال له عبد الملك أما يشغلك ما انت فيه عن هذا قال ما ينبغي للمسلم ان يشغله عن قول الحق شيء فأمر بتخلية سبيله وقال إبراهيم بن أدهم أعربنا في كلامنا فما نلحن حرفا ولحنا في اعمالنا فما نعرب حرفا وأنشد نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا مانرقع وقال زياد على المنبر ان الرجل ليتكلم بالكلمة ما يقطع بها ذنب عنز مصور لو بلغت إمامه سفك بها دمه وعزل عمر زياد عن كتابه أبي موسى في بعض قدماته فقال له زياد أعن عجز أم عن خيانة قال لا عن واحدة منهما ولكن أكره ان احمل على العامة فضل عقلك وبلغ الحجاج موت اسماء ابن خارجة فقال هل سمعتم بالذي عاش ما شاء ومات حين شاء وكان يقال كدر الجماعة خير من صفو الفرقة قال ابو الحسن مر عمر بن ذر بعبد الله بن عياش المنتوف وقد كان سفه عليه ثم أعرض عنه فتعلق بثوبه فقال يا هناه انا لم نجد لك اذا عصيت الله فينا خيرا من ان نطيع الله فيك وهذا كلام أخذه عمر بن ذر عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين قال عمر اني والله لا ادع حقا لله لشكاية تظهر ولا لغضب يحتمل ولا لمحاباة بشر وانك والله ما عاقبت من عصي الله فيك بمثل ان تطيع الله فيه وكتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الى سعد بن أبي وقاص يا سعد بني وهيب ان الله اذا احب عبدا حببه الى خلقه فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس واعلم ان مالك عند الله مثل الذي لله عندك ومات لعمر بن ذر ابن فقال اي بني شغلني الحزن لك عن الحزن عليك وقال رجل من مجاشع كان الحسن يخطب في دم فينا فأجابه رجل فقال وقد تركت ذلك لله ولوجوهكم فقال الحسن لا تقل هكذا بل قل لله ثم لوجوهكم وآجرك الله ومر رجل بأبي بكر رضي الله تعالى عنه ومعه ثوب فقال أتبيع الثوب فقال لا عافاك الله فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه لقد علمتم لو كنتم تعلمون قل لا وعافاك الله وسأل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا عن شيء فقال الله أعلم فقال عمر لقد شقينا ان كنا لا نعلم ان الله أعلم اذا سئل احدكم عن شيء لا يعلمه فليقل لا علم لي وكان ابو الدرداء يقول أبغض الناس إلي إن أظلمه من لا يستعين علي بأحد الا بالله وذكر ابن ذر الدنيا فقال كأنكم انما زادكم في حرصكم عليها ذم الله عز وجل لها ونظر أعرابي الى مال له كثير من الماشية وغيرها فقال ينعه ولكل ينعه استحشاف فباع ما هنالك من ماله ثم لزم ثغرا من ثغور المسلمين حتى مات فيه وتمنى قوم عند يزيد الرقاشي فقال أتمنى كما تمنيتم قالوا تمنه قال ليتنا لم نخلق وليتنا اذ خلقنا لم نعص وليتنا اذ عصينا لم نمت وليتنا اذ بعثنا لم نحاسب وليتنا اذ حوسبنا لم نعذب وليتنا اذ عذبنا لم نخلد وقال الحجاج ليت الله اذ خلقنا للآخرة كفانا امر الدنيا فرفع عنا الهم بالمأكل والمشرب والملبس والمنكح أوليته اذ وقعنا في هذه الدار كفانا أمر الآخرة فرفع عنا الاهتمام بما ينجي من عذابه فبلغ كلامهما عبد الله بن حسن بن حسن أو علي بن الحسين فقال ما علما شيئا في التمني ما اختار الله فهو خير قال ابو الدرداء من هو ان الدنيا على الله انه لا يعصى الا فيها ولا ينال ما عنده الا بتركها قال شريح الحدة كناية عن الجهل وقال أبو عبيدة العارضة كناية عن البذاء واذا قالوا فلان مقتصد فتلك كناية عن البخل واذا قالوا للعامل مستقص فهو كناية عن الجور وقال حبيب بن أوس الشاعر ابو تمام الطائي كذبتم ليس يزهى من له حسب ومن له نسب عمن له أدب اني لذو عجب منكم أردده فيكم وفي عجبي من زهوركم عجب لجاجة بي فيكم ليس يشبهها الا لجاجتكم في أنكم عرب وقيل لاعرابية مات ابنها ما احسن عزاءك عن ابنك قالت ان مصيبته آمنتني من المصائب بعده وقال سعيد بن عثمان بن عفان لطوبس المغني أينا أسن انا أو انت يا طويس فقال بأبي انت وأمي لقد شهدت زفاف امك المباركة الى ابيك الطيب فانظر الى حذقه والى معرفته بمخارج الكلام كيف لم يقل بزفاف امك الطيبة الى ابيك المبارك وهكذا كان وجه الكلام فقلب المعنى وقال رجل من اهل الشام كنت في حلقة أبي مسهر في مسجد دمشق فذكرنا الكلام وبراعته والصمت ونبالته قال كلا ان النجم ليس كالقمر انك تصف الصمت بالكلام ولا تصف الكلام بالصمت وقال الهيثم بن صالح لابنه وكان خطيبا يا بني اذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب واذا اكثرت من الكلام أقللت من الصواب قال يا أبت فان انا اكثرت واكثرت يعني كلاما وصوابا قال يا بني ما رأيت موعوظا أحق بأن يكون واعظا منك وقال ابن عباس لولا الوسواس ما باليت ان لا أكلم الناس وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ما تستبقوا من الدنيا تجدوه في الآخرة وقال رجل للحسن إني اكره الموت قال ذلك انك اخرت مالك ولو قدمته لسرك ان تلحق به وقال عامر بن الظرب العدواني الرأي نائم والهوى يقظان فمن هنا يغلب الهوى الرأي وقال مكتوب في الحكمة أشكر لمن انعم عليك وانعم على من شكر لك وقال ابو الدرداء ايها الناس لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا ان تقبلوا احسن ما تسمعون منا وقال عبد الملك على المنبر ألا تنصفوننا يا معشر الرعية تريدون منا سيرة ابي بكر وعمر ولم تسيروا في انفسكم ولا فينا سيرة رعية ابي بكر وعمر نسأل الله ان يعين كلا على كل وقال رجل من العرب اربع لا يشبعن من اربع انثى من ذكر وعين من نظر وارض من مطر وأذن من خبر وقال موسى عليه السلام لأهله امكثوا اني انست نارا لعلي اتيكم منها بخبر فقال بعض المعترضين فقد قال أو اتيكم بشهاب قبس قال ابو عقيل لم يعرف موقع النار من ابناء السبيل ومن الجائع المقرور وقال لبيد بن ربيعة ومقام ضيق فرجته ببيان ولسان وجدل لو يقوم الفيل أو فياله زل عن مثل مقامي وزحل ولدى النعمان مني موطن بين فاثور أفاق فالدحل اذ دعتني عامر انصرها فالتقى الألسن كالنبل الدول فرميت القوم رشقا صائبا ليس بالعصل ولا بالمقثعل وانتضلنا وابن سلمى قاعد كعتيق الطير يغضي ويجل وقبيل من لكيز شاهد رهط مرجوم ورهط ابن المعل وقال وأبيض يجتاب الخروق على الوجى خطيبا اذا التف المجامع فاصلا وقال لبيد لوكان حي في الحياة مخلدا في الدهر أدركه أبو يكسوم بكتائب خرس تعود كبشها نطح الكباش شبيهة بنجوم ولقد بلوتك وابتليت خليقتي ولقد كفاك معلمي تعليمي وقد قال أيضا لبيد ذهب الذين يعاش في اكنافهم وبقيت في خلف كجلد الاجرب يتأكلون مغالة وخيانة ويعاب قائلهم وان لم يشغب وقال زيد بن جندب في ذكر الشغب ما كان اغنى رجالا ضل سعيهم عن الجدال وأغناهم عن الشغب وقال آخر في الشغب اني اذا عاقبت ذو عقاب وان تشاغبني فذو شغاب وقال احمر بن العمرد وكم حلها من تيحان سميذع مصافي الندى ساق بسهماء مطعم طوى البطن متلاف اذا هبت الصبا على الأمر غواص وفي الحي شيظم وقال هل لامني قوم لموقف سائل أو في مخاصمة اللجوج الاصيد وقال في التطبيق فلما ان بدا القعقاع لجت على شرك تناقله نقالا تعاورن الحديث وطبقته كما طبقت بالنعل المثالا وقال آخر لوكنت ذا علم علمت وكيف لي بالعلم بعد تدبر الامر وقال المعترض على أصحاب الخطابة والبلاغة قال لقمان لابنه يا بني اني قد ندمت على الكلام ولم أندم على السكوت وقال الشاعر ما ان ندمت على سكوتي مرة ولقد ندمت على الكلام مرارا وقال آخر خل جنبيك لرام وامض عنه بسلام مت بداء الصمت خير لك من داء الكلام إنما المسلم من ألجم فاه بلجام وقال آخر في التحذير والاحتراس اخفض الصوت ان نطقت بليل والتفت بالنهار قبل الكلام وقال في مثل ذلك
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ما في ضميري لهم مني سيكفيني وقال حمزة بن بيض لم يكن عن جناية لحقتني لا يساري ولا يميني جنتني بل جناها أخ علي كريم وعلى أهلها براقش تجني لان هذه الكلبة وهي براقش انما نبحت غزيا وقد مروا من ورائهم وقد رجعوا خائبين مخفقين فلما نبحتهم استدلوا بنباحها على أهلها فاستباحوهم ولو سكتت كانوا قد سلموا فضرب ابن بيض بها المثل وقال الاخطل تنق بلا شيء شيوخ محارب وما خلتها كانت تريش ولا تبري ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت فدل عليها صوتها حية النهر وقالوا الصمت حكم وقليل فاعله وقالوا استكثر من الهيبة صامت وقيل لرجل من كلب طويل الصمت بحق ما سمتكم العلماء خرس العرب فقال أسكت فاسلم وأسمع فاعلم وكانوا يقولون لا تعدلوا بالسلامة شيئا ولا تسمع الناس يقولون جلد فلان حين صمت ولا قتل حين سكت وتسمعهم يقولون جلد فلان حين قال كذا وكذا وقتل حين قال كذا وكذا وفي الحديث المأثور رحم الله من سكت فسلم أو قال خيرا فغنم والسلامة فوق الغنيمة لان السلامة أصل والغنيمة فرع وقال النبي ان الله يبغض البليغ الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة بلسانها ح وقيل ان كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب وقال صاحب البلاغة والخطابة وأهل البيان وحب التبيين انما عاب النبي المتشادقين والثرثارين والذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة بلسانها والاعرابي المتشادق وهو الذي يصنع بفكيه وشدقيه ما لا يستجيزه أهل الأدب من خطباء أهل المدر فمن تكلف ذلك منهم فهو أعيب والذم له ألزم وقد كان الرجل من العرب يقف الموقف فيرسل عدة أمثال سائرة ولم يكن الناس جميعا يتمثلون بها الا لما فيها من المرفق والانتفاع ومدار العلم على الشاهد والمثل وانما حثوا على الصمت لان العامة الى معرفة خطأ القول أسرع منهم الى معرفة خطأ الصمت ومعنى الصامت في صمته أخفى من معنى القائل في قوله والا فالسكوت عن قول الحق في معنى النطق بالباطل ولعمري ان الناس الى الكلام لأسرع لان في اصل التركيب ان الحاجة الى القول والعمل اكثر من الحاجة الى ترك العمل والسكوت عن جميع القول وليس الصمت كله أفضل من الكلام كله ولا الكلام كله أفضل من السكوت كله بل قد علمنا ان عامة الكلام أفضل من عامة السكوت وقد قال الله عز وجل سماعون للكذب أكالون للسحت فجعل سمعه وكذبه سواء وقال الشاعر بني عدي ألا ينهى سفيهكم إن السفيه اذا لم ينه مأمور وقال الآخر فان أنا لم آمر ولم أنه عنكما ضحكت له حتى يلج ويستشري وكيف يكون الصمت أنفع والايثار له أفضل ونفعه لا يكاد يجاوز رأس صاحبه ونفع الكلام يعم ويخص والرواة لم يرووا سكوت الصامتين كما روت كلام الناطقين وبالكلام أرسل الله انبياءه لا بالصمت ومواضع الصمت المحمودة قليلة ومواضع الكلام المحمودة كثيرة وطول الصمت يفسد البيان وقال بكر بن عبد الله المزني طول الصمت حبسه كما قال عمر ترك الحركة عقله واذا ترك الانسان القول ماتت خواطره وتبلدت نفسه وفسد حسه وكانوا يروون صبيانهم الارجاز ويعلمونهم المناقلات ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الاعراب لان ذلك يفتق اللهات ويفتح الجرم واللسان اذا اكثرت تحريكه رق ولان واذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسأ وغلظ وقال عبابة الجعفي لولا الدربة وسوء العادة لأمرت فتياننا ان يماري بعضهم بعضا وأية جارحة منعتها الحركة ولم تمرنها على الاعمال أصابها من التعقد على حسب ذلك المنع فلم قال رسول الله للنابغة الجعدي لا يفضض الله فاك ولم قال لكعب بن مالك ما نسي الله لك مقالك ذلك ولم قال لهيذان بن شيخ رب خطيب من عبس ولم قال لحسان لما هيج الغطاريف على بني عبد مناف والله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام ح
وما نشك انه عليه وعلى آله السلام قد نهى عن المراء وعن التزيد والتكلف وعن كل ما ضارع الرياء أو السمعة والنفج والبذخ وعن التهاتر والتشاغب وعن المغالبة والمماتنة فاما نفس البيان فكيف ينهي عنه وأبين الكلام كلام الله وهو الذي مدح التبيين وأهل التفصيل وفي هذا كفاية ان شاء الله قال دغفل بن حنظلة ان للعلم أربعا آفة ونكدا واضاعة واستجاعة فآفته النسيان ونكده الكذب واضاعته وضعه في غير موضعه واستجاعته انك لا تشبع منه وانما عاب الاستجاعة لسوء تدبير اكثر العلماء ولخرق سياسة اكثر الرواة لان الرواة اذا شغلوا عقولهم بالازدياد والجمع عن تحفظ ما قد حصلوه وتدبر ما قد دونوه كان ذلك الازدياد داعيا الى النقصان وذلك الربح سببا للخسران وقد جاء في الحديث منهومان لا يشبعان منهوم في العلم ومنهوم في المال وقالوا علم علمك وتعلم علم غيرك فاذا انت قد علمت ما جهلت وحفظت ما علمت وقال الخليل بن احمد اجعل تعليمك دراسة لعلمك واجعل مناظرة المتعلم تنبيها لك على ما ليس عندك وقال بعضهم وأظنه بكر بن عبد الله المزني لا تكدوا هذه القلوب ولا تهملوها فخير الكلام ما كان عقب الجمام ومن أكره بصره عشي وعاودوا الفكر عند نبوات القلوب واشحذوها بالمذاكرة ولا تيأسوا من إصابة الحكمة اذا امتحنتم ببعض الاستغلاق فان من أدام قرع الباب ولج وقال الشاعر اذا المرء أعيته المروءة ناشئا فمطلبها كهلا عليه شديد وقال الاحنف السؤدد مع السواد وتقول الحكماء من لم ينطق بالحكمة قبل الاربعين لم يبلغ فيها وأنشد ودون الندى في كل قلب ثنية لها مصعد حزن ومنحدر سهل وود الفتى في كل نيل ينيله اذا ما انقضى لو ان نائله جزل
وقال الهذلي وان سيادة الاقوام فاعلم لها صعداء مطلبها طويل أترجو ان تسود ولن تعنى وكيف يسود ذو الدعة البخيل صالح بن سليمان عن عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض الا ما كان من الحجاج وإياس ابن معاوية فان عقولهما كانت ترجح على عقول الناس أبو الحسن قال سمعت ابا الصغرى الحارثي يقول كان الحجاج أحمق بنى مدينة واسط في بادية النبط ثم قال لهم لا تدخلوها فلما مات دلفوا اليها من قريب سمعت قحطبة الجشمي يقول كان اهل البصرة لا يشكون انه لم يكن بالبصرة رجل أعقل من عبيد الله بن الحسن وعبيد الله بن سالم وقال معاوية لعمرو بن العاص ان أهل العراق قد قرنوا بك رجلا طويل اللسان قصير الرأي فأجد الحز وطبق المفصل واياك ان تلقاه برأيك كله باب ما قالوا فيه من الحديث الحسن الموجز المحذوف القليل الفضول قال الشاعر لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر وقال ابن احمر تضع الحديث على مواضعه وكلامها من بعده نزر وقال الآخر حديث كطعم الشهد حلو صدوره وأعجازه الخطبان دون المحارم وقال بشار أنس غرائر ما هممن بريبة كظباء مكة صيدهن حرام يحسبن من أنس الحديث زوانيا ويصدهن عن الخنا الاسلام وقال بشار فنعمنا والعين حي كميت بحديث كنشوة الخندريس وقال بشار وكأن رفض حديثها قطع الرياض كسين زهرا وتخال ما جمعت عليه ثيابها ذهبا وعطرا وكأن تحت لسانها هاروت ينفث فيه سحرا وقال بشار العقيلي وفتاة صب الجمال عليها بحديث كلذة النشوان وقال بشار وبكر كنوار الرياض حديثها تروق بوجه واضح وقوام وقال بشار وحديث كأنه قطع الروض وفيه الصفراء والحمراء وقال الاخطل فأسرين خمسا ثم أصبحن غدوة يخبرن أخبارا ألذ من الخمر أخبرنا عامر بن صالح ان عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز كتب الى امرأته وعنده اخوان له ان عندي أبقاك ربك ضيفا واجبا حقهم كهولا ومردا طرقوا جارك الذي كان قدما لا يرى من كرامة الضيف بدا فلديه أضيافه قد قراهم وهم يشتهون تمرا وزبدا فلهذا جرى الحديث ولكن قد جعلنا بعض المزاحة جدا وأنشد الهذلي كروا الأحاديث عن ليلى اذا بعدت إن الأحاديث عن ليلى لتلهيني وقال الهذلي في حلاوة الحديث وإن حديثا منك لو تبذلينه جني النحل أو ألبان عوذ مطافل مطافيل ابكار حديث نتاجها تشاب بماء مثل ماء المفاصل وفي الكلام الموزون يقول عبد الله بن معاية بن عبد الله بن جعفر فالزم الصمت ان في الصمت حكما واذا أنت قلت قولا فزنه وقال ابو ذؤيب وسرب يطلى بالعجير كأنه دماء ظباء بالنحور ذبيح بذلت لهن القول انك واجد لما شئت من حلو الكلام فصيح وأنشد للحكم بن ريحان من بني عمرو بن كلاب ياأجدل الناس ان جادلته جدلا وأكثر الناس ان عاتبته عللا كأنما عسل رجعان منطقها ان كان رجع الكلام يشبه العسلا وقال القطامي وفي الخدور غمامات برقن لنا حتى تصيدننا من كل مصطاد فهن ينبذن من قول يصبن به مواقع الماء من ذي الغلة الصادي وقال الاخطل شمس اذا خطل الحديث أوانس يرقبن كل مرقب تنبال أنف كأن حديثهن تنادم بالكأس كل عقيلة مكسال وقال ابو العميثل لقيت ابنة السهمي زينب من غفر ونحن حرام مسى عاشرة العشر وإني وأياها لحتم مبيتنا جميعا ومسرانا مغذ وذو فتر فكلمتها ثنتين كالثلج منهما على اللوح والاخرى أحر من الجمر وانشد وإنا لتجري بيننا حين نلتقي حديثا له وشي كوشي المطارف حديث كطعم القطر في المحل يشتفى به من جوى في داخل القلب لاطف وقال الشماخ بن ضرار التغلبي يقر بعيني ان أنبأ أنها وان لم أنلها أيم لم تزوج وكنت اذا لاقيتها كان سرنا وما بيننا مثل الشواء الملهوج وقال جران العود فنلنا سقاطا من حديث كأنه جنى النحل أو ابكار كرم يقطف حديثا لو ان البقل يولى بمثله زها البقل واخضر العضاة المصيف وقال الكميت وحديثهن اذا التقين تهانف البيض الغرائر فاذا ضحكن عن العذاب لنا المسفات الثواغر كان التهلل بالتبسم لا الفهاهة بالقراقر وقال الآخر ولما تلاقينا جرى من عيوننا دموع كففناغربها بالأصابع ونلنا سقاطا من حديث كأنه جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع
وقال الاشعث بن سمى هل تعرف المبدا الى السنام ناط به سواحر الكلام كلامهن برء ذي السقام وقال الراجز ووصف عيون الظباء بالسحر وذكرر قوسا صفراء فقال صفراء فرع خطموها بوتر لام ممر مثل حلقوم النغر حدت ظبات اسهم مثل الشرر فصرعتهن بأكناف الحفر حور العيون بابليات النظر يحسبها الناظر من وحش البشر ويروى البقر باب آخر من الاسجاع في الكلام قال عمر بن ذر الله المستعان على ألسنة تصف وقلوب تعرف وأعمال تخلف ولما مدح عتيبة بن مرداس عبد الله بن عباس قال لا أعطي من يعصي الرحمن ويطيع الشيطان ويقول البهتان وفي الحديث المأثور يقول العبد مالي مالي وانما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو أعطيت فأمضيت أو لبست فأبليت وقال النمر بن تولب أعاذل ان يصبح صداي بقفرة بعيدا فآتى صاحبي وقريبي ترى ان ما أبقيت لم أك ربه وأن الذي أنفقت كان نصيبي ووصف أعرابي رجلا فقال صغير القدر قصير الشبر ضيق الصدر لئيم النجر عظيم الكبر كثير الفخر ووصف بعض الخطباء رجلا فقال ما رأيت أضرب المثل ولا أركب لجمل ولا أصعد في قلل منه وسأل بعض الامراء رسولا قدم من جهة السند كيف رأيتم البلاد فقال ماؤها وشل ولصها بطل وتمرها دقل ان كثر الجند بها جاعوا وان قلوا بها ضاعوا وقيل لصعصعة بن معاوية من اين أقبلت قال من الفج العميق قيل فأين تريد قال البيت العتيق قيل هل من مطر قال نعم حتى عفا الاثر وانضر الشجر ودهده الحجر واستجار عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بمحمد بن مروان بنصيبين وتزوج بها امرأة فقال محمد كيف ترى نصيبين قال كثيرة العقارب قليلة الاقارب وولى علاء الكلابي عملا خسيسا بعد ان كان على عمل جسيم فقال العنوق بعد النوق قال ونظر رجل من العباد الى باب بعض الملوك فقال باب جديد وموت عتيد ونزع شديد وسفر بعيد وقيل لبعض العرب أي شيء تمنى واي شيء أحب اليك قال لواء منشورا والجلوس على السرير والسلام عليك ايها الامير وقيل لآخر وصلى ركعتين وأطال فيهما وقد كان أمر بقتله أجزعت من الموت فقال ان أجزع فقد أرى كفنا منشور وسيفا مشهورا وقبرا محفورا وقال عبد الملك بن مروان لاعرابي ما أطيب الطعام قال بكرة سنمة معتبطة غير ضمنه في قدور رذمه بشفار خذمه في غداة شبمه فقال عبد الملك وأبيك لقد أطبت وقالوا لا تغتر بمناصحة الامير اذا غشك الوزير وقالوا من صادق الكتاب أغنوه ومن عاداهم أفقروه وقالوا اجعل قول الكذاب ريحا تكن مستريحا وقيل لعبد الصمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي لم تؤثر السجع على المنثور وتلزم نفسك القوافي وإقامة الوزن قال ان كلامي لو كنت لا آمل فيه إلا سماع الشاهد لقل خلافي عليك ولكني أريد الغائب والحاضر والراهن والغابر فالحفظ اليه أسرع والآذان لسماعه انشط وهو أحق بالتقييد وبقلة التفلت وما تكلمت به العرب من جيد المنثور اكثر مما تكلمت به من جيد الموزون فلم يحفظ من المنثور عشره ولا ضاع من الموزون عشره قالوا فقد قيل للذي قال يا رسول الله أرأيت من لا شرب ولا أكل ولا صاح فاستهل أليس مثل ذلك بطل فقال رسول الله أسجع كسجع الجاهيلة ح قال عبد الصمد لو ان هذا المتكلم لم يرد الا الاقامة لهذا الوزن لما كان عليه بأس ولكنه عسى ان يكون أراد إبطالا لحق فتشادق في كلامه وقال غير عبد الصمد وجدنا الشعر من القصيد والرجز قد سمعه رسول الله واستحسنه وأمر به شعراءه وعامة اصحاب رسول الله قد قالوا شعرا قليلا كان ذلك أم كثيرا وسمعوا واستنشدوا فالسجع والمزدوج دون القصيد والرجز فكيف يحل ما هو اكثر ويحرم ما هو أقل وقال غيرهما اذا لم يطل ذلك ولم تكن القوافي مطلوبة مجتلبة أو ملتمسة متكلفة وكان ذلك كقول الاعرابي لعامل الماء حلبت ركابي وحرقت ثيابي وضربت صحابي ومنعت إبلي من الماء والكلاء قال أو سجع أيضا فقال الاعرابي فكيف أقول لانه لو قال حلبت إبلي أو جمالي أو نوقي أو بعراني أو صرمتي لكان لم يعبر عن حق معناه وانما حلبت ركابه فكيف يدع الركاب الى غير الركاب وكذا قوله حرقت ثيابي وضربت صحابي لان الكلام اذا قل وقع وقوعا لا يجوز تغييره واذا طال وجدت في القوافي ما يكون مجتلبا ومطلوبا مستكرها وفي الحديث المأثور ويدخل على من طعن في قوله تعالى تبت يد ابي لهب وزعم انه شعر لانه في تقدير مستفعلن مفاعلن وطعن في قوله عليه السلام هل انت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت فيقال له اعلم انك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم لوجدت فيها مثل مستفعلن فاعلن كثيرا وليس احد في الارض يجعل ذلك المقدار شعرا ولو ان رجلا من الباعة صاح من يشتري باذنجان لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولان فكيف يكون هذا شعرا وصاحبه لم يقصد الى الشعر ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام واذا جاء المقدار الذي يعلم انه من نتاج الشعر والمعرفة بالاوزان والقصد اليها كان ذلك شعراء وهذا قريب والجواب فيه سهل بحمد الله وسمعت غلاما لصديق لي وكان قد سقى بطنه يقول لغلمان مولاه اذهبوا بي الى الطبيب و قولوا قد اكتوى وهذا الكلام يخرج وزنه فاعلاتن مفاعلن مرتين وقد علمت ان هذا الغلام لم يخطر بباله قط ان يقول بيت شعر ابدا ومثل هذا كثير لو تتبعته في كلام حاشيتك وغلمانك لوجدته وكان الذي كره الاسجاع بعينها وان كانت دون الشعر في التكلف والصنعة ان كهان العرب الذين كان اكثر اهل الجاهلية يتحاكمون اليهم وكانوا يدعون الكهانة وان مع كل واحد منهم رئيا من الجن مثل حازي جهينة ومثل شق وسطيح وعزى سلمة أشباههم كانوا يتكهنون ويحكمون بالاسجاع كقوله والارض والسماء والعقاب والصقعاء واقعة ببقعاء لقد نفر المجد بني العشراء للمجد والسناء وهذا الباب كثير ألا ترى إن ضمرة بن ضمرة وهرم بن قطبة والاقرع بن حابس ونفيل بن عبد العزي كانوا يحكمون وينفرون بالاسجاع وكذلك ربيعة ابن حذار فوقع النهي في ذلك لقرب عهدهم بالجاهلية ولبقيتها فيهم وفي صدور كثير منهم فلما زالت العلة زال التحريم وقد كان الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين فتكون في تلك الخطب أسجاع كثيرة فلم ينهوا منهم أحدا وكان الفضل بن عيسى الرقاشي سجاعا في قصصه وكان عمرو بن عبيد وهشام بن حسان وأبان بن أبي عياش يأتون مجلسه قال له داود بن ابي هند لولا انك تفسر القرآن برأيك لأتيناك في مجلسك قال فهل تراني أحرم حلالا وأحل حراما وانما كان يتلو الآية التي فيها ذكر النار والجنة والحشر والموت وأشباه ذلك وقد كان عبد الصمد الفضل وابو العباس القاسم بن يحيى وعامة قصاص البصرة وهم أخطب من الخطباء يجلس اليهم عامة الفقهاء وقد كان النهي ظاهرا عن مرثية أمية بن ابي الصلت لقتلى أهل بدر كقوله هلا بكيت على الكرام بني الكرام أولى الممادح وروى ناس شبيها بذلك في هجاء الاعشى لعلقمة بن علاثة فلما زالت العلة زال النهي وقال ابو واثلة بن خليفة في عبد الملك بن المهلب لقد صبرت للدل أعواد منبر تقوم عليها في يديك قضيب بكى المنبر الغربي إذ قمت فوقه فكادت مسامير الحديد تذوب رأيتك لما شبت أدركك الذي يصيب سراة الأزدحين تشيب سفاهة أحلام وبخل بنائل وفيك لمن عاب المزون عيوب وخطب الوليد بن عبد الملك فقال ان أمير المؤمنين عبد الملك كان يقول
ان الحجاج جلدة ما بين عيني ألا وانه جلدة وجهي كله وخطب الوليد بعد وفاة الحجاج وتوليته يزيد بن أبي مسلم فقال انما مثلي ومثل يزيد بن ابي مسلم بعد الحجاج كمن سقط منه درهم فأصاب دينارا شبيب بن شيبة قال حدثني خالد بن صفوان قال خطبنا يزيد بن المهلب بواسط فقال اني قد اسمع قول الرعاع قد جاء مسلمة وقد جاء العباس وقد جاء اهل الشام وما اهل الشام إلا تسعة أسياف سبعة منها معي واثنان علي واما مسلمة فجرادة صفراء واماالعباس فنسطوس بن نسطوس أتاكم في برابرة وصقالبة وجرامقة وجراجمة وأقباط وأنباط وأخلاط من الناس انما أقبل اليكم الفلاحون والاوباش كأشلاء اللحم والله ما لقوا أقواما قط كحدكم وحديدكم وعدكم و عديدكمأعيروني سواعدكم ساعة من نهار تصفقون بها خراطيمهم فانما هي غدوة أو روحة حتى يحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين ومدح ببشار هزار مرد العتكي بالخطب وركوبه المنابر بل رثاه وابنه فقال ما بال عينك دمعها مسكوب سهرت فانت بنومها محروب وكذاك من صحب الحوادث لم يزل تأتي عليه سلامة ونكوب يا أرض ويحك أكرميه فانه لم يبق للعتكي فيك ضريب أبهى على خشب المنابر قائما يوما وأحزم اذ تشب حروب خطباء البصرة كان سوار بن عبد الله أول تميمى خطب على منبر البصرة ثم خطب عبيد الله بن الحسن وولى منبر البصرة أربعة من القضاة فكانوا قضاة أمراء بلال وسوار وعبيد الله وأحمد بن رباح وكان بلال قاضيا بن قاض بن قاض وقال رؤبة فانت يا ابن القاضيين قاض معتزم على الطريق ماض وقال أبو الحسن المدائني كان عبيد الله بن الحسن حيث وفد على المهدي معزبا أعدله كلاما فبلغه ان الناس أعجبهم كلامه فقال لشبيب بن شيبة أني والله ما التفت الى هؤلاء ولكن سل لي عنها ابا عبيد الله الكاتب فسأله فقال ما أحسن ما تكلم به على أنه اخذ مواعظ الحسن ورسائل غيلان فلقح بينهما كلاما فاخبره بذلك شبيب فقال عبيد الله لا والله ان أخطأ حرفا واحدا وكان محمد بن سليمان له خطبة لا يغيرها وكان يقول ان الله وملائكته فكان يرفع الملائكة فقيل له في ذلك فقال خرجوا لها وجها ولم يكن يدع الرفع قال وصلى بنا زيمة نشكو النحر فخطب فلم يسمع من كلامه الا ذكر أميرالمؤمنين الرشيد وولي عهده محمد قال وكان زهير بن محمد الضبي يداريه اذا قرع المنبر وقال الشاعر أمير المؤمنين اليك نشكو وان كنا نقوم بغير عذر غفرت ذنوبنا وعفوت عنا وليست منك ان تعفو ببكر فان المنبر البصري يشكو على العلات اسحق بن شمر أضبي على خشبات ملك كمركب ثعلب ظهر الهزبر وقال بعض شعراء العسكر يهجو رجلا من أهل العسكر ما زلت تركب كل شيء قائم حتى أجترأت على ركوب المنبر ما زال منبرك الذي دنسته بالامس منك كحائض لم تطهر وقال آخر فما منبر دنسته باست افكل بزاك ولو طهرته بابن طاهر باب اسجاع عبد الله بن المبارك عن بعض أشياخه عن الشعبي قال قال عيسى بن مريم عليه السلام البر ثلاثة المنطق والمنظر والصمت فمن كان منطقه في غير ذكر فقد لغا ومن كان نظره في غير اعتبار فقدسها ومن كان صمته في غير فكر فقد لها وقال علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه أفضل العبادة الصمت وانتظار الفرج وقال يزيد بن المهلب وهو في الحبس والهفاه على طلبة بمائة ألف وفرج في وجبهة الاسد وقال عمر رضي الله تعالى عنه استغزروا الدموع بالتذكر وقال الشاعر ولا يبعث الاحزان مثل التذكر
حفص قال سمعت عيسى بن عمر يقول سمعنا الحسن يقول اقدعوا هذه النفوس فانها طلعة واعصوها فانكم ان أطعتموها ننزع بكم الى شر غاية وحادثوها بالذكر فانها سريعة الدثور قال فحدثت بهذا الحديث أبا عمر وبن العلاء فتعجب من كلامه وقال الشاعر سمعنا بهيجا اوجفت فذكرته ولا يبعث الاحزان مثل التذكر ومن الاسجاع قول أيوب بن القرية وقد كان دعي لكلام فاحتبس القول عليه فقال قد طال السمر وسقط القمر واشتد المطر فماذا ينتظر فاجابه فتى من عبد القيس فقال قد طال الارق وسقط الشفق وكثر اللثق فلينطق من نطق وقال أعرابي لرجل نحن والله اكل منكم للمأدوم واكسب منكم للمعدوم وأعطى منكم للمحروم ووصف اعرابي رجلا فقال ان رفدك لنحيح و ان خيرك لسريح وان منعك لمريح سريح وقال عبد الملك لاعرابي ما أطيب الطعام فقال بكرة سنمة في قدور رذمة يشفار خذمة في غداة شبمة فقال عبد الملك وأبيك لقد أطبت وسئل أعرابي فقيل له ما أشد البرد فقال ريح جربياء في طل عماء في غب سماء ودعا أعرابي فقال اللهم أني أسألك البقاء والنماء وطيب الاتاء وحط الاعداء ورفع الاولياء وقال ابرهيم النخعي لمنصور بن المعتمر سل مسألة الحمقى واحفظ حفظ الكيسي ووصفت عمه حاجز اللص حاجزا ففضلته وقالت كان حاجز لا يسبع ليلة يضاف ولا ينام ليلة يخاف ووصف بعضهم فرسا فقال أقبل بزبرة الاسد وأدبر بعجز الذئب ولما اجتمع الناس وقامت الخطباء لبيعة يزيد واظهر قوم الكراهة قام رجل يقال له يزيد بن المقنع فاخترط من سيفه شبرا ثم قال هذا أمير المؤمنين وأشار بيده الى معاوية فان مات فهذا واشار بيده الى يزيد فمن أبي فهذا واشار بيده الى سيفه فقال معاوية انت سيد الخطباء ولما قامت خطباء نزار عند معاوية فذهبت في الخطب كل مذهب قام صبرة ابن شيمان فقال يا أمير المؤمنين إنا حي فعال ولسنا حي مقال ونحن نبلغ بفعالنا أكثر من مقال غيرنا ولما وفد الاحنف في وجوه أهل البصرة الى عبد الله بن الزبير تكلم ابو حاضر الاسيدي وكان خطيبا جميلا فقال له عبد الله بن الزبير أسكت فوالله لوددت أن لي بكل عشرة من أهل العراق رجلا من اهل الشام صرف الدينار بالدرهم قال يا أمير المؤمنين ان لنا ولك مثلا أفتأذن في ذكره قال نعم قال مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام قول الاعشى حيث يقول علقتها عرضا وعلقت رجلا غيري وعلق أحرى غيرها الرجل أحبك اهل العراق وأحببت اهل الشام وأحب اهل الشام عبد الملك ابن مروان علي بن مجاهد عن حميد بن ابي البختري قال ذكر معاوية لابن الزبير بيعة يزيد فقال ابن الزبير اني أناديك ولا اناجيك ان اخاك من صدقك فانظر قبل ان تقدم وتفكر قبل ان تندم فان النطر قبل التقدم والتفكير قبل التندم فضحك معاوية ثم قال تعلمت ابا بكر السجاعة عند الكبر ان في دون ما سجعت به على اخيك ما يكفيك ثم اخذ بيده فأجلسه معه على السرير اخبرنا ثمامة بن أشرس قال لما صرفت اليمانية من اهل مزة الماء عن اهل دمشق ووجهوه الى الصحاري كتب اليهم أبو الهيذام الى بني استها اهل مزة ليمسينني الماء أو لتصبحنكم الخيل قال فوافاهم الماء قبل ان يعتموا اي يصيرون في وقت عتمة الليل وعتمته ظلامه يقال عتم الليل يعتم اذا أظلم واعتم الناس صاروا في وقت العتمة فقال ابو الهيذام الصدق ينبي عنك لا الوعيد وحدثني ثمامة عمق قدم عليه من اهل الشام قال لما بايع الناس يزيد ابن الوليد واتاه الخبر عن مروان بن محمد ببعض التلكؤ والتحبس كتب اليه
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين يزيد بن الوليد الى مروان ابن محمد اما بعد فاني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى فأذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام وههنا مذاهب تدل على اصالة الرأي ومذاهب تدل على تمام النفس وعلى الصلاح والكمال لا أرى كثيرا من الناس يقفون عليها واستعمل عبد الملك بن مروان نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرث خال مروان على مكة فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان بحذاء المنبر فشتم طلحة والزبير فلما نزل قال لأبان أرضيتك من المدهنين في أمير المؤمنين قال لا والله ولكن سؤتني حسبي ان يكونا شركاء في أمره فما أدري ايهما احسن كلام أبان بن عثمان هذا ام إسحق بن عيسى فانه قال أعيذ عليا بالله ان يكون قتل عثمان وأعيذ عثمان بالله ان يقتله علي فمدح عليا بكلام سديد غير نافر ومقبول غير وحشي وذهب الى معنى الحديث في قول رسول الله أشد اهل النار عذابا من قتل نبيا أو قتله نبي ب ح يقول لا يتفق ان يقتله نبي بنفسه إلا وهو أشد خلق الله معاندة وأجرأهم على معصيته فيقول لا يجوز ان يقتله علي إلا وهو مستحق للقتل خطبة من خطب النبي خطب النبي بعشر كلمات حمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس ان لكم معالم فانتهوا الى معالكم وان لكم نهاية فانتهوا الى نهايتكم ان المؤمن بين مخافتين بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لاخرته ومن الشبيبة قبل الكبرة ومن الحياة قبل الموت فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ح ابو الحسن المدائني قال تكلم عمار بن ياسر يوما فأوجز فقيل له لو زردتنا قال أمرنا رسول الله باطالة الصلاة وقصر الخطبة محمد بن اسحق عن يعقوب بن عتبة عن شيخ من الانصار من بني زريق ان
ان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما أتى بسيف النعمان بن المنذر دعا جبير ابن مطعم فسلحه إياه ثم قال يا جبير ممن كان النعمان قال من أشلاء قنص بن معد وكان جبير أنسب العرب وكان أخذ النسب عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وعن جبير أخذ سعيد بن المسيب وروى عن بعض ولد طلحة قال قلت لسعيد بن المسيب علمني النسب قال انت رجل تريد ان تساب الناس وثلاثة في نسق واحد كانوا أصحاب نسب عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه أخذ ذلك عن الخطاب والخطاب بن نفيل ونفيل عبد العزى تنافر اليه عبد المطلب وحرب ابن أمية فنفر عبد المطلب أي حكم لعبد المطلب والمنافرة المحاكمة والنساب اربعة دغفل بن حنظلة وعميرة ابو ضمضام وصبح الحنفي وابن الكيس النمري قال الاصمعي دغفل بن حنظلة النسابة الكبرى وكان نصرانيا ولم يسمه خطب سليمان بن عبد الملك فقال إتخذوا كتاب الله إماما وارضوا به حكما واجعلوه قائدا فانه ناسخ لما قبله ولم ينسخه كتاب بعده وأول كلام بارع سمعوه منه الكلام فيما يعينك خير من السكوت عما يضرك والسكوت عما لا يعنيك خير من الكلام فيما يضرك وقال خلاد بن يزيد الارقط سمعت من يخبرنا عن الشعبي قال ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا تمنيت ان يسكت خوفا من ان يسيء الا زيادا فانه كلما كان اكثر كان أجود كلاما وكان نوفل بن مساحق اذا دخل على امرأته صمت واذا خرج من عندها تكلم فرأتة يوما كذلك فقالت أما عندي فتطرق واما عند الناس فتنطق قال لاني أدق عن جليلك وتجلين عن دقيقي قال ابو الحسن قاد عياش بن الزبرقان بن بدر الى عبد الملك بن مروان خمسة وعشرين فرسا فلما جلس لينظر اليها نسب كل فرس منها الى جميع ابائه وأمهاته وحلف على كل فرس بيمين غير اليمين التي حلف بها على الفرس الآخر فقال عبد الملك بن مروان عجبي من اختلاف ايمانه أشد من عجبي من معرفته بأنساب الخيل وقال كان للزبرقان بن بدر ثلاثة اسماء القمر والزبرقان والحصين وكانت له ثلاث كنى أبو شذرة وأبو عياش وأبو عباس وكان عياش ابنه خطيبا ماردا شديد العارضة شديد الشكيمة وجيها وله يقول جرير أعياش قد ذاق القيون مرارتي وأوقدت نارا فادن دونك فاصطل فقال عياش اني اذا لمقرور قالوا فغلب عليه باب اسماء الخطباء والبلغاء والابيناء وذكر قبائلهم وأنسابهم كان التدبير في اسماء الخطباء وحالاتهم وأوصافهم ان نذكر اسماء اهل الجاهلية على مراتبهم واسماء اهل الاسلام على منازلهم ونجعل لكل قبيلة منهم خطباء ونقسم أمورهم بابا بابا على حدته ونقدم من قدمه الله عز وجل ورسوله في النسب وفضله في الحسب ولكني لما عجزت عن نظمه وتنضيده تكلفت ذكرهم في الجملة والله المستعان وبه التوفيق ولا حول ولا قوة الا به كان الفضل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس وكان متكلما وكان قاصا مجيدا وكان يجلس اليه عمرو بن عبيد وهشام بن حسان وأبان بن ابي عياش وكثير من الفقهاء وهو رئيس الفضيلة واليه ينسبون وخطب اليه ابنته سوادة بنت الفضل سليمان بن طرخان التيمي فولدت له المعتمر بن سليمان وكان سليمان مباينا للفضل في المقالة فلما ماتت سوادة شهد الجنازة المعتمر وابوه فقدما الفضل وكان الفضل لا يركب الا الحمير فقال له عيسى بن حاضر انك لتؤثر الحمير على جميع المركوب فلم ذلك قال لما فيها من المرافق والمنافع قال مثل اي شيء قال لا تستبدل بالمكان على قدر اختلاف الزمان ثم هي أقلها داء وأيسرها دواء وأسلم صريعا واكثر تصريفا وأسهل مرتقى وأخفض مهوى وأقل جماحا وأشهر فارها وأقل نظيرا يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه ويكون مقتصدا وقد أسرف في ثمنه قال ونظر يوما الى حمار فاره تحت سالم بن قتيبة فقال قعدة نبي وبذلة جبار قال عيسى بن حاضر ذهب الى حمار غرير والى حمار مسيح الدجال والى حمار بلعم وكان يقول لو أراد ابو سيارة عميلة بن اعزلة ان يدفع بالموسم على فرس عربي أو جمل مهري لفعل ولكنه ركب عيرا أربعين عاما لانه كان يتأله وقد ضرب به المثل فقالوا أصح من عير أبي سيارة والفضل هو الذي يقول في قصصه سل الارض فقل من شق انهارك وغرس اشجارك وجنى ثمارك فان لم تجبك حوارا اجابتك اعتبارا وكان عبد الصمد بن الفضل اغزر من أبيه واعجب وأبين واخطب وحدثني ابو جعفر الصوفي القاص قال تكلم عبد الصمد في خلق البعوضة وفي جميع شأنها ثلاثة مجالس تامة وكان يزيد بن أبان عم الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي من اصحاب أنس والحسن كان يتكلم في مجلس الحسن وكان زاهدا عابدا وعالما فاضلا وكان قاصا مجيدا قال ابو عبيدة وكان ابوهم خطيبا وكذلك جدهم وكانوا خطباء الاكاسرة فلما سبوا وولد لهم الاولاد في بلاد الاسلام وفي جزيرة العرب نزعهم ذلك العرق فقاموا في اهل هذه اللغة كمقامهم في أهل تلك اللغة وفيهم شعر وخطب وما زالوا كذلك حتى اصهر الغرباء اليهم ففسد ذلك العرق ودخله الخور ومن خطباء إياد قس بن ساعدة وهو الذي قال فيه النبي رأيته بسوق عكاظ على جمل احمر وهو يقول أيها الناس اجتمعوا فاسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت وهو القائل في هذه ايات محكمات مطر ونبات واباء وأمهات وذاهب وات ونجوم تمور وبحور لا تغور وسقف مرفوع ومهاد موضوع وليل داج وسماء ذات أبراج مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون أرضوا فأقاموا أم حبسوا فناموا وهو القائل يا معشر إياد أين ثمود وعاد وأين الآباء والاجداد اين المعروف الذي لم يشكر والظلم الذي لم ينكر أقسم قس قسما بالله ان لله دينا هوأرضى له من دينكم هذا وأنشدوا له هذه في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها تمضي الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي ولا يبقى من الباقين غابر أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر ومن الخطباء زيد بن علي بن الحسين وكان خالد بن عبد الله أقر على زيد بن علي وداود بن علي وايوب بن سلمة المخزومي وعلي بن محمد بن عمر بن علي وعلى ابن سعد بن ابراهيم بن الرحمن بن عوف فسأل هشام زيدا عن ذلك فقال أحلف لك قال واذا حلفت اصدقك قال زيد اتق الله قال أو مثلك يا زيد يأمر مثلي بتقوى الله قال زيد لا احد فوق ان يوصى بتقوى الله ولا دون ان يوصي بتقوى الله قال هشام بلغني انك تريد الخلافة ولا تصلح لها لانك ابن أمة قال زيد فقد كان اسماعيل بن ابراهيم صلوات الله عليه ابن أمة واسحق عليه السلام ابن حرة فأخرج الله عز وجل من صلب اسماعيل عليه السلام خير ولد آدم محمدا فعندها قال له قم قال اذا لا تراني الا حيث تكره ولما خرج من الدار قال ما احب احد الحياة قط الا ذل فقال له سالم مولى هشام لا يسمعن هذا الكلام منك احد وقال محمد بن عمير ان زيدا لما رأى الارض قد طبقت جورا ورأى قلة الاعوان ورأى تخاذل الناس كانت الشهادة احب المنيات اليه وكان زيد كثيرا ما ينشد شرده الخوف وزرى به كذاك من يكره حر الجلاد منخرق الخفين يشكو الوحى تنكبه أطراف مرو جداد قد كان في الموت له راحة والموت حتم في رقاب العباد قال وكثيرا ما ينشد شعر العبسي في ذلك ان المحكم من لم يرتقب حسبا أو يرهب السيف أو حد القنا جنفا من عاذ بالسيف لاقى فرصة عجبا موتا على عجل أو عاش منتصفا ولما بعث يوسف بن عمر برأس زيد ونصر بن خزيمة مع شيبة بن عقال وكلف ال أبي طالب ان يبرأوا من زيد ويقوم خطباؤهم بذلك فأول من قام عبد الله بن الحسن فأوجز في كلامه ثم جلس ثم قام عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فاطنب في كلامه وكان شاعرا بينا وخطيبا لسنا فانصرف الناس وهم يقولون ابن الطيار أخطب الناس فقيل لعبد الله بن الحسن في ذلك فقال لو شئت ان اقول لقلت ولكن لم يكن مقام سرور فأعجب الناس ذلك منه ومن اهل الدهاء والنكراء ومن اهل اللسن واللقن والجواب العجيب والكلام الصحيح والامثال السائرة والمخارج العجيبة هند بنت الخس وهي الزرقاء وخمعة بنت حابس ويقال ان حابسا من إياد وقال عامر ابن عبد الله الفزاري جمع بين هند وخمعة فقيل لخمعة أي الرجال احب اليك قالت الشنق الكبد الظاهر الجلد الشديد الجذب بالمسد فقيل لهند اي الرجال احب اليك قالت القريب الامد الواسع البلد الذي يوفد اليه ولا يفد وقد سئلت هند عن حر الصيف وبرد الشتاء فقالت من جعل بؤسا كأذى وقد ضرب بها المثل فمن ذلك قول ليلى بنت النضر الشاعرة وكنز ابن جدعان دلالة أمه وكانت كبنت الخس أو هي أكبر وقال ابن الاعرابي يقال بنت الخس وبنت الخص وهي الزرقاء وبنت الخسف وقال يونس لا يقال الا بنت الاخس وهي الزرقاء وقال ابو عمرو بن العلاء داهيتا نساء العرب هند الزرقاء وعنز الزرقاء وهي زرقاء اليمامة قال اليقطري قيل لعبد الله بن الحسن ما تقول في المراء قال ما عسى ان أقول في شيء يفسد الصداقة القديمة ويحتل العقدة الوثيقة وان كان لأقل ما فيه ان يكون دربه للمغالبة والمغالبة من امتن أسباب الفتنة ان رسول الله لما أتاه السائب بن صيفي فقال اتعرفني يا رسول الله قال كيف لا اعرف شريكي الذي كان لا يشاريني ولا يماريني قال فتحولت الى زيد بن علي فقلت له الصمت خير ام الكلام قال أخزى الله المساكتة فما أفسدها للبيان وأجلبها للحصر والله للمماراة أسرع في هدم العي من النار في يبس العرفج ومن السيل في الحدور وقد عرف زيد ان المماراة ولكنه قال المماراة مذمومة على ما فيها اقل ضررا من المساكتة التي تورث البلدة وتحل العقدة وتفسد المنة وتورث عللا وتولد أدواء أيسرها العي فالى هذا المعنى ذهب زيد ومن الخطباء خالد بن سلمة المخزومي من قريش وأبو حاضر وسالم وقد تكلم عند الخلفاء ومن خطباء بني أسيد الحكم بن يزيد بن عمير وقد رأس ومن اهل اللسان منهم والبيان الحجاج بن عمير بن زيد ومن الخطباء سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية وقيل لسعيد بن المسيب من أبلغ الناس قال رسول الله فقيل له ليس عن هذا نسألك قال معاوية وابنه وسعيد وابنه وما كان ابن الزبير بدونهم ولكن لم يكن لكلامه طلاوة مقبوله فمن العجب ان ابن الزبير ملا دفاتر العلماء كلاما وهم لا يحفظون لسعيد ابن العاص وابنه من الكلام الا ما لا بال له وكان سعيد جوادا ولم ينزع قميصه قط وكان أسود نحيفا وكان يقال له عكة العسل وقال الحطيئة سعيد فلا يغروك قلة لحمه تخدد عنه اللحم وهو صليب وكان اول من خش الابل في نفس عظم الانف وكان في تدبيره اضطراب وقال قائل من أهل الكوفة يا ويلنا قد ذهب الوليد وجاءنا مجوعا سعيد ينقص في الصاع ولا يزيد والامراء تتحبب الى الرعية بزيادة المكاييل ولو كان المذهب في الزيادة في الاوزان كالمذهب في الزيادة في المكاييل ما قصروا كما سأل الاحنف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الزيادة في المكاييل ولذلك اختلفت أسماء المكاييل كالزيادي والفالج والخالدي حتى صرنا الى هذا الملجم اليوم ثم من الخطباء عمرو بن سعيد وهوالاشدق يقال ان ذلك إنما قيل له لتشادقه في الكلام وقال اخرون بل كان أفقم مائل الذقن ولذلك قال عبيد الله بن زياد حين اهوى الى عبد الله بن معاوية يدك عنه يا لطيم الشيطان ويا عاصي الرحمن وقال الشاعر وعمرو لطيم الجن وابن محمد بأسوأ هذا الامر ملتبسان ذكر ذلك عن عوانة وهذا خلاف قول الشاعر تشادق حتى مال بالقول شدقه وكل خطيب لا أبالك أشدق وكان معاوية قد دعا به غلمة من قريش فلما استنطقه قال ان اول كل مركب صعب وان مع اليوم غدا وقال له الى من أوصى بك أبوك قال ان أبي أوصى الي ولم يوص بي قال وبأي شيء أوصاك قال بان لا يفقد اخوانه منه الا شخصه فقال معاوية عند ذلك ان ابن سعيد هذا لأشدق فهذا يدل عنهم على انه سمي بالاشدق لمكان التشادق ثم كان بعد عمرو بن سعيد سعيد بن عمرو بن سعيد وكان ناسبا خطيبا وأعظم الناس كبرا وقيل له عند الموت ان المريض ليستريح الى الانين والى ان يصف ما به الى الطبيب فقال أجاليد من ريب المنون فلا ترى على هالك عينا لنا الدهر تدمع ودخل على عبد الملك مع خطباء قريش وأشرافهم فتكلموا من قيام وتكلم وهو جالس فتبسم عبد الملك وقال لقد رجوت عثرته ولقد أحسن حتى خفت عثرته فسعيد بن عمرو بن سعيد خطيب ابن خطيب ابن خطيب ومن الخطباء سهيل بن عمرو الاعلم احد بني حسل بن معيص وكان يكنى أبا يزيد وكان عظيم القدر شريف النفس صحيح الاسلام وكان عمر رضي الله تعالى عنه قال للنبي يا رسول الله انزع ثنيتيه السفليين حتى يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا أبدا فقال رسول الله لا أمثل فيمثل الله بي وان كنت نبيا دعه يا عمر فعسى ان يقوم مقاما نحمده فلما هاج أهل مكة عند الذي بلغهم من وفاة رسول الله قام خطيبا فقال أيها الناس ان يكن محمد قد مات فان الله حي لم يمت وقد علمتم أني اكثركم قتبا في بر وجارية في بحر فأقروا أميركم وأنا ضامن ان لم يتم الامر ان أردها عليكم فسكن الناس وهو الذي قال يوم خرج اذن عمر وهو بالباب وعيينه بن حصن والاقرع بن حابس وفلان وفلان فقال الاذن أين بلال أين صهيب أين سلمان أين عمار فتمعرت وجوه القوم فقال سهيل لم تتمعر وجوهكم دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر ومن الخطباء عبد الله بن عروة بن الزبير قالوا كان خالد بن صفوان يشبه به وما علمت انه كان في الخطباء احد اجود خطباء خالد بن صفوان وشبيب ابن شيبة للذي يحفظ الناس ويدور على ألسنتهم من كلامهما وما علمنا أن احدا ولد لهما حرفا واحدا ومن النسابين من بني العنبر ثم من بني المنذر الخنف بن زيد بن جعونة وهو الذي تعرض له دغفل بن حنظلة العلامة عند ابن عامر بالبصرة فقال له متى عهدك بسجاح ام صادر فقال له مالي بها عهد منذ أضلت أم حلس وهي بعض أمهات دغفل فقال له أنشدتك بالله أنحن كنا لكم اكثر غزوا في الجاهلية أو انتم لنا قال بل أنتم فلم تفلحوا ولم تنجحوا غزانا فارسكم وسيدكم وابن سيدكم فهزمناه مرة وأسرناه مرة وقتلناه مرة واخذنا في فدائه خدر أمه وغزانا أكثركم غزوا وأنبهكم في ذلك ذكرا فأعرجناه ثم أرجلناه فقال ابن عامر أسألكما بالله لما كففتما وكان عبد الله بن عامر ومصعب بن الزبير يحبان ان يعرفا حالات الناس فكانا يغريان بين الوجوه وبين العلماء فلا جرم أنهما كانا اذا سبا أوجعا وكان ابو بكر رضي الله تعالى عنه أنسب هذه الامة ثم عمر ثم حبير ابن مطعم ثم سعيد بن المسيب ثم محمد بن سعيد بن المسيب ومحمد هو الذي نفى الى عنكة المخزوميين فرفع ذلك الى والي المدينة فجلده الحد وكان ينشد ويربوع بن عنكة إبن أرض وأعتقه هبيرة بعد حين ومن النسابين العلماء عتبة بن عمرو بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وكان من ذوي الرأي والدهاء وكان ذا منزلة من الحجاج بن يوسف وعمر بن عبد الرحمن خامس خمسة في الشرف وكان هو الساعي بين الازد وتميم في الصلح ومن بني الحرقوس شعبة بن القلعم وكان ذا لسان وجواب وعارضة وكان وصافا فصيحا وبنوه عبد الله وعمر وخالد كلهم كانوا في هذه الصفة غير ان خالدا كان قد جمع مع بلاغة اللسان العلم والحلاوة والظرف وكان الحجاج لا يصبر عنه ومن بني أسيد بن عمرو بن تميم ابو بكر بن الحكم كان ناسبا راوية شاعرا وكان أحلى الناس لسانا وأحسنهم منطقا واكثرهم تصرفا وهو الذي يقول له رؤبة لقد خشيت ان تكون ساحرا راوية طورا وطورا شاعرا ومنهم معلل بن خالد احد بني أنمار بن الهجيم وكان نسابة علامة راوية صدوقا مقلدا وذكر للمنتجع بن نبهان فقال كان لا يجاري ولا يماري ومنهم من بني العنبر ثم من بني عمرو بن جندب أبو الخنسا عباد بن كسيب وكان شاعرا علامة وراوية نسابة وكانت له حرمة بأبي جعفر المنصور ومنهم عمرو بن خولة كان ناسبا خطيبا وراوية فصيحا من ولد سعيد بن العاص والذي أتى سعيد بن المسيب ليعلمه النسب هو اسحق بن يحيى بن طلحة وكان يحيى بن عروة بن الزبير ناسبا عالما ضربه ابرهيم بن هشام المخزومي والي المدينة حتى مات لبعض القول وكان مصعب بن عبد الله بن ثابت ناسبا عالما ومن ولده الزبيري عامل الرشيد على المدينة واليمن ومنهم ثم من قريش محمد بن جعفر بن حفص وهو ابن عائشة ويكنى أبا بكر وابنه عبيد الله كان يجري مجراه يكنى أبا عبد الرحمن ومن خزاعة بن مازن أبو عمرو وأبو سفيان ابنا العلاء بن عمار ابن العريان فأما أبوعمرو فكان اعلم الناس بأمور العرب مع صحة سماع وصدق لسان وحدثني الاصمعي قال جلست الى أبي عمرو عشر حجج ما سمعته يحتج ببيت اسلامي قال وقال مرة لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى هممت ان امر فتياننا بروايته يعني شعر جرير والفرزدق وأشباههما وحدثني أبو عبيدة قال كان أبو عمر اعلم الناس بالعرب والعربية وبالقراءة والشعر وأيام الناس وكانت داره خلف دار جعفر بن سليمان وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له الى قريب من السقف ثم انه تقرأها فاحرقها كلها فلما رجع بعد الى علمه الاول لم يكن عنده الا ما حفظه بقلبه وكان عامة اخباره عن أعراب قد ادركوا الجاهلية وفي أبي عمرو بن العلاء يقول الفرزدق ما زلت افتح أبوابا واغلقها حتى أتيت أبا عمرو بن عمار فاذا كان الفرزدق وهو راوية الناس وشاعرهم وصاحب أخبارهم يقول فيه مثل هذا القول فهو الذي لا يشك في خطابته وبلاغته وقال يونس لولا شعر الفرزدق لذهب نصف أخبار الناس وقال في أبي عمرو مكي ين سوادة الجامع العلم ننساه ويحفظه والصادق القول ان انداده كذبوا وكان أبو سفيان بن العلاء ناسبا وكلاهما كناهما أسماؤهما وكذلك أبو عمرو بن لبيد و أبوسفيان بن العلاء بن لبيد التغلبي خليفة عيسى ابن شبيب المازني على شرط البصرة وكان عقيل بن أبي طالب ناسبا عالما بالامهات بين اللسان شديد الجواب لا يقوم له احد وكان ابو الجهم بن حذيفة العدوي ناسبا شديد العارضة كثير الذكر للامهات بالمثالب ورؤساء النسابين دغفل بن حنظلة احد بني عمرو بن شيبان لم يدرك الناس مثله لسانا وعلما وحفظا ومن هذه الطبقة زيد بن الكيس النمري ومن نسابي كلب محمد ابن السائب وهشام بن محمد بن السائب وشرقي بن القطامي وكان أعلاهم في العلم ومن ضرب به المثل حماد بن بشر
قال سماك العكلي فسائل دغفلا وأخا هلال ونخارا ينبئك اليقينا وقد ذكرنا دغفلا وأخو هلال هو زيد بن الكيس وبنو هلال حي من النمر بن قاسط وقال مسكين بن أنيف الدارمي في ذلك وعند الكيس النمري علم ولو أمسى بمنخرق الشمال وقال ثابت قطنة فما العضان لو سئلا جميعا أخو بكر وزيد بني هلال ولا الكلبي حماد بن بشر ولا من قاد في الزمن الخوالي وقال زياد الاعجم بل لو سألت أخا ربيعة دغفلا لوجدت في شيبان نسبة دغفل إن الاحاين والذين يلونهم شر الأنام ونسل عبد الأعزل يهجو فيها بني الخنساء ومنهم أياس النصري كان أنسب الناس وهو الذي قال كانوا يقولون اشعر العرب ابو دؤاد الايادي وعدي بن زيد العبادي وكان ابو نوفل بن ابي عقرب علامة ناسبا خطيبا فصيحا وهورجل من كنانة احد بني عريج ومن بني كنانة ثم من بني الشداخ يزيد بن بكر بن دأب وكان يزيد عالما ناسبا وراية شاعرا وهو القائل الله يعلم في علي علمه وكذاك علم الله في عثمان وولد يزيد يحيى وعيسى هوالذي يعرف في العامة بابن دأب وكان من احسن الناس حديثا وبيانا وكان شاعرا راوية وصاحب رسائل وخطب وكان يجيدها جدا ومن آل دأب حذيفة بن دأب وكان عالما ناسبا وفي آل دأب علم بالنسب والخبر وكان ابو الاسود الدؤلي واسمه ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان خطيبا عالما وكان قد جمع شدة العقل وصواب الرأي وجودة اللسان وقول الشعر والظرف وهو يعد في هذه الاصناف وفي الشيعة وفي العرجان وفي المفاليج وعلى كل شيء من هذا شاهد سيقع في موضعه ان شاء الله تعالى وقال الخس لابنته هند أريد شراء فحل لابلي قالت ان اشتريته فاشتره اسجح الخدين غائر العينين ارقب اخرم اعكى اكوم ان عصى غشم وان أطيع تجرثم وهي التي قالت لما قيل لها ما حملك على ان زنيت بعبدك قالت طول السواد وقرب الوساد وقال الشاعر في السواد ويفهم قول الحكل لو ان ذرة تساود أخرى لم يفته سوادها قالوا وعاتب هشام بن عبد الملك زيد بن علي فقال له بلغني عنك شيء فقال يا أمير المؤمنين احلف لك قال واذا حلفت لي أصدقك قال نعم ان الله لم يرفع احدا فوق ان لا يرضى به ولم يضع احدا دون ان لا يرضى منه به كان زياد بن ظبيان التيمي العايشي خطيبا فدخل عليه ابنه عبيد الله وهو يكيد بنفسه قال ألا اوصى بك الامير زيادا قال لا قال ولم قال اذا لم يكن للحي الا وصية الميت فالحي هو الميت وكان عبيد الله افتك الناس وأخطب الناس وهو الذي اتى باب مالك ابن مسمع ومعه نار ليحرق عليه داره وقد كان نابه أمر فلم يرسل اليه قبل الناس فأشرف عليه مالك فقال مهلا يا أبا مطر فوالله ان في كنانتي سهما انا به أوثق مني بك قال وانك لتعدني في كنانتك فوالله لو ان قمت فيها لطلتها ولو قعدت فيها لخرقتها قال مالك مهلا اكثر الله في العشيرة مثلك قال لقد سألت الله شططا ودخل عبيد الله على عبد الملك بن مروان بعد ان أتاه برأس مصعب ابن الزبير ومعه ناس من وجوه بكر بن وائل فأراد ان يقعد معه على سريره فقال له عبد الملك ما بال الناس يزعمون انك لا تشبه أباك قال والله لأنا اشبه بأبي من الليل بالليل والغراب بالغراب والماء بالماء ولكن ان شئت انبأتك بمن لا يشبه أباه قال ومن ذاك قال من لم يولد لتمام ولم تنضجه الارحام ولا يشبه الاخوال والاعمام قال ومن ذاك قال ابن عمي سويد ابن منجوف قال عبد الملك أو كذلك انت يا سويد قال نعم فلما خرجا من عنده اقبل عليه سويد فقال وريت بك زنادي والله ما يسرني انك نقصته حرفا واحد مما قلت له وان لي حمر النعم قال وأنا والله ما يسرني بحلمك اليوم عني سود النعم وأتى عبيد الله عتاب بن ورقاء وعتاب على اصبهان فأعطاه عشرين ألف درهم فقال والله ما احسنت فاحمدك ولا اسأت فأذمك واني لأقرب البعداء وأبعد القرباء وقال أشيم بن شقيق بن ثور لعبيد الله بن زياد بن ظبيان ما انت قائل لربك وقد حملت رأس مصعب بن الزبير الى عبد الملك بن مروان قال اسكت فأنت يوم القيامة أخطب من صعصعة بن صوحان اذا تكلمت الخوارج فما ظنك ببلاغة رجل عبيد الله بن زياد يضرب به المثل وانما اردنا بهذا الحديث خاصة الدلالة على تقديم صعصعة بن صوحان في الخطب وأولى من كل دلالة استنطاق علي له وكان عثمان بن عروة أخطب الناس وهو الذي قال والشكر وان قل ثمن لكل نوال وان جل وكان ثابت بن عبد الله بن الزبير من أبين الناس ولم يكن خطيبا وكان قسامة بن زهير احد بني رزام بن مازن مع زهده ونسكه ومنطقه من أبين الناس وكان يعدل بعامر بن عبد قيس في زهده ومنطقه وهو الذي قال روحوا هذه القلوب تعي الذكر وهو الذي قال يا معشر الناس ان كلامكم اكثر من صمتكم فاستعينوا على الكلام بالصمت وعلى الصواب بالفكر وهو الذي كان رسول عمر في البحث عن شأن المغيرة وشهادة أبي بكرة وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا وفصيحا جامعا وجيد الرأي كثير الأدب وكان اول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء ومن خطباء قريش خالد بن سلمة المخزومي وهو ذو الشفة وقال الشاعر في ذلك فما كان قائلهم دغفل ولا الحيقطان ولا ذو الشفه
ومن خطباء العرب عطارد بن حاجب بن زرارة وهو كان الخطيب عند النبي وقال فيه الفرزدق بن غالب ومنا خطيب لا يعاب وحامل أغر اذا التفت عليه المجامع ومن الخطباء عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وكان مع ذلك راوية ناسبا شاعرا ولما رجع عن قول المرجئة الى قول الشيعة قال وأول ما نفارق غير شك نفارق ما يقول المرجئونا وقالوا مؤمن من ال جور وليس المؤمنون يجائرينا وقالوا مؤمن دمه حلال وقد حرمت دماء المؤمنينا وكان حين هرب الى محمد بن مروان في فل ابن الاشعث ألزمه ابنه يؤدبه ويقومه فقال له يوما كيف ترى ابن اخيك قال ألزمتني رجلا ان غبت عنه عتب وان أتيته حجب وان عاتبته غضب ثم لزم عمر بن عبد العزيز وكان ذا منزلة منه قالوا وله يقول جرير يا أيها الرجل المرخي عمامته هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا ان كنت لاقيه اني لدى الباب كالمشدود في قرن وقد راك وفود الخافقين معا ومذ وليت أمور الناس لم ترني وكان الجارود بن أبي سبرة ويكنى أبا نوفل من أبين الناس واحسنهم حديثا وكان راوية علامة شاعرا مفلقا وكان من رجال الشيعة ولما استنطقه الحجاج قال ما ظننت ان بالعراق مثل هذا وكان يقول ما امكنني وال قط من أذنه إلا غلبت عليه ما خلا هذا اليهودي يعني بلال بن أبي برده وكان عليه متحاملا فلما بلغه انه دهق حتى دقت ساقه وجعل الوتر في خصييه انشأ يقول لقد قر عيني أن ساقيه دقتا وان قوى الأوتار في البيضة اليسرى بخلت وراجعت الخيانة والخنا فيسرك الله المقدس للعسرى فما جذع سوء خرب السوس جوفه يعالجه النجار يبري كما تبرى ومن الخطباء الذين لا يضاهون ولا يجارون عبد الله بن عباس قالوا خطبنا بمكة وعثمان رضي الله تعالى عنه محاصرا خطبة لو شهدتها الترك والديلم لا سلمتا وذكره حسان بن ثابت فقال
اذا قال لم يترك مقالا لقائل بملتقطات لا ترى بينها فصلا كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع لذي إربه في القول جدا ولا هزلا سموت الى العليا بغير مشقة فنلت ذراها لا دنيا ولا وغلا وقال الحسن كان عبد الله بن عباس اول من عرف بالبصرة صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران ففسرهما حرفا حرفا وكان والله مثجا يسيل غربا وكان يسمى البحر وحبر قريش وقال النبي اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل وقال عمر غص غواص ونظر اليه يتكلم فقال شنشنة أعرفها من أخزم الشعر لأبي اخزم الطائي وهو جد ابي حاتم طي أو جد جده وكان له ابن يقال له اخزم فمات وترك بنين فوثبوا يوما على جدهم ابي اخزم فأدموه فقال إن بني زملوني بالدم شنشنة اعرفها من أخزم اي انهم اشبهوا أباهم في طبيعته وخلقه وأحسبه كان به عاقا فهكذا ذكر ابن الكلبي والشنشنة مثل الطبيعة والسجية فأراد عمر رضي الله تعالى عنه إني اعرف فيك مشابهة في ابيك في رايه وعقله ويقال انه لم يكن لقرشي مثل رأي العباس ومن خطباء بني هاشم ايضا داود بن علي وكان يكنى ابا سليمان وكان انطق الناس وأجودهم ارتجالا واقتضابا للقول ويقال انه لم يتقدم في تحبير خطبة قط وله كلام معروف محفوظ فمن ذلك خطبته على أهل مكة شكرا شكرا أما والله ما خرجنا لنحتفر فيكم نهرا ولا لنبني فيكم قصرا أظن عدو الله ان لم نظفر به ان ارخى له في زمامه حتى عثر في فضل خطامه فالآن عاد الامر في نصابه وطلعت الشمس من مطلعها وأخذ القوس باريها وعاد النبل الى النزعة ورجع الامر الى مستقره في اهل بيت نبيكم أهل بيت الرأفة والرحمة ومن خطباء بني هاشم عبد الله بن الحسن وهو القائل لابنه ابراهيم أو محمد اي بني إني مؤد اليك حق الله في تأديبك فأد ألي حق الله في حسن الاستماع اي بني كف الأذى وارفض البذاء واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك نفسك فيها الى القول فان للقول ساعات يضر فيها الخطأ ولا ينفع فيها الصواب واحذر مشورة الجاهل وان كان ناصحا كما تحذر مشورة العاقل اذا كان غاشا يوشك ان يورطاك بمشورتهما فيسبق اليك مكر العاقل وغرارة الجاهل قال الحسن بن خليل كان المأمون قد استثقل سهل بن هرون فدخل عليه سهل يوما والناس عنده على منازلهم فتكلم المأمون بكلام فذهب فيه كل مذهب فلما فرغ المأمون من كلامه اقبل سهل بن هرون على ذلك الجمع فقال ما لكم تسمعون ولا تعون وتشاهدون ولا تفهمون وتفهمون ولا تعجبون وتنظرون ولا تبصرون والله انه ليفعل ويقول في اليوم القصير مثل ما فعل بنو مروان وقالوا في الدهر الطويل عربكم كعجمهم وعجمكم كعبيدهم ولكن كيف يعرف الدواء من لا يشعر بالداء قال فرجع له المأمون بعد ذلك الى الرأي الاول ومن خطباء بني هاشم ثم من ولد جعفر بن سليمان سليمان بن جعفر والي مكة قال المكي سمعت مشايخنا من اهل مكة يقولون انه لم يرد عليهم أمير منذ عقلوا الكلام إلا و سليمان أبين منه قاعدا وأخطب منه قائما وكان داود بن جعفر اذا خطب اسحنفر فلم يرده شيء وكان في لسانه شبيه بالرثة وكان ايوب فوق داود في الكلام والبيان ولم يكن له مقامات داود في الخطب قال عيسى بن اسحق لداود بن جعفر بلغني ان معاوية قال للنخار بن أوس ابغني محدثا قال ومعي امير المؤمنين تريد محدثا قال نعم استريح منك اليه ومنه اليك وانا لا استريح الى غير حديثك ولا يكون صمتك في حال من الحالات اوفق لي من كلامك وكان اسماعيل بن جعفر من أدق الناس لسانا واحسنهم بيانا ومن خطباء بني هاشم جعفر بن حسن بن الحسين بن علي وكان احد من ينازع زيدا في الوصية فكان الناس يجتمعون ليسمعوا مجاوباتهما فقط وجماعة من ولد العباس في عصر واحد لم يكن لهم نظراء في اصالة الرأي وفي الكمال والجلالة وفي العلم بقريش والدولة وبرجال الدعوة مع البيان العجيب والغور البعيد والنفوس الشريفة والاقدار الرفيعة وكانوا فوق الخطباء وفوق اصحاب الاخبار وكانوا يجلون عن هذه الاسماء الا ان يصف الواصف بعضهم ببعض ذلك منهم عبد الملك بن صالح سأله الرشيد وسليمان بن ابي جعفر وعيسى ابن جعفر شاهدان فقال له كيف رايت أرض كذا وكذا قال مسافي ريح ومنابت شيح قال فأرض كذا وكذا قال هضاب حمر وبراث عفر حتى اتى على جميع ما أراد فقال عيسى لسليمان والله ما ينبغي لنا ان نرضى لانفسنا بالدون من الكلام ومن هؤلاء عبد الله بن صالح والعباس بن محمد واسحق بن عيسى واسحق بن سلمان وايوب بن جعفر هؤلاء كانوا أعلم بقريش وبالدولة وبرجال الدعوة من المعروفين برواية الاخبار وكان ابراهيم بن السندي يحدثني عن هؤلاء بشيء هو خلاف ما في كتب الهيثم بن عدي وابن الكلبي واذا سمعته علمت انه ليس من المؤلف المزور وكان عبد الله بن علي وداود بن علي يعدلان بأمة من الامم ومن مواليهم إبراهيم ونصر ابنا السندي فأما نصر فكان صاحب اخبار واحاديث وكان لا يعدو حديث ابن الكلبي والهيثم واما إبراهيم فانه كان رجلا لا نظير له وكان خطيبا وكان ناسبا وكان فقيها وكان نحويا عروضيا وحافظا للحديث راوية للشعر شاعرا وكان فخم الالفاظ شريف المعاني وكان كاتب القلم كاتب العمل وكان يتكلم بكلام رؤبة ويعمل في الخراج بعمل زاذان فروح الاعور وكان منجما طبيبا وكان من رؤساء المتكلمين وعالما بالدولة وبرجال الدعوة وكان احفظ الناس لما سمع وأقلهم نوما وأصبرهم على السهر ومن خطباء تميم جحدب وكان خطيبا راوية وكان قضى على جرير في بعض مذاهبه فقال جرير قبح الاله ولا يقبح غيره بظرا تفلق عن مفارق جحدب وهو الذمي كان لقيه خالد بن سلمة المخزومي الخطيب الناسب فقال والله ما انت من حنظلة الاكرمين ولا سعد الاكثرين ولا عمرو الاسدين وما في تميم خير بعد هؤلاء فقال له جحدب والله انك لمن قريش وما انت من بيتها ولا من ثبوتها ولا من شورها وخلافتها ولا من اهل سدانتها وسقايتها وهو شبيه بما قال خالد بن صفوان للعبدري فانه قال له هشمتك هاشم وأمتك أمية وخزمتك مخزوم وانت من عبد دارها ومنتهى عارها تفتح لها الابواب اذا أقبلت وتغلقها اذا أدبرت ومن ولد المنذر عبد الله بن شبرمة بن طفيل بن هبيرة بن المنذر وكان فقيها عالما قاضيا وكان راوية شاعرا وكان خطيبا ناسبا وكان حاضر الجواب مفوها وكان لاجتماع هذه الخصال فيه يشبه بعامر الشعبي وكان يكنى ابا شبرمة وقال يحيى بن نوفل لما سألت الناس اين المكرمة والعز والجرثومة المقدمة وأين فاروق الامور المحكمة تتابع الناس على ابن شبرمة ابن شبرمة الذي يقول في ابن أبي ليلى وكيف ترجى لفصل القضاء ولم تصب الحكم في نفسكا فتزعم أنك لابن الجلاح وهيهات دعواك من اصلكا وقال رجل من فقهاء المدينة من عندنا خرج العلم فقال ابن شبرمة نعم ثم لم يرجع اليكم وقال عيسى بن موسى دلوني على رجل أوليه مكان كذا وكذا فقال ابن شبرمة أصلح الله الامير هل لك في رجل ان دعوتموه أجابكم وان تركتموه لم يأتكم ليس بالملح طلبا ولا بالممعن هربا وسئل عن رجل فقال ان له شرفا وبيتا وقدما ونظروا فاذا هو ساقط من السفلة فقيل له في ذلك فقال ما كذبت شرفه أذناه وقدمه التي يمشي عليها ولا بد من ان يكون له بيت يأوي اليه قال ابو اسحق بل كذبت انما هو كقول القائل حين سأله بعض من اراد تزويج حرمه عن رجل فقال هو يبيع الدواب فلما نظروا في أمره وجدوه يبيع السنانير فلما سئل عن ذلك قال ما كذبت لان السنور دابة قال أبو اسحق بل لعمري لقد كذب وهذا مثل القائل حين سئل عن رجل في تزويج امرأة فقال رزين المجلس نافذ الطعنة فحسبوه سيدا فارسا فنظروا فوجدوه خياطا فسئل عن ذلك فقال ما كذبت انه لطويل الجلوس جيد الطعن بالابرة فقال ابو اسحق بل لعمري لقد كذب لانه قد غرهم منه وكذلك لو سأله رجل عن رجل يريد ان يسلفه مالا عظيما فقال هو يملك مالا كان يبيعه بمائة الف ومائة الف فلما بايعه الرجل وجده معدما ضعيف الحيلة فلما قيل له في ذلك قال ما كذبت لانه يملك عينيه وأذنيه وأنفه وشفتيه حتى عد جميع أعضائه وجوارحه ومن قال للمستشير هذا القول فقد غره وذلك مما لا يحل في دين ولا يحسن في الحرية وهذا القول معصية لله تعالى والمعصية لا تكون صدقا وأدنى منازل هذا الخبر لا يسمى صدقا فأما التسمية له بالكذب فان فيها كلاما يطول ومن الخطباء المشهورين في العوام والمقدمين في الخواص خالد بن صفوان الاهتمي زعموا جميعا انه كان عند ابي العباس امير المؤمنين وكان من سماره واهل المنزلة عنده ففخر عليه ناس من بلحارث بن كعب وأكثروا في القول فقال ابوالعباس لم لا تتكلم يا خالد فقال أخوال امير المؤمنين وعصبته قال فانتم أعمام امير المؤمنين وعصبته قال خالد وما عسى ان أقول لقوم كانوا بين ناسج برد ودابغ جلد وسائس قرد وراكب عرد دل عليهم هدهد وغرقتهم فأرة وملكتهم امرأة فلئن كان خالد قد فكر وتدبر هذا الكلام انه للراوية الحافظ والمؤلف المجيد ولئن كان هذا شيئا حضرة حين حرك وبسط فما له نظير في الدنيا فتأمل هذا الكلام فانك ستجده مليحا مقبولا وعظيم القدر جليلا ولو خطب اليماني بلسان سحبان وائل حولا كريتا ثم صك بهذه الفقرة ما قامت له قائمة وكان أذكر الناس لاول كلامه وأحفظهم لكل شيء سلف من منطقه قال مكي بن سوادة في صفته له عليم بتنزيل الكلام ملقن ذكور لما سداه اول أولا يبذ قريع القوم في كل محفل وان كان سحبان الخطيب ودغفلا ترى خطباء الناس يوم ارتجاله كأنهم الكروان عاين أجدلا وكان يقارض شبيب بن شيبة لاجتماعهما على القرابة والمجاورة والصناعة فذكر شبيب عنده مرة فقال ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية وهذا كلام ليس يعرف قدره إلا الراسخون في هذه الصناعة وكان خالد جميلا ولم يكن بالطويل فقالت له امرأة انك لجميل يا ابا صفوان قال وكيف تقولين هذا وما في عمود الجمال ولا رداؤه ولا برنسه فقيل له ما عمود الجمال قال الطول ولست بطويل ورداؤه البياض ولست بأبيض وبرنسه سواد الشعر وأنا اشمط ولكن قولي إنك لمليح ظريف وخالد يعد في الصلعان ولكلام خالد كتاب يدور في ايدي الوراقين وكان الازهر بن عبد الحارث بن ضرار بن عمرو الضبي عالما ناسبا ومن خطباء بني ضبة حنظلة بن ضرار وقد ادرك الاسلام وطال عمره حتى أدرك يوم الجمل وقيل له ما بقي منك قال اذكر القديم وأنسى الحديث وآرق بالليل وأنام وسط القوم ومن خطباء بني ضبة وعلمائهم مثجور بن غيلان بن خرشة وكان مقدما في المنطق وهو الذي كتب الى الحجاج انهم قد عرضوا علي الذهب والفضة فما ترى ان آخذ قال أرى ان تأخذ الذهب فذهب عنه هاربا ثم قتله بعد وذكره القلاح بن حزن المنقري فقال مثال مثجور قليل ومثله فتى الصدق ان صفقته كل مصفق وما كنت أشريه بدنيا عريضة ولا بابن خال بين غرب ومشرق اذا قال بذ القائلين مقاله ويأخذ من أكفائه بالمخنق ومن خطباء الخوارج قطري بن الفجاءة له خطبة طويلة مشهورة وكلام كثير محفوظ وكانت له كنيتان كنية في السلم وهو ابو محمد وكنية في الحرب وهو أبو نعامة وكانت كنية عامر بن الطفيل في الحرب غير كنيته في السلم كان يكنى في الحرب بابي عقيل وفي السلم بأبي علي وكان يزيد بن مزيد يكنى في السلم بابي خالد وفي الحرب بأبي الزبير وقال مسلم بن الوليد الآنصاري
لولا سيوف ابي الزبير وخيله بشر الوليد لسيفه الضحاكا وفيه يقول لولا يزيد ومقدار له سبب عاش الوليد مع الغاوين أعواما سل الخليفة سيفا من بني مطر يمضي فيخترق الأرواح والهاما اذا عدت كنت أنت لها عزا وكان بنو العباس حكاما ألا تراه قد ذكر قتل الوليد وقد كان خالد بن يزيد اكتنى بها في الحرب في بعض ايامه بمصر وهذا الباب مستقصى مع غيره في أبواب الكنى والاسماء وهو وارد عليكم ان شاء الله تعالى ومن خطباء الخوارج ابن صديقة وهو القاسم بن عبد الرحمن بن صديقة وكان صفريا خطيبا ناسبا ويشوبه ببعض الظرف والهزل ومن علماء الخوارج شبيل بن غرزة الضبعي صاحب الغريب وكان راوية خطيبا وشاعرا ناسبا وكان سبعين سنة رافضيا ثم انتقل خارجيا صفريا ومن علماء الخوارج الضحاك بن قيس الشيباني ويكنى ابا سعيد وهو الذي ملك العراق وسار في خمسين الفا وبايعه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن هشام بن عبد الملك وصليا خلفه وقال شاعرهم ألم تر ان الله اظهر دينه وصلت قريش خلف بكر بن وائل وكان ابن عطاء الليثي يسامر الرشيد وكان صاحب أخبار وأسمار وعلم بالانساب وكان أظرف الناس وأحلاهم وكان عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن كريز راوية ناسبا وعالما بالعربية فصيحا وكان عبد الاعلى بن عبد الله بن عامر من أبين الناس وأفصحهم وكان مسلمة بن عبد الملك يقول إني لأنحي كور العمامة عن أذني لاسمع كلام عبد الاعلى بن عبد الله و بعض الامراء واظنه بلال بن ابي بردة لأبي نوفل الجارود بن ابي سبرة ماذا تصنعون عند عبد الاعلى اذا كنتم عنده قال يشاهدنا باحسن استماع واحسن حديث ثم يأتي الطباخ فيمثل بين عينيه فيقول ما عندك فيقول عندي لون كذا وجدي كذا ودجاجة كذا ومن الحلو كذا قال ولم يسأل عن ذلك قال ليقصر كل رجل عما لا يشتهي حتى يأتيه ما يشتهي ثم يأتون بالخوان فيتضايق ونتسع ويقصر ونجتهد فاذا شبعنا خوى تخوية الظليم ثم اقبل يأكل أكل الجائع المقرور والجارود هو الذي قال سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل وهو الذي قال عليكم بالمربد فانه يطرد الفكر ويجلو البصر ويجلب الخبر ويجمع بين ربيعة ومضر وصعد عثمان المنبر فارتج عليه فقال إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وانتم الى امام عادل أحوج منكم على إمام خطيب وستأتيكم الخطب على وجهها وتعلمون ان شاء الله تعالى وشخص يزيد بن عمر بن هبيرة الى هشام بن عبد الملك فتكلم فقال هشام ما مات من خلف مثل هذا فقال الابرش الكلبي ليس هناك أما تراه يرشح جبينه لضيق صدره قال يزيد ما لذلك رشح ولكن لجلوسك في هذا الموضع وكان الابرش ثلابة نسابة وكان مصاحبا لهشام بن عبد الملك فلما أفضت اليه الخلافة سجد وسجد من كان عنده من جلسائه والابرش شاهد لم يسجد فقال له هشام ما منعك ان تسجد يا أبرش قال ولم اسجد وانت اليوم معي ماشيا وغدا فوقي طائرا قال فان طرت بك معي قال أتراك فاعلا قال نعم قال فالان طاب السجود ودخل يزيد بن عمر على المنصور وهو يومئذ أمير فقال ايها الامير ان عهد الله لا ينكث وعقده لا يحل وإن إمارتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها وجبنوهم مرارتها قال سهل بن هرون دخل قطرب النحوي على المخلوع فقال يا أمير المؤمنين كانت عدتك أرفع من جائزتك وهو يتبسم قال سهل فاغتاظ الفضل بن الربيع فقلت له ان هذا من الحصر والضعف وليس هذا من الجلد والقوة اما تراه يفتل أصابعه ويرشح جبينه وقال عبد الملك لخالد بن سلمة المخزومي من أخطب الناس قال أنا قال ثم من قال سيد جذام يعني روح بن زنباع قال ثم من قال أخيفش ثقيف يعني الحجاج قال ثم من قال أمير المؤمنين قال ويحك جعلتني رابع أربعة قال نعم هو ما سمعت ومن خطباء الخوارج وعلمائهم ورؤسائهم في الفتيا وشعرائهم ورؤساء قعدهم عمران بن حطان ومن علمائهم وشعرائهم وخطبائهم حبيب بن خدرة الهلالي وعداده في بني شيبان وممن كان يرى رأي الخوارج ابو عبيدة النحوي معمر بن المثنى مولى تيم ابن مرة ولم يكن في الارض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلم منه وممن كان يرى رأي الخوارج الهيثم بن عدي الطائي ثم البحتري وممن كان يرى رأي الخوارج شعيب بن رباب الحنفي ابو بكار صاحب احمد بن ابي خالد ومحمد بن حسان السكسكي ومن الخوارج من علمائهم ورواتهم مسلم بن كرزين وكنيته ابو عبيدة وكان اباضيا ومن علمائهم الصفرية وممن كان مقنعا في الاخبار لاصحاب الخوارج والجماعة جميعا مليل وأظنه من بني ثعلبة ومن اهل هذه الصنعة اصفر بن عبد الرحمن من اخوال طوق بن مالك ومن خطبائهم وفقهائهم وعلمائهم المقعطل قاضي عسكر الازارقة ايام قطري ومن شعرائهم ورؤسائهم وخطبائهم عبيدة بن هلال اليشكري وكان في بني السمين ومن بني شيبان خطباء العرب وكان فيهم ذاك فاشيا ولذلك قال الاخطل فأين السمين لا يقوم خطيبها وأين ابن ذي الجدين لا يتكلم وقال سحيم بن حفص كان يزيد بن عبد الله بن رؤبة الشيباني من أخطب الناس عند يزيد بن الوليد فأمرللناس بعطائين ومن الخطباء معبد بن طوق العنبري دخل على بعض الامراء فتكلم وهو قائم فأحسن قال فلما جلس تلهيع في كلامه فقال له ما أظرفك قائما وأموقك قاعدا قال إني اذا قمت جددت واذا قعدت هزلت قال ما أحسن ما خرجت منها ومن خطباء عبد القيس مصقلة بن رقبة بن مصقلة وكرب بن رقبة والعرب قد ذكروا من خطب العرب العجوز وهي خطبة لال رقبة ومتى تكلموا فلا بد لهم منها أو من بعضها والعذراء وهي خطبة قيس بن خارجة لانه كان أبا عذرها والشوهاء وهي خطبة سحبان وائل وقيل ذلك لها من حسنها وذلك انه خطب بها عند معاوية فلم ينشد شاعر ولم يخطب خطيب وكان ابو عمار الطائي خطيب مذحج كلها فبلغ النعمان حسن حديثه فحمله على منادمته وكان النعمان أحمر العينين احمر الجلد احمر الشعر وكان شديد العربدة قتالا للندماء فنهاه ابو قردودة الطائي عن منادمته فلما قتله رثاه فقال اني نهيت ابن عمار وقلت له لا تأمنن احمر العينين والشعره ان الملوك متى تنزل بساحتهم تطر بنارك من نيرانهم شرره يا جفنة كازاء الحوض قد هدموا ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره وقال الاصمعي هو كقوله ومنطق خرق بالعواسل لذ كوشي اليمنة المراجل وسأل رسول الله عمرو بن الاهتم عن الزبرقان بن بدر فقال انه لمانع لحوزته مطاع في أذنيه قال الزبرقان يا رسول الله انه ليعلم مني اكثر مما قال ولكنه حسدني يا رسول الله في شرفي فقصر بي فقال عمرو هو والله زمر المروءة ضيق العطن لئيم الخال فنظر النبي في عينيه فقال يا رسول الله رضيت فقلت احسن ما علمت وغضبت فقلت أقبح ما علمت وما كذبت في الاولى ولقد صدقت في الاخرة فقال رسول الله ان من البيان لسحرا وتكلم رجل في حاجة عند عمر بن عبد العزيز وكانت حاجته في قضائها مشقة فتكلم الرجل بكلام رقيق موجز وتأتي لها فقال عمر والله ان هذا للسحر الحلال ومن اصحاب الاخبار والآثار ابو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة وكان القاضي قبل ابي يوسف ومن أصحاب الاخبار والاثار ابو هنيدة وابو نعامة العدويان ومن الخطباء ايوب بن القرية وهو الذي لما دخل على الحجاج قال له ما أعددت لهذا الموقف قال ثلاثة حروف كأنهن ركب وقوف دنيا وآخرة ومعروف ثم قال له في بعض ما يقول أقلني عثرتي وأسغني ريقي فانه لا بد للجواد من كبوة وللسيف من نبوة وللحليم من هفوة قال كلا والله حتى أوردك جهنم ألست القائل بر ستاقاباد تغدوا الجدي قبل ان يتعاشاكم ومن خطباء غطفان في الجاهلية خويلد بن عمرو والعشراء بن جابر ابن عقيل بن هلال بن سمي بن مازن بن فزارة وخويلد خطيب يوم الفجار ومن أصحاب الاخبار والنسب والخطب وأهل البيان الوضاح بن خيثمة ومن أصحاب الاخبار والنسب والخطب والحكام عند أصحاب النفورات بنو الكواء واياهم يعني مسكين بن أنيف الدارمي حين ذكر أهل هذه الطبقة فقال كلانا شاعر من حي صدق ولكن الرحى فوق الثقال وحكم دغفلا وارحل اليه ولا ترح المطي من الكلال تعال الى بني الكواء يقضوا بعلمهم بأنساب الرجال تعال الى ابن مذعور شهاب ينبي بالسوافل والعوالي وعند الكيس النمري علم ولو أضحى بمنخرق الشمال ومن الخطباء القدماء كعب بن لؤى وكان يخطب على العرب عامة ويحض كنانة خاصة على البر فلما مات أكبروا موته فلم تزل كنانة تؤرخ بموت كعب بن لؤى الى عام الفيل ومن الخطباء الابيناء العلماء الذين جروا من الخطابة على أعراق قديمة شبيب ابن شيبة وهو الذي يقول في صالح بن أبي جعفر المنصور وقد كان المنصور أقام صالحا فتكلم فقال شبيب ما رأيت كاليوم أبين بيانا ولا أجود لسانا ولا أربط جنانا ولا أبل ريقا ولا أحسن طريقا ولا أغمض عروقا من صالح وحق لمن كان أمير المؤمنين أباه والمهدي أخاه ان يكون كما قال زهير يطلب شأو امرأين قدما حسنا نالا الملوك وبذا هذه السوقا هو الجواد فان يلحق بشأوهما على تكاليفه فمثله لحقا أو يسبقاه على ما كان من مهل فمثل ما قدما من صالح سبقا وخرج شبيب من دار الخلافة يوما فقال له قائل كيف رأيت الناس قال رأيت الداخل راجيا والخارج راضيا وقال خالد بن صفوان إتقوا مجانيق الضعفاء يريد الدعاء وقال شبيب أطلب الادب فانه دليل على المروءة وزيادة في العقل وصاحب في الغربة وصلة في المجلس وقال شبيب للمهدى يوما أراك الله في بنيك ما أرى أباك فيك وأرى الله بنيك فيك ما أراك في أبيك وقال ابو الحسن قال زيد بن علي بن الحسين أطلب ما يعنيك وأترك ما لا يعنيك فان في ترك ما لا يعنيك دركا لما يعنيك وانما تقدم على ما قدمت ولست تقدم على ما آخرت فاثر ما تلقاه غدا ما لا تراه ابدا وقال أو الحسن عن ابراهيم بن سعد قال خالد بن صفوان ما الانسان لولا اللسان الا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة وقال ابو الحسن كان ابو بكر خطيبا وكان عمر خطيبا وكان عثمان خطيبا وكان علي خطيبا وكان من الخطباء معاوية ويزيد وعبد الملك ومعاوية بن يزيد ومروان وسليمان ويزيد بن الوليد والوليد بن يزيد والوليد بن عبدالملك وعمر بن عبد العزيز ومن خطباء بني هاشم زيد بن علي وعبد الله بن حسن وعبد الله ابن معاوية خطباء لا يجارون ومن خطباء النساك والعباد الحسن بن أبي الحسن البصري ومطرف ابن عبد الله الحرشي ومؤرق العجلي وبكر بن عبد الله المزني ومحمد ابن واسع الازدي ويزيد بن أبان الرقاشي ومالك بن دينار السامي وليس الامر كما قال في هؤلاء القاص المجيد والواعظ البليغ وذو المنطق الوجيز فأما الخطب فانا لا نعلم احدا يتقدم الحسن البصري فيها وهؤلاء وان لم يسموا خطباء فان الخطيب لم يكن يشق غبارهم ابو الحسن قال حدثني ابو سليمان الحميري قال كان هشام بن عبد الملك يقول اني لأستصفق العمامة الرقيقة ان تكون على أذني اذا كان عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر يتكلم مخافة ان يسقط عني من حديثه شيء ومن الخطباء من بني عبد الله بن غطفان ابو البلاد وكان راوية ناسبا ومنهم هاشم بن عبدالا على الفزاري ومن الخطباء حفص بن معاوية الغلابي وكان خطيبا وهو الذي قال حين أشرك سليمان بن علي بينه وبين مولى له على دارة القتب أشركت بيني وبين غير الكفي ووليتني غير السني ومن بني هلال بن عامر زرعة بن ضمرة وهو الذي قيل لولا غلو فيه ما كان كلامه الا الذهب وقام عند معاوية بالشام خطيبا فقال معاوية يا أهل الشام هذا خالي فأتوني بخال مثله وكان ابنه النعمان بن زرعة بن ضمرة من أخطب الناس وهو احد من كان تخلص من الحجاج من فل ابن الأشعث بالكلام اللطيف قال سحيم بن حفص ومن الخطباء عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي تكلم هو وعبد الله بن الاهتم عند عمر بن هبيرة يفضل عاصما عليه فقال قائل يومئذ الخل الحامض ما لم يكن ماء ومن خطباء بني تميم عمرو بن الاهتم وكان يدعى المكحل لجماله وهو الذي قيل فيه انما شعره حلل منشرة بين ايدي الملوك تأخذ منه ما شاءت ولم يكن في بادية العرب في زمانه أخطب منه ومن بني منقر عبد الله بن الاهتم وكان خطيبا ذا مقامات ووفادات ومن الخطباء صفوان بن عبد الله بن الاهتم وكان خطيبا رئيسا وابنه خالد بن صفوان وقد وفد الى هشام وكان من سمار ابي العباس ومنهم ب بن عبد الله بن الاهتم قد ولى خراسان ووفد على الخلفاء وخطب عند الملوك ومن ولده شبيب بن شيبة بن عبد الله بنب عبد الله بن الاهتم وعبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن الاهتم وخاقان بن الاهتم وهو عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن الاهتم ومن خطبائهم محمد الأحول بن خاقان وكان خطيب بني تميم وقد رأيته وسمعت كلامه ومن خطبائهم معمر بن خاقان وقد وفد ومن خطبائهم مؤمل بن خاقان وقال ابو الزبير الثقفي ما رأيت خطيبا من خطباء الامصار أشبه بخطباء البادية من المؤمل بن خاقان ومن خطبائهم خاقان بن المؤمل بن خاقان وكان صباح بن خاقان ذا علم وبيان ومعرفة وشدة عارضة وكثرة راوية مع سخاء واحتمال وصبر على الحق ونصرة للصديق وقيام بحق الجار ومن بني منقر الحكم بن النضر وهو ابو العلاء المنقري وكان يصرف لسانه حيث شاء مع جهارة واقتدار ومن خطباء بني صريم بن الحارث الخزرج بن الصدى ومن خطباء بني تميم ثم من مقاعس عمارة بن ابي سليمان ومن ولد مالك بن سعيد عبد الله و خير ابنا حبيب كانا ناشبين عالمين أديبين دينين ومن ولد مالك بن سعيد عبد الله والعباس ابنا روبة وكان العباس علامة ناسبا راوية وكان عبد الله أرجز الناس وأفصحهم ويكنى ابا الشعثاء وهو العجاج ومن أصحاب الأخبار والنسب ابو بكر الصديق رضي الله عنه ثم جبير بن مطعم ثم سعيد بن المسيب ثم محمد بن سعيد بن المسيب ثم قتادة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة المسعودي الذي قال في كلمة له في عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله عنه فمسا تراب الارض منه خلقتما وفيه المعاد والمصير الى الحشر ولا تأنفا ان ترجعا فتسلما فما حشي الانسان شرا من الكبر فلو شئت أولي فيكما غير واحد علانية أو قال عندي في سر فان انا لم امر ولم أنه عنكما ضحكت له حتى يلج ويستشري وهو الذي قيل له كيف تقول الشعر مع النسك والفقه فقال ان المصدور لا يملك ان ينفث وقد ذكر المصدور ابو زبيد الطائي في صفة الاسد فقال للصدر منه عويل فيه حشرجة كأنما هو من أحشاء مصدور ومن خطباء هذيل ابو المليح الهذلي أسامة بن عمير ومنهم ابو بكر الهذلي كان خطيبا قاصا وعالما بينا وعالما بالاخبار والآثار وهو الذي لما فاخر أهل الكوفة قال لنا الساج والعاج والديباج والخراج والنهر العجاج باب من اسماء الكهان والحكام والخطباء والعلماء من قحطان قالوا أكهن العرب وأسجعهم سلمة بن أبي حية وهو الذي يقال له عزى سلمة ومنهم ومن خطباء عمان مرة بن فهم التليد وهو الخطيب الذي أوفده المهلب الى الحجاج ومن العتيك بشر بن المغيرة بن ابي صفرة وهو الذي قال لبني المهلب يا بني عمي اني والله قد قصرت عن شكاة العاتب وجاوزت شكاة المستعتب حتى كأني لست موصولا ولا محروما فعدوني امرأ خفتم لسانه أو رجوتم شكره واني وان قلت هذا فلما أبلاني الله بكم أعظم مما أبلاكم بي ومن خطباء اليمن ثم من حمير الصباح بن شقي الحميري كان أخطب العرب ومنهم ثم من الانصار قيس بن الشماس ومنهم ثابت بن قيس بن الشماس خطيب النبي ومنهم روح بن زنباع وهو الذي لما هم به معاوية قال لاتشمتن بي عدوا انت وقمته ولا تسوءن بي صديقا انت سررته ولا تهدمن مني ركنا انت بنيته هلا أتى حلمك وإحسانك على جهلي وإساءتي
ومن خطبائهم الاسود الكذاب بن كعب العنسى وكان طليحة خطيبا وشاعرا وسجاعا كاهنا ناسبا وكان مسيلمة الكذاب بعيدا من ذلك كله وثابت بن قيس بن شماس هو الذي قال لعامر حين قال أما والله لئن تعرضت لعني وفني وذكاء سني لتولين عني فقال له ثابت اماوالله لئن تعرضت لسبابي وشبا انيابي وسرعة جوابي لتكرهن جنابي فقال النبي يكفيك الله وأبناء قيلة واخذت هذا الحديث من رجل يصنع الكلام فأنا أتهمه ومن خطباء الانصار بشر بن عمرو بن محصن وهو ابو عمرة الخطيب ومن خطباء الانصار سعد بن الربيع وهو الذي اعترضت ابنته النبي فقال لها من أنت فقالت ابنة الخطيب النقيب الشهيد سعد بن الربيع ومنهم خال حسان بن ثابت وفيه يقول حسان إن خالي خطيب جابية الجو لان عند النعمان حيث يقوم وإياه يعني حسان بقوله رب خال لي لو أبصرته سبط المشية في اليوم الخصر ومنهم من الرواة والنسابين والعلماء شرقي بن القطامي الكلبي ومحمد ابن السائب الكلبي وعبد الله بن عياش الهمداني وهشام بن محمد بن السائب الكلبي والهيثم بن عدي الطائي وابو روق الهمداني واسمه عطية بن الحارث وأبو مخنف لوط بن يحيى الازدي ومحمد بن عمر الاسلمي الواقدي وعوانة الكلبي وابن عيينه المهلبي والخليل بن احمد الفراهيدي وخلف بن حيان الاحمر الاشعري قالوا ومنا في الجاهلية عبيد بن شرية ومنا شق بن الصعب ومنا ربيع بن ربيعة السطيح الذئبي ومنا المأمور الحارثي والديان بن عبد المدان الحارثي الشريفان الكاهنان ومنهم عمرو بن حنظلة بن نهد الحكم وله يقول القائل حنظلة بن نهد خير ناس من معد ومنهم أبوالشطاح اللخمي وجمع معاوية بينه وبين دغفل بن حنظلة البكري
ومنهم ابو الكناس الكندي ومنهم ابو مخوس الكندي وكانا ناسبين عالمين ومن اصحاب الاخبار والآثار عبد الله بن عتبة بن لهيعة ويكنى أبا عبد الرحمن ومن القدماء في الحكمة والخطابة والرياسة عبيد بن شريفة الجرهمي وأسقف نجران وأكيدر صاحب دومة الجندل وأفيعي نجران وذرب بن حوط وعليم بن جناب وعمرو بن ربيعة وهو لحى بن حارثة بن عمرو ومزيقيا وجذيمة بن مالك الابرش وهو أول من أسرج الشمع ورمى بالمنجنيق باب ذكر النساك والزهاد من أهل البيان عامر بن عبد قيس وصلة بن أشيم وعثمان بن أدهم وصفوان ابن محرز والاسود بن كلثوم والربيع بن خيثم وعمرو بن عتبة بن فرقد وهرم بن حيان ومؤرق العجلي و بكر بن عبد الله بن الشخير الحرشي وبعد هؤلاء مالك بن دينار وحبيب أبو محمد ويزيد الرقاشي وصالح المري وابو حازم الاعرج وزياد مولى عياش بن أبي ربيعة وعبد الواحد بن زياد وحيان أبو الاسود ودهثم أبو العلاء ومن النساء رابعة القيسية ومعاذ العدوية امرأة صلة بن أشيم وأم الدرداء ومن نساء الخوارج البلجاء وغزالة وقطام وحمادة وكحيلة ومن نساء الغالية ليلى الناعطية والصدوف وهند وممن كان من النساك ممن أدركناه أبو الوليد وهو الحكم الكندي ومحمد بن محمد الحمراني ومن القدماء ممن كان يذكر بالقدر والرياسة والبيان والخطابة و الحكمة والدهاء والنكراء لقمان بن عاد ولقيم بن لقمان ومجاشع بن دارم وسليط بن كعب بن يربوع سموه بذلك لسلاطة لسانه وقال جرير إن سليطا كاسمه سليط ولؤي بن غالب وقس بن ساعدة وقصى بن كلاب ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيفي وربيعة بن حذار وهرم بن قطبة وعامر بن الظرب ولبيد بن ربيعة وكان من الشعراء واسماء الصوفية من النساك ممن يجيد الكلام كلاب وكليب وهاشم الاوقص وابو هاشم الصوفي وصالح بن عبد الجليل ومن القدماء العلماء بالنسب وبالغريب الخطفي وهو جد جرير بن عطية ابن الخطفي وهو حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع و انما سمي الخطفي لابيات قالها يرفعن بالليل اذا ما أسدفا أعناق جنان وهاما رجفا وعنقا باقي الرسيم خيطفا ذكر القصاص قص الاسود بن سريع وهو الذي قال فان تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فاني لا إخالك ناجيا وقص الحسن وسعيد بن أبي الحسن وكان جعفر بن الحسن اول من اتخذ في مسجد البصرة حلقة وأقرأ القرآن فيها وقص ابراهيم التيمي وقص عبيد الله بن عمير الليثي وجلس اليه عبد الله بن عمر حدثني بذلك عمرو بن قائد باسناد له ومن القصاص ابو بكر الهذلي وهو عبد الله بن ابي سليمان وكان خطيبا بينا صاحب أخبار وآثار وقص ابنه مطرف بن عبد الله بن الشخير في مكان أبيه ومن كبار القصاص ثم من هذيل مسلم بن جندب وكان قاص مسجد النبي بالمدينة وكان امامهم وقارئهم وفيه يقول عمر بن عبد العزيز من سره ان يسمع القرآن غضا فليسمع قراءة مسلم بن جندب ومن القصاص عبد الله بن عرادة بن عبد الله بن الوضين وله مسجد في بني شيبان ومن القصاص موسى الاسواري وكان من أعاجيب الدنيا كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية وكان يجلس في مجلسه المشهور به فيقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره فيقرأ الاية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية ثم يحول وجهه الى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية فلا يدري باي لسان هو أبين واللغتان اذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منهما الضيم على صاحبتها الا ما ذكروا من لسان موسى بن سيار الاسواري ولم يكن في هذه الامة بعد أبي موسى الاشعري اقرأ في محراب من موسى ابن سيار ثم عثمان بن سعيد بن أسعد ثم يونس النحوي ثم المعلي ثم قص في مسجده أبو علي الاسواري وهو عمرو بن فائد ستا وثلاثين سنة فابتدأ لهم في تفسير سورة البقرة فما ختم القران حتى مات لانه كان حافظا للسير ولوجوه التأويلات فكان ربما يفسر آية واحدة في عدة أسابيع كأن الآية ذكر فيها يوم بدر وكان هو يحفظ مما يجوز ان يلحق في ذلك من الاحاديث الكثيرة وكان يقص في فنون كثيرة من القصص ويجعل للقران نصيبا من ذلك وكان يونس بن حبيب يسمع منه كلام العرب ويحتج به وخصاله المحمودة كثيرة ثم قص من بعده القاسم بن يحيى وهو أبو العباس الضرير لم يدرك في القصاص مثله وكان يقص معهما وبعدهما مالك بن عبد الحميد المكفوف ويزعمون ان أبا علي لم يسمع منه كلمة غيبة قط ولا عارض احدا من المخالفين والحساد والبغاة بشيء من المكافاة فأما صالح المري فانه كان يكنى أبا بشر وكان صحيح الكلام رقيق المجلس فذكر أصحابنا ان سفيان بن حبيب لما دخل البصرة وتوارى عند مرحوم العطار قال له مرحوم هل لك ان تأتي قاصا عندنا فتتفرج بالخروج والنظر الى الناس والاستماع منه فأتاه على تكره كأنه ظنه كبعض من يبلغه شأنه فلما أتاه وسمع منطقه وسمع تلاوته للقرآن وسمعه يقول حدثنا سعيد عن قتادة وحدثنا قتادة عن الحسن رأى بيانا لم يحتسبه ومذهبا لم يكن يدانيه فاقبل سفيان على مرحوم فقال هذا ليس قاصا هذا نذير باب ما قيل في المخاطر والعصي وغيرهما كانت العرب تخطب بالمخاصر وتعتمد على الارض بالقسي وتشير بالعصي والقنا نعم حتى كانت المخاصر لا تفارق أيدي الملوك في مجالسها ولذلك قال الشاعر في كفة خيزران ريحها عبق بكف اروع في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضي من مهابته فما يكلم الا حين يبتسم ان قال قال بما يهوى جميعهم وان تكلم يوما ساحت الكلم يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم اذا ما جاء يستلم كم هاتف لك من داع وداعية يدعون يا قثم الخيرات يا قثم وقال الشاعر قولا فسر فيه ما قلنا قال مجالسهم خفض الحديث وقولهم اذا ما قضوا في الامرم وحي المخاصر وقال الكميت بن زيد ونزور مسلمة المهذب بالمؤيدة السرائر بالمذهبات المعجبات لمفحم منا وشاعر أهل التجاوب والمحافل والمقاول بالمخاصر فهم كذلك في المجالس والمحافل والمشاعر وكما قال الانصاري في المجامع حيث يقول وسارت بنا سيارة ذات سورة بكوم المطايا والخيول الجماهير يؤمون ملك الشام حتى تمكنوا ملوكا بأرض الشام فوق المنابر يصيبون فصل القول في كل خطبة اذا وصلوا أيمانهم بالمخاصر وفي المخاصر والعصي وفي خد وجه الارض باطراف القسي قال الحطيئة
أم من لخصم مضجعين قسيهم صعر خدودهم عظام المفخر وقال لبيد بن ربيعة في الاشارة غلب تشذر بالدخول كأنها جن البدي رواسيا أقدامها وقال في خد وجه الارض بالعصي والقسي يشين صحاح البيد كل عشية بعوج السراء عند باب محجب وفي مثله يقول الشاعر اذا أقتسم الناس فضل الفخاري اطلنا على الارض ميل العصا وقال الآخر كتبت لنا في الارض يوم محرف أيامنا في الارض يوما فيصلا وقال لبيد بن ربيعة في ذكر القسي ما ان أهاب اذا السرادق عمه قرع القسي وأرعش الرعديد وقال معن بن أوس المزني ألا من مبلغ عني رسولا عبيد الله إذ عجل الرسالا تغافل دوننا ابناء ثور ونحن الاكثرون حصى ومالا اذا اجتمع القبائل جئت ردفا أمام الماسحين لك السبالا فلا تعطى عصا الخطباء فيهم وقد تكفى المقادة والمقالا ومما قالوا في حمل القناة قوله الى امرى ء لا تخطاه الرقاب ولا حدب الحوان اذا ما استنشيء العرق صلب الحيازيم لا هذر الكلام إذا هز القناة ولا مستعجل زهق وكما قال جرير الخطفى من للقناة اذا ماعي قائلها ام للأعنة يا شيب بن عمار قال ومثل هذا قول ابي المجيب الربعي ما تزال تحفظ أخاك حتى يأخذ القناة فعند ذلك يفضحك أو يسرك يقول اذا قام يخطب وفي كتاب جبل بن يزيد احفظ اخاك الا من نفسه وقال عبد الله بن رؤبة سأل رجل رؤبة عن أخطب بني تميم فقال خداش بن بشر بن لبيد يعني البعيث وانما قيل له البعيث لقوله تبعث مني ما تبعث بعدما أمرت حبالي كل مرتها شزرا
وزعم سحيم بن حفص انه كان يقال أخطب بني تميم البعيث اذا أخذ القناة وقال يونس لعمري لئن كان مغلبا في الشعر لقد كان غلب في الخطب ومن الشعراء من يغلب شيء قاله في شعره على اسمه وكنيته فيسمى به وهم كثير فمنهم البعيث هذا ومنهم عوف بن حصن بن حذيفة بن بدر غلب عليه عويف القوافي لقوله سأكذب من قد كان يزعم انني اذا قلت شعرا لا أجيد القوافيا فسمى عويف القوافي ومنهم يزيد بن ضرار التغلبي غلب عليه المزرد لقوله فقلت تزردها عبيد فانني لدرد الموالي في السنين مزرد فسمى المزرد ومنهم عمرو بن سعيد بن مالك غلب عليه المرقش وذلك لقوله الدار فقر والرسوم كما رقش في ظهر الأديم قلم فسمى مرقشا ومنهم شاس بن نهار العبدي غلب عليه الممزق لقوله فان كنت مأكولا فكن خير آكل وإلا فأدركني ولما أمزق فسمى الممزق ومنهم جرير بن عبد المسيح الضبعي غلب عليه المتلمس لقوله فهذا أوان العرض طن ذبابه زنابيره والازرق المتلمس ومنهم عمرو بن رباح بن عمر والسلمي أبو خنساء بنت عمرو غلب الشريد على اسمه لقوله تولى إخوتي وبقيت فردا وحيدا في ديارهم شريدا فسمى الشريد وهذا كثير ودخل رجل من قيس عيلان على عبد الملك بن مروان فقال زبيري عميري والله لا يحبك قلبي ابدا قال يا امير المؤمنين إنما يجزع من فقدان الحب المرأة ولكن عدل وانصاف
قال عمر لأبي مريم الحنفي السلولي قاتل زيد بن الخطاب لا يحبك قلبي ابدا حتى تحب الارض الدم المسفوح وهذا مثل قول الحجاج والله لأقلعنك قلع الصمغة لان الصمغة اليابسة اذا فرقت عن الشجرة انقلعت انقلاع الجلبة والارض لا تنشف الدم المسفوح ولا تمصه فمتى جف الدم وتجلب لم تره اخذ من الارض شيئا ومن الخطباء الغضبان بن القبعثرى وكان محبوسا في سجن الحجاج فدعا به يوما فلما رآه قال انك لسمين قال القيد والرتعة ومن يكن ضيفا للأمير يسمن وقال يزيد بن عياض لما نقم الناس على عثمان خرج يتوكأ على مروان وهو يقول لكل أمة افة ولكل نعمة عاهة وان آفة هذه الامة عيابون طعانون يظهرون لكم ماتحبون ويسرون ما تكرهون طغام مثل النعام يتبعون اول ناعق لقد نقموا على ما نقموه على عمر ولكن قمعهم ووقمهم والله اني لأقرب ناصر أو أعز نفرا فضل فضل من مالي فمالي لا أفعل في الفضل ما شاء ورأيت الناس يتداولون رسالة يحيى بن يعمر على لسان يزيد بن المهلب إنا لقينا العدو فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة ولحقت طائفة بعرائر الآودية وأهضام الغيطان وبتنا بعرعرة الجبل وبات العدو بحضيضه فقال الحجاج ما يزيد بأبي عذرة هذا الكلام فقيل له ان معه يحيى بن يعمر فحمل اليه فلما أتاه قال أين ولدت قا ل بالاهواز قال فأنى لك هذه الفصاحة قال أخذتها عن أبي ورأيتهم يديرون في كتبهم ان امرأة خاصمت زوجها الى يحيى بن يعمر فانتهرها مرارا فقال له يحيى ان سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها فان كانوا إنما رووا هذا الكلام لانه يدل على فصاحة فقد باعده الله من صفة البلاغة والفصاحة وان كانوا انما دونوه في الكتب وتذاكرواه في المجالس لانه غريب فأبيات من شعر العجاج أو شعر الطرماح أو اشعار هذيل تأتي لهم مع حسن الوصف على اكثر مما ذكروا ولو خاطب بقوله ان سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها الأصمعي لظننت انه سيجهل بعض ذلك فهذا ليس من أخلاق الكتاب ولا من آدابهم وقال أبوالحسن كان غلام يقعر في كلامه فأتى ابا الاسود الدؤلي يلتمس بعض ما عنده فقال له ابو الاسود ما فعل ابوك قال أخذته الحمى فطبخته طبخا وفتخته فتخا وفضخته فضخا فتركته فرخا فقال ابو الاسود فما فعلت امرأته التي كانت تشاره وتماره وتهاره وتزاره قال طلقها وتزوجت غيره فرضيت وحظيت وبظيت قال ابو الاسود قد علمنا رضيت وحظيت فما بظيت قال بظيت حرف من الغريب لم يبلغك قال ابوالاسود يا بني كل كلمة لا يعرفها عمك فاسترها كما تستر السنور خرءها قال ابوالحسن مر ابو علقمة النحوي ببعض طرق البصرة وهاجت به مرة فوثب عليه قوم منهم فاقبلوا يعضون ابهامه ويؤذنون في أذنه فأفلت من أيديهم فقال مالكم تتكأكأون على كأنكم تتكأكأون على ذي جنة افرنقعوا عني قالوا دعوه فان شيطانه يتكلم بالهندية وقال ابو الحسن هاج بأبي علقمة الدم فأتى بحجام فقال للحجام اشدد قصب الملازم وأرهف ظبات المشارط وأسرع الوضع وعجل النزع وليكن شرطك وخزا ومصك نهزا ولا تكرهن ابيا ولا تردن أتيا فوضع الحجام محاجمه في جونته وانصرف فحديث أبي علقمة فيه غريب وفيه انه لو كان حجاما مرة ما زاد على ما قال وليس في كلام يحيى بن يعمر شيء من الدنيا الا انه غريب وهو أيضا من الغريب بغيض وذكروا عن محمد بن اسحق قال لما جاء ابن الزبير وهو بمكة قتل مروان الضحاك بمرج راهط قام فينا خطيبا فقال ان ثعلب بن ثعلب حفر بالصحصحة فأخطأت أسته الحفرة وألهف أم لم تلدني على رجل من محارب كان يرعى في جبال مكة فيأتي بالشربة من اللبن فيبيعها بالقبضة من الدقيق فيرى ذلك سدادا من عيش ثم أنشأ يطلب الخلافة ووراثة النبوة وأول هذا الكلام مستكره وهو موجود في كل كتاب وجار على لسان كل صاحب خبر وقد سمعت لابن الزبير كلاما كثيرا ليس هذا في سبيله ولا يتعلق به وقال ابو يعقوب الاعور السلمي وخلجة ظن يسبق الطرف حزمها تشيف على غيم وتمكن من زحل صدعت بها والقوم فوضى كأنهم بكارة مرباع تبصبص للفحل وقال ابن عثمة لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول وقال رجل من بني يربوع الى الله أشكو ثم أشكو إليكما وهل تتفع الشكوى الى من يزيدها حزازات حب في الفؤاد وعبرة اظل بأطراف البنان أذودها يحن فؤادي من مخافة بينكم حنين المزجى وجهة لا يريدها وقد احسن الآخر حيث يقول وأكرم نفسي عن مناكح جمة ويقصر مالي ان أنال الغواليا وقال الاخر واذا العبد أغلق الباب دوني لم يحرم علي متن الطريق وقال الخليع العطاردي كنا بالبادية اذ نشأ عارض وما في السماء قزعة معلقة وجاء السيل فاكتسح أبياتا من بني سعد فقلت فرحنا بوسمي تألق ودقه عشاء فأبكانا صباحا فأسرعا له ظلة كأن ريق وبلها عجاجة صيف أو دخان ترفعا فكان على قوم سلاما ونعمة وألحق عادا آخرين وتبعا وقال ابو عطاء السندي لعبيد الله بن عباس الكندي الى معشر أردوا أخاك وكفروا أباك فماذا بعد ذاك تقول وقل لعبيد الله لوكان جعفر هو الحي لم يبرح وانت قتيل فقال عبيد الله أقول عض ابوعطاء ببظر امه فغلب عليه قال ابو عبيدة قال ابو البصير في ابي رهم السدوسي وكان يلي الاعمال لأبي جعفر رأيت أبارهم يقرب منجحا غلام أبي بشر ويجفو أبا بشر فقلت ليحيى كيف قرب منجحا فقال له أير يزيد على شبر قال ابو عثمان وقد طعنت الشعوبية على أخذ العرب المخصرة في خطبها والقنا والقضيب والاتكاء والاعتماد على القوس والخد في الارض والاشارة بالقضيب بكلام مستكرة تجدهم في الجزء الثالث وقد ذكرنا ان الامم التي فيها الاخلاق والاداب والحكم والعلم أربع وهي العرب والهند وفارس والروم وقال حكيم بن عياش الكلبي ألم يك ملك أرض الله طرا لاربعة له متميزينا لحمير والنجاشي وابن كسرى وقيصر غير قول الممترينا فما أدري بأي سبب وضع الحبشة في هذا الموضع وأما ذكره لحمير فان كان إنما ذهب الى تبع نفسه في الملوك فهذا له وجه وأما النجاشي فليس هو عند الملوك في هذا المكان ولو كان النجاشي في نفسه فوق تبع وكسرى وقيصر لما كان أهل مملكته من الحبش في هذا الموضع وهو لم يفضل النجاشي لمكان اسلامه يدل على ذلك تفضيله لكسرى وقيصر وكان وضع كلامه على ذكر الممالك ثم ترك الممالك وأخذ في ذكر الملوك والدليل على ان العرب أنطق وأن لغتها أوسع وان لفظها أدل وأن أقسام تأليف كلامها أكثر والامثال التي ضربت أجود وأسير والدليل على ان البديهة مقصورة عليها وان الارتجال والاقتضاب خاص فيها وما الفرق بين أشعارهم وبين الكلام الذي تسميه الفرس والروم شعرا وكيف صار النسيب في أشعارهم والذي أدخلوه في غنائهم وفي ألحانهم انما يقال على ألسنة نسائهم وهذا لا يصاب في العرب الا القليل اليسير وكيف صارت العرب تقطع الالحان الموزونة على الاشعار الموزونة فتضع موزونا على موزون والعجم تمطط الالفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزونا على غير موزون وقال أبو الحسن المدائني قال الحجاج لأنس بن مالك حين دخل عليه في شأن ابنه عبد الله وكان خرج مع ابن الاشعث لا مرحبا بك ولا أهلا لعنة الله عليك من شيخ جوال في الفتنة مرة مع أبي تراب ومرة مع ابن الاشعث والله لأقلعنك قلع الصمغة ولأعصبنك عصب السلمة ولأجردنك تجريد الضب قال أنس من يعني الامير أبقاه الله قال إياك أعني أصم الله صداك قال فكتب انس بذلك على عبد الملك فكتب عبد الملك الى الحجاج
بسم الله الرحمن الرحيم يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب والله لقد هممت ان أركلك برجلي ركلة تهوي بها في نار جهنم قاتلك الله أخيفش العينين أصك الرجلين أسود الجاعرتين والسلام وكان الحجاج أخيفش مسلق الاجفان ولذلك قال إمام بن أرقم النميري وكان الحجاج جعله على بعض شرط أبان بن مروان ثم حبسه فلما خرج قال طليق الله لم يمنن عليه أبو داود وابن أبي كثير ولا الحجاج عيني بنت ماء تقلب طرفها حذر الصقور وخطب الحجاج يوما فقال في خطبته والله ما بقي من الدنيا الا مثل ما مضى ولهو أشبه به من الماء بالماء والله ما أحب ان ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه المفضل بن محمد الضبي قال كتب الحجاج الى قتيبة بن مسلم ان ابعث الي بالآدم الجعدي الذي يفهمني ويفهم عني فبعث اليه غدام بن شتير فقال الحجاج لله دره ما كتبت اليه في أمر قط الا فهم عني وعرف ما أريد قال ابو الحسن وغيره أراد الحجاج الحج فخطب الناس فقال أيها الناس اني اريد الحج وقد استخلفت عليكم ابني محمد هذا واوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله في الانصار ان رسول الله ان يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ألا واني قد أوصيته أن لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم ألا وإنكم ستقولون بعدي مقالة ما يمنعكم من إظهارها الا مخافتي ألا وانكم ستقولون بعدي لا أحسن الله له الصحابة ألا واني معجل لكم الاجابة لا احسن الله الخلافة عليكم ثم نزل وكان يقول في خطبته أيها الناس ان الكف عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله وقال عمرو بن عبيد رحمه الله كتب عبد الملك بن مروان وصية زياد بيده وأمر الناس بحفظها وتدبر معانيها ان الله عز وجل جعل لعباده عقولا عاقبهم بها على معصيته وأثابهم بها على طاعته فالناس بين محسن بنعمة الله عليه ومسيء بخذلان الله اياه ولله النعمة على المحسن والحجة على المسيء فما اولى من تمت عليه النعمة في نفسه ورأى العبرة في غيره بأن يضع الدنيا بحيث وضعها الله فيعطى ما عليه منها ولا يتكثر بما ليس له منها فان الدنيا دار فناء ولا سبيل الى بقائها ولا بد من لقاء الله فأحذركم الله الذي حذركم نفسه واوصيكم بتعجيل ما اخرته العجزة قبل ان تصيروا الى الدار التي صاروا اليها فلا تقدرون على توبة وليس لكم منها أوبة وانا استخف الله عليكم واستخلفه منكم وقد روى هذا الكلام عن الحجاج وزياد احق به منه باب ما ذكروا فيه من ان أثر السيف بمحوا أثر الكلام قال جرير يكلفني رد العواقب بعدما سبقن كسبق السيف ما قال عاذله وقال الكميت بن معروف خذوا العقل ان اعطاكم العقل قومكم وكونوا كمن سيم الهوان فأربعا ولا تكثروا فيه الضجاج فانه محا السيف ما قال ابن داره اجمعا والمثل السائر من قبل هذا سبق السيف العذل ومن اهل الادب زكريا بن درهم مولى بني سليم بن منصور صاحب سعيد بن عمرو الحرشي وزكريا هو الذي يقول لا تنكروا لسعيد فضل نعمته لا يشكر الله من لا يشكر الناسا ومن اهل الادب من وجهه هشام الى الحرشي السرادق بن عبد الله السدوسي الفارسي ولما ظفر سلم بن قتيبة بالازد كان من الجند في دور الازد انتهاب واحراق واثار قبيحة فقام شبيب بن شيبة الى سلم بن قتيبة فقال ايها الامير ان هريم بن عدي بن ابي طلحة وكان غير منطيق قال ليزيد بن عبد الملك في شأن المهالبة يا امير المؤمنين إنا والله ما رأينا احدا ظلم ظلمك ولا نصر نصرك فافعل الثالثة نقلها قال الهيثم بن عدي قام عبد الله بن الحجاج التغلبي الى عبد الملك بن مروان وقد كان أراد الاتصال به وقد كان عبد الملك حنقا عليه فأقام ببابه حولا لا يصل ثم ثار في وجهه في بعض ركباته فقال أدنو ليرحمني وترتق خلتي وأراك تدفعني فأين المدفع فقال عبد الملك الى النار فقال ولقد أذقت بني سعيد حرها وابن الزبير فرأسه متضعضع فقال عبد الملك قد كان بعض ذاك وأنا استغفر الله وقال ابو عبيدة كان بين الحجاج وبين العديل بن فرخ العجلي بعض الامر فتوعده الحجاج بالقتل فقال العديل أخوف بالحجاج حتى كأنما يحرك عظم في الفؤاد مهيض ودون يد الحجاج من ان تنالني بساط لأيدي اليعملات عريض مهامه أشباه كأن سرابها ملاء بأيدي الغاسلات رحيض ثم ظفر به الحجاج فقال له يا عديل هل نجاك بساطك العريض فقال أيها الامير انا الذي أقول فيك ولو كنت بالعنقاء أو بأسومها لكان لحجاج علي دليل خليل أمير المؤمنين وسيفه لكل إمام مصطفى وخليل بني قبة الاسلام حتى كأنما هدى الناس من بعد الضلال رسول فقال له الحجاج اربح نفسك واحقن دمك وإياك واختها فقد كان الذي بيني وبين قتلك أقصر من إبهام الحباري قال ابو الحسن وقام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان خطيبا بالمدينة وكان واليها ينعى معاوية ويدعو الى بيعة يزيد فلما رأى روح بن زنباع إبطاءهم قال أيها الناس انا لا ندعوكم الى لخم وجذام وكلب ولكنا ندعوكم الى قريش ومن جعل الله له هذا الامر واختصه به وهو يزيد بن معاوية ونحن أبناء الطعن والطاعون وفضلات الموت وعندنا ان اجبتم وأطعتم من المعونة والفائدة ما شئتم فبايع الناس قال وخطب ابراهيم بن اسماعيل من ولد المغيرة المخزومي فقال أنا ابن الوغى من شاء احزر نفسه صقرا يلوذ حمامه بالعرفج ثم قال استوثقي أحمرة الوجين سمعن حس أسد حرون فهن يضرطن وينتزين ثم قال والله اني لأبغض القرشي ان يكون فظا يا عجبا لقوم يقال لهم من أبوكم فيقولون أمنا من قريش فتكلم رجل من عرض الناس وهو يخطب فقال له غيره صه فان الامام يخطب فقال انما أمرنا بالانصات عند قراءة القران لا عند ضراط أحمرة الوجين وقال خر سمعت ابن هبيرة على هذه الاعواد وهو يقول في دعائه اللهم اني أعوذ بك من عدو يسري ومن جليس يفري ومن صديق يطري قال أبو الحسن كان نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرث خال مروان واليا على مكة والمدينة وكان شاهرا سيفه لا يغمده وبلغه ان فتى من بني سهم يذكره بكل قبيح فلما أتى به وأمر بضرب عنقه قال له الفتى لا تعجل علي ودعني اتكلم قال أو بك كلام قال نعم وأزيد يا نافع وليت الحرمين تحكم في دمائنا وأموالنا وعندك أربع عقائل من العرب وبنيت ياقوته بين الصفا والمروة يعني داره وانت نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرث أحسن الناس وجها واكرمهم حسبا وليس لنا من ذلك الا التراب فلم نحسدك على شيء منه ولم ننفسه عليك ونفست علينا ان نتكلم فقال تكلم حتى ينفك فكاك وقال علي بن مجاهد عن جعد بن أبي الجعد قال صعصعة بن صوحان ما أعياني جواب احد ما أعياني جواب عثمان دخلت عليه فقلت له اخرجنا من ديارنا وأموالنا ان قلنا ربنا الله قال نحن الذين اخرجنا من ديارنا وأموالنا ان قلنا ربنا الله فمنا من مات بأرض الحبشة ومنا من مات بالمدينة وقال الحجاج على منبره والله لألحونكم لحو العصا ولا عصبنكم عصب السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الابل يا اهل العراق يا اهل الشقاق والنفاق ومساوى ء الاخلاق اني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الله في الترغيب ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب وقد عرفت انها عجاجة تحتها قصف فتنة أي بني اللكيعة وعبيد العصا وبني الاماء والله لئن قرعت عصا لأتركنكم كأمس الدابر وقال مالك بن دينار ربما سمعت الحجاج يخطب ويذكر ما صنع به أهل العراق وما صنع بهم فيقع في نفسي أنهم يظلمونه وانه صادق لبيانه وحسن تخلصه بالحجج وقسم الحجاج مالا فأعطى منه مالك بن دينار فقبل واراد ان يدفع منه الى حبيب ابي محمد فأبى ان يقبل منه شيئا ثم مر حبيب بمالك واذا هو يقسم ذلك المال فقال له مالك أبا محمد لهذا قبلناه فقال له حبيب دعني مما هناك أسألك بالله الحجاج اليوم أحب اليك أم قبل اليوم قال بل اليوم فقال حبيب فلا خير في شيء حبب اليك الحجاج ومر غيلان بن خرشة الضبي مع عبد الله بن عامر على نهر عبد الله الذي يشق البصرة فقال عبد الله ما أصلح هذا النهر لاهل هذا المصر فقال غيلان اجل ايها الامير يعلم القوم فيه صبيانهم السباحة ويكون لشفاههم ومسيل مياههم وتأتيهم فيه ميرتهم قالوا ثم مر غيلان يساير زيادا على ذلك النهر وكان قد عادى ابن عامر فقال زياد ما أضر هذا النهر بأهل هذا المصر فقال غيلان أجل والله ايها الامير تنز منه دورهم ويغرق فيه صبيانهم ومن اجله تكثر بعوضهم فالذين كرهوا البيان إنما كرهوا مثل هذا المذهب فأما نفس حسن البيان فليس يذمه إلا من عجز عنه ومن ذم البيان مدح العي وكفى بذلك جهلا وخبالا ولخالد بن صفوان في الجبن المأكول كلام ذهب فيه شبيها بهذا المذهب ورجع طاوس عن مجلس محمد بن يوسف وهو يومئذ والي اليمن فقال ما ظننت ان قول سبحان الله يكون معصية لله حتى كان اليوم سمعت رجلا أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما فقال له رجل في المجلس سبحان الله كالمتسعظم لذلك الكلام فغضب بن يوسف قال أبوالحسن وغيره دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك وكان دميما فلما رآه قال على رجل أجرك رسنك وسلطك على المسلمين لعنة الله فقال يا أمير المؤمنين انك رأيتني والأمر عني مدبر ولو رأيتني والأمر علي مقبل لاستعظمت من امري ما استصغرت فقال سليمان أفترى الحجاج بلغ قعر جهنم بعد فقال يزيد يا أمير المؤمنين يجيء الحجاج يوم القيامة بين أبيك وأخيك قابضا على يمين أبيك وشمال أخيك فضعه من النار حيث شئت
وذكر يزيد بن المهلب يزيد بن ابي مسلم بالعفة عن الدينار والدرهم وهم ان يستكفيه مهما من امره فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله ألا أدلك على من هو ازهد في الدينار والدرهم منه وهو شر الخلق قال بلى قال ابليس وقال أسيلم بن الاحنف للوليد بن عبد الملك قبل ان يستخلف اصلح الله الامير اذا ظننت ظنا فلا تحققه واذا سألت الرجال فسلهم عما تعلم فاذا رأوا سرعة فهمك لما تعلم ظنوا بك ذلك فيما لا تعلم ودس من يسأل لك عما لا تعلم وكان أسيلم بن الأحنف الاسدي ذا بيان وأدب وعقل وجاه وهو الذي يقول فيه الشاعر ألا ايها الركب المحثون هل لكم بسيد أهل الشام تحبوا وترجعوا أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه لعين تدجا اولأذن تسمع من النفر البيض الذين اذا انتموا وهاب الرجال حلقه الباب قعقعوا جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه وطيب الدهان رأسه فهو أنزع اذا النفر السود اليمانون حاولوا له حوك برديه أرقوا وأوسعوا وهذا الشعر من اشعار الحفظ والمذاكرة قال الهيثم بن عدي قدمت وفود العراق على سليمان بن عبد الملك بعدما استخلف فأمرهم بشتم الحجاج فقاموا يشتمونه فقال بعضهم ان عدو الله الحجاج كان عبدا زبابا قنور بن قنور لا نسب له في العرب قال سليمان أي شتم هذا ان عدو الله الحجاج كتب الي انما انت نقطة من مداد فان رأيت في ما رأى ابوك واخوك كنت لك كما كنت لهما والا فأنا الحجاج وانت النقطة فان شئت محوتك وان شئت أثبتك فالعنوه لعنه الله فأقبل الناس يلعنونه فقام ابن ابي بردة بن ابي موسى الاشعري فقال يا أمير المؤمنين إنا نخبرك عن عدو الله بعلم قال هات قال كان عدو الله يتزين تزين المومسة ويصعد المنبر فيتكلم بكلام الاخيار فاذا نزل عمل عمل الفراعنة واكذب في حديثه من الدجال فقال سليمان لرجاء بن حيوة هذا وأبيك الشتم لا ما تأتي به السفلة وقال عن عوانة قطع ناس من عمرو بن تميم وحنظلة على الحجاج بن يوسف فكتب اليهم من الحجاج بن يوسف اما بعد فانكم استخلصتم الفتنة فلا عن حق تقاتلون ولا عن منكر تنهون وأيم الله اني لا هم ان يكون اول ما يرد عليكم من قبلي خيل تنسف الطارف والتالد وتدع النساء أيامى والابناء يتامى والديار خرابا والسواد بياضا فأيما رفقه مرت بأهل ماء فأهل ذلك الماء ضامنون لها حتى تصير الى الماء الذي يليه تقدمة مني اليكم والسعيد من وعظ بغيره والسلام ومسلمة بن محارب قال كان الحجاج يقول أخطب الناس صاحب العمامة السوداء بين اخصاص البصرة اذا شاء خطب واذا شاء سكت ولما اجتمعت الخطباء عند معاوية في شأن يزيد وفيهم الاحنف قام رجل من حمير فقال انا لا نطيق افواه الكمال بريد الجمال عليهم المقال وعلينا الفعال وهذا من الحميري يدل على تشادق خطباء نزار قال سفيان بن عيينه قال ابن عباس اذا ترك العالم قول لا ادري أصيبت مقاتله وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله من قال لا ادري فقد احرز نصف العلم لان الذي له على نفسه هذه القوة فقد دلنا على جودة التثبت وكثرة الطلب وقوة المنة وقيل للمسيح بن مريم صلوات الله عليه من نجالس قال من يزيد في علمكم منطقه وتذكركم الله رؤيته ويرغبكم في الاخرة عمله ومر المسيح بقوم يبكون فقال ما لهؤلاء يبكون قالوا يخافون ذنوبهم قال اتركوها يغفر لكم قال الوصافي دخل الهيثم بن الاسود بن العريان وكان شاعرا خطيبا على عبد الملك بن مروان فقال له كيف نجدك قال أجدني قد ابيض مني ما كنت احب ان يسود واسود مني ما كنت احب ان يبيض واشتد مني ما كنت احب ان يلين ولان مني ما كنت احب ان يشتد ثم أنشد أسمع أنبئك بآيات الكبر نوم العشاء وسعال بالسحر وقلة النوم اذا الليل اعتكر وقلة الطعم اذا الزاد حضر وسرعة الطرف وتحميج النظر وحذرا ازداده الى حذر وتركي الحسناء في قبل الطهر والناس يبلون كما يبلى الشجر وقالوا مروا الاحداث بالمراء والكهول بالفكر وقال عبد الله بن الحسين المراء رائد الغضب فأخزى الله عقلا يأتيك به الغضب وقالوا اربعة تشتد معاشرتهم الرجل المتواني والرجل العالم والفرس المرح والملك الشديد المملكة وقال غاز ابومجاهد يعارضه اربعة تشتد مؤونتهم النديم المعربد والجليس الاحمق والمغني التائه والسفلة اذ نفروا وقال ابو شمر الغساني أقبل علي فلان باللحظ واللفظ وما الكلام إلا زجر أو وعيد قال عمير بن الحباب وروى ذلك عنه مسعر ما اغرت على حي في الجاهلية احزم امرأة ولا اعجز رجلا من كلب وأحزم رجلا وأعجز امرأة من تغلب وقامت امرأة من تغلب الى الجحاف بن حكيم حين أوقع بالبشر فقتل الرجال وبقر بطون النساء فقالت له فض الله فاك وأصمك وأعماك وأطال سهادك وأقل رقادك فوالله إن قتلت الا نساء أسافلهن دمى وأعاليهن ثدى فقال الجحاف لمن حوله لولا ان تلد مثلها لخليت سبيلها نبلغ ذلك الحسن فقال إنما الجحاف جذوة من نار جهنم وكان عامر بن الظرب العدواني حكيما وكان خطيبا رئيسا وهو القائل يا معشر عدوان ان الخير ألوف عزوف ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه واني لم اكن حكيما حتى اتبعت الحكماء ولم أك سيدكم حتى تعبدت لكم وقال أعشى بني شيبان ولا انا في أمري ولا في خليقتي بمهتضم حقي ولا قارع سني ولا مسلم مولاي من شر ما جنى ولا خائف مولاي من شر ما أجني وإن فؤادا بين جنبي عالم بما أبصرت عيني وما سمعت أذني وفضلني في القول والشعر أنني أقول بما أهوى وأعرف ما أعني وقال رجل من ولد العباس ليس ينبغي للقرشي ان يستغرق في شيء من العلم الا علم الاخبار فأما غير ذلك فالنتف والشذر من القول وقال آخر
وصافية تعشي العيون رقيقة رهينة عام في الدنان وعام أدرنا بها الكأس الروية بيننا من الليل حتى انجاب كل ظلام فما ذر قرن الشمس حتى كأننا من العي نحكي أحمد بن هشام ومر رجل من قريش بفتي من ولد عتاب بن أسيد وهو يقرأ كتاب سيبويه فقال أف لكم علم المؤدبين وهمة المحتاجين وقال ابن عتاب يكون الرجل نحويا عروضيا وقساما فرضيا وحسن الكتابة جيد الحساب حافظا للقرآن راوية للشعر وهو يرضى ان يعلم أولادنا بستين درهما ولو ان رجلا كان حسن البيان حسن التخريج للمعاني ليس عنده غير ذلك لم يرض بألف درهم وقال عبد الله بن يزيد السفياني عود نفسك الصبر على جليس السوء فإنه لا يكاد يخطئك وقال سهل بن عبد العزيز من ثقل عليك بنفسه وغمك في سؤاله فألزمه أذنا صماء وعينا عمياء وقال سهيل بن ابي صالح عن أبيه كان ابو هريرة اذا استثقل رجلا قال اللهم اغفر له وأرحنا منه وقال ابن أبي أمية شهدت الرقاشي في مجلس وكان ألي بغيضا مقيتا فقال اقترح كل ما تشتهى فقلت اقترحت عليك السكوتا وقال ابن عباس العلم اكثر من ان يحصى فخذوا من كل شيء أحسنه وقال المدائني عن العباس بن عامر خطب محمد بن الوليد بن عتبة الى عمر بن عبد العزيز رحمه الله أخته فقال الحمد لله رب العزة والكبرياء وصلى الله على محمد خاتم الانبياء اما بعد فقد أحسن بك ظنا من أودعك حرمته واختارك ولم يختر عليك وقد زوجناك على ما في كتاب الله إمساك بمعروف أو تسريح باحسان وخطب أعرابي وأعجله القول وكره ان تكون خطبته بلا تحميد ولا تمجيد فقال الحمد لله غير ملال لذكر الله ولا إيثار غيره عليه ثم ابتدأ القول في حاجته وسأل أعرابي ناسا فقال جعل الله حظكم في الخير ولا جعل حظ السائل منكم عذره صادقة وكتب ابراهيم بن سيابة الى صديق له كثير المال كثير الدخل كثير النض إما مستسلفا وإما سائلا فكتب اليه الرجل العيال كثير والدين ثقيل والدخل قليل والمال مكذوب عليه فكتب اليه ابراهيم ان كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وان كنت محجوجا فجعلك الله محذورا وقال الشاعر لعل مفيدات الزمان يفدنني بني صامت في غير شيء يضيرها وقال أعرابي اللهم لا تنزلني ماء سوء فأكون إمرأ سوء وقال أعرابي اللهم قني عثرات الكرام وسمع مجاشع الربعي رجلا يقول الشحيح أعذر من الظالم فقال أخزى الله شيئين خيرهما الشح وأنشدنا ابو فروة اني مدحتك كاذبا فأثبتني لما مدحتك ما يثاب الكاذب وأنشد علي بن معاذ ثالبني عمرو وثالبته فأثم المثلوب والثالب قلت له خيرا وقال الخنا كل على صاحبه كاذب وقال ابو معشر لما بلغ عبد الله بن الزبير قتل عبد الملك بن مروان عمرو ابن سعيد قام خطيبا فقال ان أبا ذبان قتل لطيم الشيطان كذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ولما جلس عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه على المنبر قال ياب أيها الناس ان الله قد فتح عليكم أفريقية وقد بعث إليكم ابن أبي سرح عبد الله بن الزبير بالفتح قم يا ابن الزبير قال فقمت وخطبت فلما نزلت قال يا أيها الناس انكحوا النساء على آبائهن وأخواتهن فاني لم أر لأبي بكر الصديق ولدا أشبه به من هذا وقال الجرمي أعددته ذخرا لكل ملمة سهم المنايا بالذخائر مولع وذكر ابو العيزار جماعة من الخوارج بالادب والخطب ومسوم للموت يركب درعه بين القواضب والقنا الخطار يدنو وترفعه الرماح كأنه شلو تنشب في مخالب ضار فثوى صريعا والرماح تنوشه ان الشراة قصيرة الأعمار ادباء إما جئتهم خطباء ضمناء كل كتيبة جرار ولما خطب سفيان بن الابرد الاصم الكلبي فبلغ في الترغيب والترهيب المبالغ ورأى عبد الله بن هلال اليشكري ان ذلك قد فت أعضاد أصحابه أنشأ يقول لعمري لقد قام الأصم بخطبة لها في صدور المسلمين غليل لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتي وفارقت ديني إنني لجهول وقال أحد الخطباء الذين تكلموا عند الاسكندر ميتا كان أمس أنطق منه اليوم وهو اليوم أوعظ منه أمس فأخذ ا بو العتاهية هذا المعنى بعينه فقال بكيتك يا علي بدر عيني فلم يغن البكاء عليك شيا طوتك خطوب دهرك بعد نشر كذاك خطوبه نشرا وطيا كفى حزنا بدفنك ثم اني نفضت تراب قبرك من يديا وكانت في حياتك لي عظات وأنت اليوم أوعظ منك حيا ومن الاسجاع الحسنة قول الاعرابية لابنها حين خاصمته الى عامل الماء أما كان بطني لك وعاء أما كان حجري لك فناء أما كان ثديي لك سقاء فقال ابنها أصبحت خطيبة رضي الله تعالى عنك وقال النمر بن تولب وقالت ألا فاسمع للفظي وخطبتي فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي فلم تنطقي حقا ولست بأهله فقبحت لي من قائل وخطيب وقال أبو عياد كاتب ابي خالد ما جلس احد قط بين يدي إلا تمثل لي اني سأجلس بين يديه قال الله عز وجل وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ليس يريد بلاغة اللسان وان كان اللسان لا يبلغ من القلوب حيث يريد الا بالبلاغة وكانت خطبة قريش في الجاهلية يعني خطبة النساء باسمك اللهم ذكرت فلانة وفلان بها مشغوف باسمك اللهم لك ما سألت ولنا ما أعطيت ولما مات عبد الملك بن مروان صعد المنبر الوليد ابنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لم أر مثلها مصيبة ولم أر مثلها ثوابا موت امير المؤمنين والخلافة بعده إنا لله وإنا إليه راجعون فالحمد لله على المصيبة والحمد لله على النعمة انهضوا فبايعوا على بركة الله رحمكم الله فقام اليه عبد الله بن همام فقال الله أعطاك التي لا فوقها وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلا سوقها إليك حتى قلدوك طوقها فبايع الناس وقيل لعمرو بن العاص في مرضه الذي مات فيه كيف تجدك قال أجدني أذوب ولا أثوب وأجد نجوى اكثر من رزئي فما بقاء الشيخ على ذلك وقيل لاعرابي كانت به أمراض عدة كيف تجدك قال أما الذي يعمدني فحصر وأسر وقال مقاتل سمعت يزيد بن المهلب يخطب بواسط فقال يا أهل العراق يا أهل السبق والسياق ومكارم الاخلاق ان اهل الشام في أفواههم لقمة دسمة قد رتبت لها الاشداق وقاموا لها على ساق وهم غير تاركيها لكم بالمراء والجدال فالبسوا لهم جلود النمور
الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على محمد خاصة وعلى انبيائه عامة
أردنا أبقاك الله ان نبتدى ء صدر هذا الجزء الثاني من البيان والتبيين بالرد على الشعوبية في طعنهم على خطباء العرب اذ وصلوا ايمانهم بالمخاصر واعتمدوا على وجه الارض بأطراف القسي والعصي أشاروا عند ذلك بالقضبان والقنا وفي كل ذلك قد روينا الشاهد الصادق والمثل السائر ولكنا أحببنا ان نصدر هذا الجزء بكلام من كلام رسول رب العالمين والسلف المتقدمين والجلة من التابعين الذين كانوا مصابيح الظلام وقادة هذا الأنام وملح الارض وحلى الدنيا والنجوم التي لا يضل معها الساري والمنار الذي اليه يرجع الباغي والحزب الذي كثر الله به القليل وأعز به الذليل وزاد الكثير في عدده والعزيز في ارتفاع قدره وهم الذين جلوا بكلامهم الابصار العليلة وشحذوا بمنطقهم الاذهان الكليلة فنبهوا القلوب من رقدتها ونقلوها من سوء عادتها وشفوها من داء القسوة وغباوة الغفلة وداووا من العي الفاضح ونهجوا الطريق الواضح ولولا الذي أملت في تقديم ذلك وتعجيله من العمل بالصواب وجزيل الثواب لقد كنت بدأت بالرد عليهم وبكشف قناع دعاويهم على أنا سنقول في ذلك بعد الفراغ مما هو أولى بنا وأوجب علينا والله الموفق والمستعان وعلى ان خطباء السلف الطيب واهل البيان من التابعين باحسان ما زالوا يسمون الخطبة التي لم يبتدى ء صاحبها بالتحميد ويستفتح كلامه بالتمجيد البتراء ويسمون التي لم توشح بالقرآن وتزين بالصلاة على النبي الشوهاء وقال عمران بن حطان خطبت عند زياد خطبة ظننت اني لم أقصر فيها عن غاية ولم أدع لطاعن علة فمررت ببعض المجالس فسمعت شيخا يقول هذا الفتى اخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن وخطب اعرابي فلما اعجله بعض الامر عن التصدير بالتحميد والاستفتاح بالتمجيد فقال اما بعد بغير ملال لذكر الله ولا إيثار غيره عليه فإنا نقول كذا ونسأل كذا فرارا من ان تكون خطبته بتراء أو شوهاء وقال شبيب بن شيبة الحمد لله وصلى الله على رسوله أما بعد فإنا نسأل كذا ونبذل كذا وبنا حفظك الله اشد الحاجة الى ان يسلم كتابنا هذا من البتر القبيح واللقب السميج المعيب بل قد نحب ان نزيد في بهائه ونستميل القلوب الى اجتبائه اذ كان الامل فيه بعيدا وكان معناه شريفا ثمينا ثم اعلم بعد ذلك ان جميع خطب العرب من اهل المدر والوبر والبدو والحضر على ضربين منها الطوال ومنها القصار ولكل ذلك مكان يليق به وموضع يحسن فيه ومن الطوال ما يكون مستويا في الجودة ومشاكلا في استواء الصنعة ومنها ذات الفقر الحسان والنتف الجياد وليس فيها بعد ذلك شيء يستحق الحفظ وانما حظها التخليد في بطون الصحف ووجدنا عدد القصار اكثر ورواة العلم الى حفظها اسرع وقد اعطينا كل شكل من ذلك قسطه من الاختيار ووفينا حقه من التمييز ونرجو ان لا نكون قصرنا في ذلك والله الموفق هذا سوى مما رسمناه في كتابنا هذا من مقطعات كلام العرب الفصحاء وجمل كلام الاعراب الخلص وأهل اللسن من رجالات قريش والعرب اهل الخطابة من اهل الحجاز ونتف من كلام النساك ومواعظ من كلام الزهاد مع قلة كلامهم وشدة توقيهم ورب قليل يغني عن الكثير كما ان رب كثير لا يتعلق به صاحب القليل بل رب كلمة تغني عن خطبة وتنوب عن رسالة بل رب كناية تربى على إفصاح ولحظ يدل على ضمير وان كان ذلك الضمير بعيد الغاية على النهاية ومتى شاكل ابقاك الله ذلك اللفظ معناه وأعرب عن فحواه وكان لتلك الحال وفقا ولذلك القدر لفقا وخرج من سماجة الاستكراه وسلم من فساد التكلف كان قمينا بحسن الموقع وبانتفاع المستمع وأجدر ان
يمنع جانبه من تناول الطاعنين ويحمي عرضه من اعتراض العيابين ولا تزال القلوب به معمورة والصدور مأهوله ومتى كان اللفظ ايضا كريما في نفسه متخيرا في جنسه وكان سليما من الفضول بريئا من التعقيد حبب الى النفوس واتصل بالاذهان والتحم بالعقول وهشت اليه الاسماع وارتاحت له القلوب وخف على ألسن الرواة وشاع في الآفاق ذكره وعظم في الناس خطره وصار ذلك مادة للعالمم الرئيس ورياضة للمتعلم الريض فان أراد صاحب الكلام صلاح شأن العامة ومصلحة حال الخاصة وكان ممن يعم ولا يخص وينصح ولا يغش وكان مشغوفا بأهل الجماعة شنقا لاهل الاختلاف والفرقة جمعت له الحظوظ من اقطارها وسيقت اليه القلوب بأزمتها وجمعت النفوس المختلفة الاهواء على محبته وجبلت على تصويب ارادته ومن أعاره الله من معرفته نصيبا وأفرغ عليه من محبته ذنوبا حنت اليه المعاني وسلس له نظام اللفظ وكان قد أغنى المستمع من كد التكلف وأراح قارى ء الكتاب من علاج التفهم ولم اجد في خطب السلف الطيب والاعراب الاقحاح ألفاظا مسخوطة ولا معاني مدخولة ولا طبعا رديا ولا قولا مستكرها وأكثر ما نجد ذلك في خطب المولدين البلديين المتكلفين ومن اهل الصنعة المتأدبين وسواء كان ذلك منهم على جهة الارتجال والاقتضاب أو كان من نتاج التخير والتفكر ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا وزمنا طويلا يردد فيها نظره ويقلب فيها رأيه إتهاما لعقله وتتبعا على نفسه فيجعل عقله ذماما على رأيه ورأيه عيارا على شعره إشفاقا على أدبه وإحرازا لما خوله الله من نعمته وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمنقحات والمحكمات ليصير قائلها فحلا خنذيذا وشاعرا مفلقا وفي بيوت الشعر الامثال والأوابد ومنها الشواهد ومنها الشوارد والشعراء عندهم اربع طبقات فأولهم الفحل الخنذيذ والخنذيذ هو التام قال الاصمعي قال رؤبة هم الفحول الرواة ودون الفحل الخنذيذ الشاعر المفلق ودون ذلك الشاعر فقط والرابع الشعرور ولذلك قال الاول في هجاء بعض الشعراء يا رابع الشعراء فيم هجوتني وزعمت أني مفحم لا أنطق فجعله سكيتا مخلفا ومسبوقا مؤخرا وسمعت بعض العلماء يقول طبقات الشعراء ثلاثة شاعر وشويعر وشعرور قال والشويعر مثل محمد بن حمران بن ابي حمران سماه بذلك امرؤ القيس ابن حجر ومنهم ثم من بني ضبة المفوف شاعر بني حميس وهو الشويعر ولذلك قال العبدي ألا تنهى سراة بني حميس شويعرها فويلية الأفاعي قبيلة تردد حيث شاءت كزائدة النعامة في الكراع والشويعر أيضا صفوان بن عبد ياليل من بني سعد بن ليث ويقال ان اسمه ربيعة بن عثمان وهو الذي يقول فسائل جعفرا وبني أبيها بني البرزا بطخفة والملاح وأفلتنا أبا ليلى طفيلا صحيح الجلد من أثر السلاح وقد زعم ناس ان الخنذيذ من الخيل هو الخصي وكيف يكون ذلك كذلك مع قول الشاعر يا ليتني يا ليت لم أر مثلها أمر قرى منها واكثر باكيا واكثر خنذيذا بجر عنانه الى الماء لم يترك له الموت ساقيا وقال بشر بن ابي خازم وخنذيذ ترى الغرمول منه كطي الزق علقه التجار وأبين من ذلك قول البرجمي وخناذيذ خصية وفخولا ويدل على ما قلنا قول العبسي دعوت بني سعد الي فشمرت خناذيذ من سعد طوال السواعد وكان زهير بن ابي سلمى يسمى كبار قصائده الحوليات وقد فسر سويد بن كراع العكلي ما قلنا في قوله أبيت بأبواب القوافي كأنما أصادي بها سربا من الوحش نزعا أكالئها حتى أعرس بعد ما يكون سحير أو بعيد فأهجعا عواصي إلا ما جعلت امامها عصا مربد تغشى نحورا وأذرعا أهبت بغر الآبدات وراجعت طريقا أملته القصائد مهيعا بعيدة شأو لا يكاد يردها لها طالب حتى يكل ويظلعا اذا خفت ان تردى علي رددتها وراء التراقي خشية ان تطلعا وجشمها خوف ابن عفان ردها فثقفتها حولا جريدا ومربعا وقد كان في نفسي عليها زيادة فلم أر الا ان أطيع وأسمعا وقال الحطيئة خير الشعر الحولي المحكك وكان الاصمعي يقول زهير بن أبي سلمى والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر وكذلك كل من يجود في جميع شعره ويقف عند كل بيت قاله وأعاد فيه النظر حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة وكان يقال لولا ان الشعر كان قد استعبدهم واستفرغ مجهودهم حتى أدخلهم في باب التكلف واصحاب الصنعة ومن يلتمس قعر الكلام واغتصاب الالفاظ لذهبوا مذهب المطبوعين الذين تأتيهم المعاني سهلا ورهوا وتنثال عليهم الالفاظ انثيالا وانما الشعر المحمود كشعر النابغة الجعدي ورؤبة ولذلك قالوا في شعره مطرف بالآف وخمار بواف وكان يخالف في جميع ذلك الرواة والشعراء وكان ابو عبيدة يقول ويحكي ذلك عن يونس ومن تكسب بشعره والتمس به صلات الاشراف والقادة وجوائز الملوك والسادة في قصائد السماطين وبالطوال التي تنشد يوم الحفل لم يجد بدا من صنيع زهير والحطيئة وأشباههما واذا قالوا في غير ذلك أخذوا عفو الكلام وتركوا المجهود ولم ترهم مع ذلك يستعملون مثل تدبيرهم في طوال القصائد وفي صنعة طوال الخطب بل كان الكلام البائت عندهم كالمقتضب اقتدارا عليه وثقة بحسن عادة الله عندهم فيه وكانوا مع ذلك اذا احتاجوا الى الرأي في معاظم التدبير ومهمات الامور بيتوه في صدورهم وقيدوه على أنفسهم فاذا قومه الثقاف وادخل الكير وقام على الخلاص أبرزوه محككا منقحا ومصفى من الادناس مهذبا وقال الربيع بن أبي الحقيق لأبي ياسر النضيري فلا تكثر النجوى وأنت محارب تؤامر فيها كل نكس مقصر وكان عبد الله بن وهب الراسبي يقول إياي والرأي الفطير وكان يستعيذ بالله من الرأي الدبري وقال سحبان وائل شر خليطيك السؤوم المحزم لان السؤوم لا يصبر وانما التفاضل في الصبر والمحزم صعب لا يعرف ما يراد به وليس الحزم الا بالتجارب ولان عقل الغريرة مسلم الى عقل التجربة ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه رأي الشيخ أحب إلي من جلد الشباب ولذلك كرهوا ركوب الصعب حتى يذل والمهر الارن الا بعد طول الرياضة ولم تحول المعانيق هماليج الا بعد طول التخليع ولم يحلبوا الزبون الا بعد الابساس وسنذكر من كلام رسول الله مما لم يسبقه اليه عربي ولم يشاركه فيه عجمي ولم يدع لاحد ولا ادعاه احد مما صار مستعملا ومثلا سائرا فمن ذلك قوله يا خيل الله اركبي ومن ذلك قوله مات حتف أنفه ومن ذلك قوله لا ينتطح فيه عنزان ومن ذلك قوله الان حمي الوطيس ولما قال عدي بن حاتم في قتل عثمان رضي الله تعالى عنه لا تحبق فيه عناق قال له معاوية بن أبي سفيان رحمهما الله بعد ان فقئت عينه وقتل ابنه يا أبا طريف هل حبقت في قتل عثمان عناق قال إي والله والتيس الاضجم فلم يصر كلامه مثلا وصار كلام رسول الله مثلا ومن ذلك قوله لأبي سفيان بن حرب كل الصيد في جوف الفرا ومن ذلك قوله هدنة على دخن وجماعة على أقذاء ومن ذلك قوله لا يلسع المؤمن من جحر مرتين ألا ترى ان الحارث بن خدان حين أمر بالكلام عند مقتل يزيد بن المهلب قال يا أيها الناس اتقوا الفتنة فانها تقبل بشبهة وتدبر ببيان وان المؤمن لا يلسع من جحر مرتين فضرب بكلام رسول الله المثل ثم قال اتقوا عصبا تأتيكم من الشام كأنها دلاء قد انقطع وذمها
وقال ابن الاشعث لاصحابه وهو على المنبر قد علمنا ان كنا نعلم وفهمنا ان نفهم ان المؤمن لا يلسع من جحر مرتين وقد والله لسعت بكم من جحر ثلاث مرات وانا استغفر الله من كل ما خالف الايمان وأعتصم به من كل ما قرب من الكفر وأنا اذكر بعد هذا فنا آخر من كلامه وهو الكلام الذي قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه وجل عن الصنعة ونزه عن التكلف وكان كما قال الله تبارك وتعالى قل يا محمد وما أنا من المتكلفين فكيف وقد عاب التشديق وجانب اصحاب التقعير واستعمل المبسوط في موضع البسط والمقصور في موضع القصر وهجر الغريب الوحشي ورغب عن الهجين السوقي فلم ينطق الا عن ميراث حكمة ولم يتكلم الا بكلام قد حف بالعصمة وشيد بالتأييد ويسر بالتوفيق وهذا الكلام الذي ألقى الله المحبة عليه وغشاه بالقبول وجمع له بين المهابة والحلاوة بين حسن الافهام وقلة عدد الكلام ومع استغنائه عن اعادته وقلة حاجة السامع الى معاودته لم تسقط له كلمة ولا زلت له قدم ولا بارت له حجة ولم يقم له خصم ولا أفحمه خطيب بل يبذ الخطب الطوال بالكلام القصير ولا يلتمس اسكات الخصم الا بما يعرفه الخصم ولا يحتج الا بالصدق ولا يطلب الفلج الا بالحق ولا يستعين بالخلابة ولا يستعمل المواربة ولا يهمز ولا يلمز ولا يبطى ء ولا يعجل ولا يسهب ولا يحصر ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا ولا اصدق لفظا ولا أعدل وزنا ولا اجمل مذهبا ولا اكرم مطلبا ولا احسن موقعا ولا اسهل مخرجا ولا افصح عن معناه ولا أبين في فحواه من كلامه كثيرا ولم أرهم يذمون المتكلف للبلاغة فقط بل كذلك يرون المتظرف والمتكلف للغناء ولا يكادون يضعون اسم المتكلف الا في المواضع التي يذمونها قال قيس بن خطيم فما المال والأخلاق الا معارة فما استطعت من معروفها فتزود واني لأغنى الناس عن متكلف يرى الناس ضلالا وليس بمهتد وقال ابن قميئة
وحمال أثقال اذا هي أعرضت عن الاصل لا يسطيعها المتكلف وقال محمد بن سلام قال يونس بن حبيب ما جاءنا عن احد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول الله وقد جمعنا في هذا الكتاب جملا التقطناها من أفواه أصحاب الاخبار ولعل بعض من لم يتسع في العلم ولم يعرف مقادير الكلام يظن ان تكلفنا له من الامتداح والتشريف ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده ولا يبلغه قدره كلا والذي حرم التزيد على العلماء وقبح التكلف عند الحكماء وبهرج الكذابين عند الفقهاء لا يظن هذا الا من ضل سعيه فمن كلام رسول الله حين ذكر الانصار فقال أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع وقال الناس كلهم سواء كأسنان المشط والمرء كثير بأخيه ولا خير في صحبة من لا يرى لك ما يرى لنفسه وقال الشاعر سواء كأسنان الحمار فلا ترى لذي شيبة منهم على ناشيء فضلا وقال آخر شبابهم وشيبهم سواء فهم في اللون أسنان الحمار واذا حصلت تشبيه الشاعر وحقيقته وتشبيه النبي وحقيقته علمت فضل ما بين الكلامين وقال رسول الله المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم ح فتفهم رحمك الله قلة حروفه وكثرة معانيه وقال اليد العليا خير من اليد السفلى ح وابدأ بمن تعول ح وقال ل ا تجن يمينك على شمالك ح وذكر الخيل فقال بطونها كنز وظهورها حرز ح وقال خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة ح وقال خير المال عين ساهرة لعين نائمة ح وقال نعمت العمة لكم النخلة تغرس في أرض خوارة وتشرب من عين خرارة ح وقال المطعمات في المحل الراسخات في الوحل ح وقال الحمى في أصول النخل وذكر الخيل فقال أعوافها أدفاؤها
وأذنابها مذابها والخيل معقود في نواصيها الخير الى يوم القيامة ح وقال ليس منا من حلق أو صلق أو شق ح وقال نهيتكم عن عقوق الامهات ووأد البنات ومنع وهات وقال الناس كإبل مئة لا تجد فيها راحلة وقال ما أملق تاجر صدوق وجاء في الحديث ما قل وكفى خير مما كثر وألهى وقال يحمل هذا العلم من كل خلف عدد له ينفون عنه تحريق الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وقال علي بن ابي طالب رضي الله عنه قال رسول الله الخير في السيف والخير مع السيف والخير بالسيف وقال لا يوردن مجرب على مصح وقال لا تزال أمتي صالحا أمرها ما لم تر الامانة مغنما والصدقة مغرما ورأس العقل بعد الايمان بالله مداراة الناس ولن يهلك امرؤ بعد مشورة وقال المستشار مؤتمن وقال المستشار بالخيار ان شاء قال وان شاء أمسك وقال رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم وقال افصلوا بين حديثكم بالاستغفار وقال استعينوا على طول المشي بالسعي وقال للختانة يا أم عطية أشميه ولا تنهكيه فانه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج وقال لا تجلسوا على ظهور الطريق فان أبيتم فغضوا الابصار وردوا السلام واهدوا الضال وأعينوا الضعيف وقال ان الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا يرضى لكم ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وان تعتصموا بحبله جميعا ولا تتفرقوا وان تناصحوا من ولاه الله أمركم ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال وقال يقول ابن آدم مالي وانما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو وهبت فأمضيت وقال لو ان لابن ادم واديين من ذهب لسأل اليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن ادم الا التراب ويتوب الله على من تاب وقال ان الدنيا حلوة خضرة وان الله مستعملكم فيها فناظر كيف تعملون وقال ان أحبكم الي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم اخلاقا الموطؤن اكنافا الذين يألفون ويؤلفون وان أبغضكم الي وابعدكم مني مجالس يوم القيامة الثرثارون المتشدقون المتفيهقون وقال إياي والتشادق وقال إياي والفرج في الصلاة وقال لا يؤمن ذو سلطان في سلطانه ولا يجلس على تكرمته الا باذنه وقال إياكم والمشارة فانها تميت الغرة وتحيي العرة وقال لا ينبغي لصديق ان يكون لعانا وقال أعوذ بالله من الاعميين وبوار الأيم وكان يقول أعوذ بالله من دعاء لا يسمع وقلب لا يخشع وعلم لا ينفع ح وقال رجل يا رسول الله اوصني بشيء ينفعني الله به قال اكثر ذكر الموت يسلك عن الدنيا وعليك بالشكر فان الشكر يزيد في النعمة واكثر الدعاء فانك لا تدري متى يستجاب لك وقال أيها الناس انما بغيكم على انفسكم وإياك والبغي فان الله قد قضى انه من بغي عليه لينصرنه الله وإياك والمكر فان الله قد قضى ان لا يحيق المكر السيء الا بأهله وقيل يا رسول الله اي العمل افضل فقال اجتناب المحارم ولا يزال فوك رطبا من ذكر الله وقيل له اي الاصحاب افضل فقال الذي اذا ذكرت أعانك واذا نسيت ذكرك وقيل اي الناس شر قال العلماء اذا فسدوا وقال دب اليكم داء الامم من قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تؤمنون حتى تحاربوا اولا انبئكم بأمر اذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم وقال تهادوا تحابوا وعن الحسن قال قال رسول الله أوصاني ربي بتسع أوصاني بالاخلاص في السر والعلانية وبالعدل في الرضا والغضب وبالقصد في الغنى والفقر وان أعفو عمن ظلمني وأعطي من حرمني وأصل من قطعني وأن يكون صمتي فكرا ونطقي ذكرا ونظري عبرا وثلاث كلمات رويت مرسلة وقد رويت لأقوام شتى وقد يجوز ان يكون انما حكوها ولم يبتدئوها منها قوله لو تكاشفتم لما تدافنتم ومنها قوله الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم ومنها قوله ما هلك امرؤ عرف قدره وقال اسماعيل بن عياش عن عبد الله بن دينار قال قال النبي ان الله كره لكم العبث في الصلاة والرفث في الصيام والضحك عند المقابر وقال اذا أذنت فترسل واذا أقمت فأجزم
وحدثنا اسماعيل بن عياش الحمصي عن الحسن بن دينار عن الحصيب بن جحدر وهو من حديث معاذ بن جبل قال قال رسول الله ليس من اخلاق المؤمن الملق الا في طلب العلم ومن حديث أنس بن مالك ان النبي قال قيدوا العلم بالكتاب قال ويقول الله لولا رجال خشع وصبيان رضع وبهائم رتع لصببت عليكم العذاب صبا ومن حديث عبد الله بن المبارك رفعه قال اذا ساد القبيل فاسقهم وكان زعيم القوم ارذلهم وأكرم الرجل اتقاء شره فلينتظروا البلاء ومن حديث ابن أبي ذئب عن المغيرة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ستحرصون على الامارة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة ومن حديث عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن ابي بكرة عن أبيه قال قال رسول الله لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان ومن حديث عبد الله بن المبارك قال كان رسول الله يقول ان قوما ركبوا سفينة في البحر فاقتسموا فصار لكل رجل منهم موضع فنقر رجل منهم موضعه بفأس فقالوا له ما تصنع فقال هو مكاني أصنع فيه ما شئت فان احذوا على يديه نجا ونجوا وان تركوه هلك وهلكوا وقال علق سوطك حيث يراه أهلك ودخل السائب بن أبي صيفي على النبي فقال يا رسول الله اتعرفني قال وكيف لا اعرف شريكي الذي كان يشاريني ولا يماريني وقال رسول الله يؤتى بالوالي يجلد فوق ما أمر الله به فيقول له الرب عبدي لم جلدت فوق ما امرتك به فيقول ربي غضبت لغضبك فيقول اكان ينبغي لغضبك ان يكون أشد من غضبي ثم يؤتى بالمقصر فيقول عبدي لم قصرت عما امرتك به فيقول ربي رحمته فيقول اكان ينبغي لرحمتك ان تكون اوسع من رحمتي قال فيأمر فيهما بشيء قد ذكره لا أعرفه الا انه صيرهما الى النار قال وكيع حدثنا عبد العزيز بن عمر عن قزعة قال قال لي ابن عمر أودعك كما ودعني رسول الله أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك وقال كل ارض بسمائها
وروى سعيد بن عفير عن ابن لهيعة عن اشياخه ان النبي كتب لوائل بن حجر الحضرمي ولقومه من محمد رسول الله الى الاقيال العباهلة من اهل حضرموت باقام الصلاة وإيتاء الزكاة على التيعة شاة والتيمة لصاحبها وفي السيوب الخمس لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار فمن أجبى فقد أربى وكل مسكر حرام ومن حديث راشد بن سعد ان رسول الله قال لا تغالوا في النساء فانما هن سقيا